كتب: نشوى عبدالنبي
باحث سياسي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، مجلس الوزراء
- أهداف البحث
- محاور البحث
- موقع الجزائر في سوق الطاقة في غرب المتوسط
- تطورات الغاز الطبيعي في نيجيريا
- تأثير موارد نيجيريا على سوق غرب المتوسط
- التحديات والفرص المستقبلية للجزائر
- أولاً: موقع الجزائر في سوق الطاقة في غرب المتوسط
- ثانياً: تطورات الغاز الطبيعي في نيجيريا
- ثالثاً: تأثير موارد نيجيريا على سوق غرب المتوسط
- o إمكانية دخول الغاز النيجيري إلى الأسواق الأوروبية
- o تحليل المنافسة اللوجستية والاقتصادية
- o العوامل الجيوسياسية
- مشروعات خطوط أنابيب الغاز الطبيعي من نيجيريا إلى أوروبا
- رابعاً: التحديات والفرص المستقبلية للجزائر في سوق الطاقة
مقدمة
تلعب الجزائر دوراً محورياً في سوق الطاقة بمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي واحتياطاتها الكبيرة من الغاز الطبيعي وشبكات التصدير القائمة عبر خطوط الأنابيب والغاز المسال. ومع تزايد الاهتمام العالمي بالطاقة، وتنامي الطلب على الغاز الطبيعي كوقود انتقال نحو الطاقة النظيفة، تواجه الجزائر تحديات وفرصاً متعددة لاستدامة نفوذها في أسواق الطاقة الإقليمية والدولية.
في الوقت نفسه، تشهد نيجيريا، بوصفها أحد أكبر الدول الأفريقية من حيث احتياطات الغاز الطبيعي، مشاريع واسعة تهدف إلى زيادة استغلال مواردها الغازية وتحويلها إلى عائد اقتصادي واستراتيجي، سواء عبر الغاز الطبيعي المسال (LNG) أو من خلال صادرات الغاز إلى الأسواق العالمية. هذه التطورات تستدعي بحث أثرها على موقع الجزائر في سوق الطاقة الإقليمي، خاصة في غرب المتوسط، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية بين المنتجين والمستهلكين.
أهداف البحث
- دراسة موقع الجزائر في سوق الطاقة في غرب المتوسط من حيث الإنتاج، التصدير، والبنية التحتية.
- تحليل المشاريع النيجيرية للغاز الطبيعي وقدرتها على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
- استكشاف فرص وتحديات الجزائر في الحفاظ على حصتها السوقية أمام المنافسة المتزايدة.
- تقديم توصيات استراتيجية لتعزيز موقع الجزائر في سوق الطاقة الإقليمي.
محاور البحث
موقع الجزائر في سوق الطاقة في غرب المتوسط
- احتياطيات الغاز الطبيعي والبنية التحتية: تشمل محطات الغاز الطبيعي المسال، خطوط الأنابيب الاستراتيجية (مثل خط أنابيب الجزائر–إسبانيا وخط الجزائر–إيطاليا)، ومرافق المعالجة والتوزيع.
- الأسواق المستهدفة: تتصدر أوروبا الغربية، خصوصًا إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، قائمة المستوردين الرئيسيين للغاز الجزائري.
- الدور السياسي والاستراتيجي: تعتبر الجزائر شريكًا أساسيًا في الأمن الطاقي الأوروبي، مما يمنحها تأثيرًا سياسيًا إلى جانب تأثيرها الاقتصادي.
تطورات الغاز الطبيعي في نيجيريا
- الاحتياطيات والإنتاج المتوقع: تقديرات كبيرة لموارد الغاز الطبيعي، مع مشاريع توسع إنتاجية مستمرة.
- مشاريع التصدير: تشمل محطات الغاز الطبيعي المسال، مشاريع خطوط الأنابيب الداخلية، وبرامج لزيادة القدرة التصديرية إلى الأسواق العالمية.
- عوامل التنفيذ: الاستقرار السياسي، التمويل الدولي، والشراكات مع الشركات الكبرى تؤثر على سرعة تنفيذ المشاريع وكفاءتها.
تأثير موارد نيجيريا على سوق غرب المتوسط
- إمكانية دخول الغاز النيجيري إلى الأسواق الأوروبية عبر الغاز الطبيعي المسال، ما يشكل منافسة مباشرة للغاز الجزائري.
- تحليل المنافسة اللوجستية والاقتصادية بين الجزائر ونيجيريا، بما في ذلك التكاليف، القدرة على النقل، والمرونة التصديرية.
- العوامل الجيوسياسية: تأثير التحالفات الإقليمية والدولية على قدرة كل دولة في تأمين حصتها السوقية.
التحديات والفرص المستقبلية للجزائر
- التحديات: انخفاض الإنتاج، الضغط على البنية التحتية، المنافسة من الغاز النيجيري والمصدرين الآخرين، التحولات في الطلب الأوروبي نحو الطاقة النظيفة.
- الفرص: تطوير الغاز الطبيعي المسال، تحسين الشراكات الدولية، استخدام التكنولوجيا لتعزيز كفاءة الإنتاج والتصدير.
أولاً: موقع الجزائر في سوق الطاقة في غرب المتوسط
تحتل الجزائر مكانة مركزية في سوق الطاقة بمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، نظرًا لاحتياطاتها الكبيرة من الغاز الطبيعي وموقعها الاستراتيجي الذي يربط شمال إفريقيا بأوروبا. وتعد موارد الغاز الطبيعي أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، ومصدرًا رئيسيًا للإيرادات المالية، فضلاً عن كونها أداة للنفوذ السياسي والإقليمي.
o احتياطيات الغاز الطبيعي والبنية التحتية
تمتلك الجزائر احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، تقدر بعدة تريليونات من الأقدام المكعبة، مما يجعلها من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للغاز في إفريقيا والعالم. ويأتي استغلال هذه الموارد مدعومًا ببنية تحتية متطورة تشمل محطات الغاز الطبيعي المسال التي تتيح تحويل الغاز إلى شكل قابل للتصدير عبر السفن، بالإضافة إلى مرافق المعالجة والتوزيع التي تضمن جودة وكفاءة الإنتاج.
احتياطات النفط في الجزائر
تلعب خطوط الأنابيب الاستراتيجية دورًا محوريًا في موقع الجزائر ضمن سوق الطاقة الإقليمي، ومن أبرز هذه الخطوط: خط أنابيب الجزائر–إسبانيا المعروف باسم MEG، الذي ينقل الغاز عبر المغرب إلى السوق الإسبانية، وخط أنابيب الجزائر–إيطاليا (TransMed) الذي يعبر تونس قبل الوصول إلى إيطاليا. تتيح هذه الشبكات نقل الغاز بكفاءة واستمرارية، وتضمن وصول الإمدادات إلى الأسواق الأوروبية الحيوية دون انقطاع. كما تعكس هذه البنية التحتية قدرة الجزائر على تلبية الطلب الأوروبي المتنامي على الغاز الطبيعي، سواء لأغراض توليد الكهرباء أو الصناعات الثقيلة[1].
إن الجزائر ثالث أكبر منتج للنفط في أفريقيا بمتوسط 934 ألف برميل يوميًا خلال 2025، مع تأثُّرها بالتخفيضات الطوعية ضمن تحالف أوبك+ خلال العامَيْن الماضيَيْن، كما واصل قطاع الطاقة في الجزائر خلال 2025 تعزيز جهوده في نشر مشروعات الطاقة المتجددة وتأمين مكانتها في سوق الهيدروجين الأوروبية. وفي مارس 2025، قامت الجزائر بوضع حجر الأساس لمشروع محطة طاقة شمسية جديدة في قرية العبادلة بولاية بشار، بقدرة إنتاجية تصل إلى 80 ميجاواط. وتُعد “محطة العبادلة” واحدة من خمسة محطات يتم تنفيذها ضمن البرنامج الوطني الطموح الذي تشرف عليه شركة “سونلغاز”، والذي يهدف إلى إضافة 3 جيجاواط من الطاقة المتجددة. وفي إطار دعم هذا التحول الطاقي، أطلق قطاع الطاقة مشروع “طاقاتي 2 (TaqatHy+)” بتمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي وألمانيا بقيمة 28 مليون يورو (33 مليون دولار)، ومن المقرر أن يستمر تنفيذ المشروع حتى عام 2029.
سعة توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة في الجزائر (2015 – 2025)
o الأسواق المستهدفة
تعد أوروبا الغربية السوق الأكثر أهمية للغاز الجزائري، مع تركيز خاص على إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز المستورد لتغطية احتياجاتها الطاقية. ويعكس هذا التركيز قدرة الجزائر على الوصول إلى أسواق ذات استهلاك كبير وثابت، وهو ما يضمن استقرار الإيرادات المرتبطة بتصدير الغاز. وتظهر البيانات أن صادرات الجزائر الأوروبية تمثل نسبة كبيرة من إجمالي صادراتها الغازية، ما يجعل العلاقة مع هذه الدول حيوية من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية[2].
إضافة إلى ذلك، يسعى الجانب الجزائري إلى تنويع أسواقه من خلال تطوير محطات الغاز الطبيعي المسال، بما يمكنه من الوصول إلى أسواق جديدة في شرق المتوسط وأجزاء أخرى من العالم، ويعزز القدرة على مواجهة المنافسة من منتجين آخرين مثل نيجيريا وروسيا وقطر[3].
o الدور السياسي والاستراتيجي
تتمتع الجزائر بموقع سياسي واستراتيجي مهم ضمن معادلة الأمن الطاقي الأوروبي. فكونها مزودًا رئيسيًا للغاز الأوروبي يمنحها نفوذًا سياسيًا بجانب الدور الاقتصادي، حيث يمكن استخدام الطاقة كأداة للتأثير في العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف. وقد أظهرت التجربة أن الاستقرار الجزائري في قطاع الطاقة، والبنية التحتية المتقدمة، وسهولة الوصول إلى الأسواق الأوروبية، جعلتها شريكًا موثوقًا في منظومة تأمين الإمدادات الطاقية للقارة.
وبالتالي، لا يقتصر دور الجزائر على كونها مصدرًا للموارد، بل يمتد إلى كونها عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الأوروبية للطاقة، حيث تشكل إمداداتها جزءًا من خطط التنويع والحد من الاعتماد على منتجين آخرين. ويمنح هذا المزيج من القدرات الاقتصادية والسياسية الجزائر قدرة على المساهمة في تحديد سياسات المنطقة فيما يتعلق بالطاقة والاستقرار الإقليمي.
ثانياً: تطورات الغاز الطبيعي في نيجيريا
تعد نيجيريا واحدة من أكبر الدول الأفريقية من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي، وتمثل مواردها الغازية عنصرًا استراتيجيًا على المستويين الإقليمي والدولي. وقد اكتسبت هذه الموارد أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة، مع تزايد الطلب العالمي على الغاز الطبيعي كوقود انتقال نحو الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الفحم والنفط التقليدي.
o الاحتياطيات والإنتاج المتوقع
تمتلك نيجيريا احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي، تُقدر بعشرات التريليونات من الأقدام المكعبة، ما يجعلها في المرتبة الأولى على القارة الأفريقية والثالثة عشر على مستوى العالم من حيث حجم الاحتياطيات. ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الاحتياطيات لم يُستغل بعد، ويُعرف باسم “الغاز المصاحب” للنفط، والذي غالبًا ما يُحرق حاليًا بسبب قيود البنية التحتية.
تسعى الحكومة النيجيرية إلى زيادة معدلات الإنتاج عبر مشاريع توسع مستمرة في حقول الغاز الرئيسية، لا سيما في دلتا النيجر والمناطق الساحلية الجنوبية. وتشمل هذه المشاريع تطوير مرافق الاستخراج والمعالجة، وزيادة كفاءة الإنتاج، وتحسين نظم النقل الداخلي لتقليل الهدر وتحسين القيمة الاقتصادية للغاز. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوسع إلى رفع حجم الإنتاج السنوي بشكل ملحوظ خلال العقد القادم، ما سيجعل نيجيريا منافسًا قويًا في أسواق الغاز العالمية[4].
o مشاريع التصدير
تولي نيجيريا أهمية كبيرة لتعزيز قدرتها على تصدير الغاز الطبيعي، سواء عبر خطوط الأنابيب الداخلية أو من خلال محطات الغاز الطبيعي المسال ، وتعمل الدولة على إنشاء محطات حديثة للغاز الطبيعي المسال تمكنها من تصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، كما يجري تحديث محطات قديمة لرفع كفاءتها الإنتاجية.
علاوة على ذلك، تشمل مشاريع التصدير إنشاء شبكة خطوط أنابيب تربط بين الحقول الرئيسية ومحطات المعالجة والموانئ البحرية، ما يسهل نقل الغاز بكفاءة وأمان. كما توجد برامج استراتيجية لزيادة القدرة التصديرية من خلال شراكات مع شركات طاقة عالمية، بما يعزز مكانة نيجيريا كمصدر رئيسي للغاز الطبيعي في الأسواق العالمية ويزيد من العوائد الاقتصادية للدولة.
o عوامل التنفيذ
تتوقف سرعة تنفيذ مشاريع الغاز الطبيعي في نيجيريا على مجموعة من العوامل الحيوية، أهمها الاستقرار السياسي، الذي يعد شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات الأجنبية وحماية البنية التحتية الحيوية. كما يشكل التمويل الدولي عاملاً محوريًا، نظرًا لحجم الاستثمارات الضخمة المطلوبة لبناء محطات الغاز الطبيعي المسال وتطوير خطوط الأنابيب.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب الشراكات مع الشركات الكبرى دورًا محوريًا في نقل التكنولوجيا الحديثة، وتدريب الكوادر المحلية، وضمان إدارة المشاريع وفق أفضل المعايير الدولية. ومن خلال هذه الشراكات، يمكن تسريع تنفيذ المشاريع وزيادة كفاءتها التشغيلية، وهو ما يعزز قدرة نيجيريا على منافسة المنتجين الآخرين مثل الجزائر وقطر وروسيا في الأسواق العالمية.
ثالثاً: تأثير موارد نيجيريا على سوق غرب المتوسط
تشكل موارد الغاز الطبيعي في نيجيريا عاملًا متناميًا يؤثر على ديناميات سوق الطاقة في منطقة غرب المتوسط، لا سيما مع نمو مشاريع الغاز الطبيعي المسال (LNG) التي تمكنها من الوصول إلى الأسواق الأوروبية. وقد بدأت نيجيريا تتبوأ مكانة متقدمة كأحد المنافسين المحتملين للمنتجين التقليديين في المنطقة، مثل الجزائر، الأمر الذي يطرح تحديات وفرصًا جديدة في التوازن الإقليمي لسوق الغاز.
o إمكانية دخول الغاز النيجيري إلى الأسواق الأوروبية
تمثل محطات الغاز الطبيعي المسال التي تنشئها نيجيريا نقطة تحول استراتيجية في قدرتها على التصدير إلى أوروبا. فالغاز النيجيري المسال يمكن شحنه مباشرة إلى الأسواق الأوروبية عبر السفن، متجاوزًا قيود خطوط الأنابيب التقليدية التي غالبًا ما تحدد نطاق الانتشار الجغرافي للغاز. وهذا يتيح لنيجيريا منافسة الجزائر، التي تعتمد بشكل رئيسي على خطوط أنابيب أرضية مثل خط أنابيب الجزائر–إيطاليا وخط الجزائر–إسبانيا، وكذلك محطات الغاز الطبيعي المسال المحلية المحدودة نسبيًا. ومع توسع القدرة التصديرية النيجيرية، يمكن أن تدخل حصص جديدة من الغاز إلى الأسواق الأوروبية، ما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار أو الضغط على الجزائر للحفاظ على تنافسيتها[5].
o تحليل المنافسة اللوجستية والاقتصادية
تتجلى المنافسة بين الجزائر ونيجيريا في عدة مستويات، أبرزها البنية التحتية والتكلفة والمرونة التصديرية. تعتمد الجزائر على خطوط أنابيب طويلة الأمد لنقل الغاز إلى أوروبا، وهي شبكة ذات كفاءة عالية لكنها محدودة جغرافيًا، كما تتطلب استثمارات مستمرة للصيانة والتوسعة. في المقابل، تمتلك نيجيريا قدرة على تصدير الغاز عبر LNG، مما يوفر لها مرونة أكبر في تحديد الأسواق المستهدفة حسب الطلب والعوائد السعرية.
من الناحية الاقتصادية، يتطلب إنتاج الغاز النيجيري وتحويله إلى LNG استثمارات كبيرة، بما في ذلك بناء محطات التسييل والموانئ، لكن هذه الطريقة تتيح تلبية الطلب الأوروبي حتى في حالات تقلبات الإمدادات من الجزائر أو الموردين الآخرين. ويعتمد التنافس أيضًا على التكاليف اللوجستية والقدرة على النقل الفعال، وهو ما يجعل الاستثمار في التكنولوجيا وإدارة سلاسل الإمداد عاملًا حاسمًا للحفاظ على الحصة السوقية.
o العوامل الجيوسياسية
تلعب العوامل الجيوسياسية دورًا حاسمًا في تحديد قدرة الجزائر ونيجيريا على تأمين حصصهما في السوق الأوروبية. فالتحالفات الإقليمية والدولية، مثل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، والشركات متعددة الجنسيات، تؤثر مباشرة على قوة التفاوض، واستقرار العقود، وتحديد الأسعار. كما يمكن أن تؤثر الاضطرابات السياسية أو النزاعات الداخلية في أي من البلدين على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها التصديرية، مما يفتح المجال لمنافسة متبادلة وتعقيدات في سوق غرب المتوسط.
كما أن التحولات في السياسات الأوروبية للطاقة، بما في ذلك الاتجاه نحو الغاز الصديق للبيئة وتقليل الاعتماد على الفحم والنفط، تجعل السوق أكثر حساسية للتغيرات في العرض والأسعار، ما يعزز الحاجة لكل من الجزائر ونيجيريا إلى إدارة استراتيجياتها بعناية لتحقيق التوازن بين الطلب المحلي والعالمي، وضمان استدامة النفوذ في الأسواق الأوروبية[6].
مشروعات خطوط أنابيب الغاز الطبيعي من نيجيريا إلى أوروبا
- خط أنابيب ترانس-صحراء (Trans-Sahara Gas Pipeline – TSGP)
يربط نيجيريا مروراً بالنيجر وصولاً إلى الجزائر، حيث يندمج مع شبكة الغاز الجزائرية ليصل إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. على الرغم من أن المشروع مطروح منذ عقود، إلا أنه يواجه تحديات أمنية كبيرة، خاصة في شمال نيجيريا ووسط النيجر بسبب نشاط الجماعات المسلحة والتهديدات الإرهابية. ويُعتبر قرب المشروع من التنفيذ متوسطاً، نظراً للحاجة لاستثمارات ضخمة وبنية تحتية قوية تضمن الأمن، بالإضافة إلى ضرورة توفر الاستقرار السياسي في المناطق الواقعة على مسار الأنابيب. وعند تنفيذه، من المتوقع أن يضيف المشروع قدرة كبيرة لإمدادات الغاز نحو شمال إفريقيا وأوروبا، بما يعزز تنويع مصادر الغاز ويقلل الاعتماد على الغاز الروسي أو الغاز المسال.
- خط أنابيب نيجيريا-المغرب (Nigeria-Morocco Gas Pipeline)
يمتد خط أنابيب نيجيريا-المغرب من نيجيريا غرباً مروراً بالسنغال والموريتانيا وصولاً إلى المغرب، ومن هناك يمكن تصدير الغاز إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. يواجه المشروع تحديات سياسية كبيرة بسبب تعدد دول العبور، إلى جانب تكاليف استثمارية مرتفعة وطول المسار، مما يزيد من التعقيدات اللوجستية. وبسبب هذه العوامل ونقص الدعم الدولي، يُعتبر القرب من التنفيذ منخفضاً، كما توجد مخاطر أمنية محتملة على طول الطريق. وإذا تم تنفيذ المشروع، فسيشكل مصدراً جديداً للغاز الطبيعي إلى أوروبا الغربية، لكنه بعيد المدى ولا يمثل حلاً فورياً لسد احتياجات السوق الحالية[7].
- خط أنابيب نيجيريا-ليبيا (Nigeria-Libya Gas Pipeline)
خط أنابيب نيجيريا-ليبيا يربط نيجيريا بشمال إفريقيا مروراً بدول الساحل وصولاً إلى ليبيا، ومن هناك يمكن تصدير الغاز إلى أوروبا. يواجه المشروع عقبات سياسية وأمنية كبيرة، خاصة في ليبيا بعد سنوات من النزاع الداخلي وعدم الاستقرار، إضافة إلى التحديات في دول الساحل. وبسبب هذه الظروف، يُعتبر قرب المشروع من التنفيذ ضعيفاً جداً، إذ يتطلب تنسيقاً أمنياً وسياسياً معقداً على طول المسار. وفي حال تحسنت الظروف الأمنية والسياسية مستقبلاً، قد يتحول المشروع إلى خيار استراتيجي بعيد المدى لتصدير الغاز، لكن تأثيره على سوق الغاز في المدى القريب يبقى محدوداً[8].
يُعد مشروع Trans-Sahara Gas Pipeline الأقرب للتنفيذ على المدى المتوسط، نظراً لدعمه من الجزائر واستقرار شمال إفريقيا النسبي مقارنة بمشروعي نيجيريا-المغرب ونيجيريا-ليبيا. ومن المتوقع أن يسهم المشروع في تعزيز تنويع مصادر الغاز الأوروبية وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي أو الغاز المسال، كما سيزيد القدرة التصديرية للغاز الإفريقي، مما قد يؤدي إلى تخفيض الأسعار في السوق المتوسطية على المدى الطويل، ويعزز الربط البيني لشبكات الغاز في شمال إفريقيا، ما يسهل وصول الغاز إلى إسبانيا وإيطاليا وفرنسا. في المقابل، يظل مشروعا Nigeria-Morocco Pipeline وNigeria-Libya Pipeline بعيدين نسبياً عن التنفيذ الفعلي حالياً، بسبب المخاطر السياسية والأمنية والتحديات اللوجستية المرتبطة بهما.
رابعاً: التحديات والفرص المستقبلية للجزائر في سوق الطاقة
تواجه الجزائر في السنوات المقبلة تحديات متعددة في قطاع الغاز الطبيعي، يتزامن ذلك مع وجود فرص استراتيجية يمكن استثمارها لتعزيز موقعها في سوق غرب المتوسط والأسواق الأوروبية. ويعد هذا التوازن بين التحديات والفرص عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الجزائر على الحفاظ على حصتها السوقية وتوسيع نفوذها الإقليمي والدولي.
التحديات
- أول وأبرز التحديات هو انخفاض الإنتاج الغازي في بعض الحقول التقليدية نتيجة استنزاف الاحتياطيات الطبيعية وقلة الاستثمارات الحديثة في عمليات الاستكشاف والتنقيب. هذا الانخفاض قد يؤدي إلى صعوبة تلبية الطلب المتزايد في الأسواق الأوروبية، خصوصًا في ظل تزايد المنافسة من منتجين آخرين مثل نيجيريا وقطر وروسيا.
- ثانيًا، يمثل الضغط على البنية التحتية تحديًا كبيرًا للجزائر. خطوط الأنابيب ومحطات الغاز الطبيعي المسال تحتاج إلى صيانة دورية وتوسعة مستمرة لضمان نقل الغاز بكفاءة وأمان. كما أن أي توقف أو عطل فني في هذه الشبكات قد يؤدي إلى تقليل القدرة التصديرية، ويضعف موقع الجزائر التنافسي في السوق الأوروبي.
- ثالثًا، يفرض تنافس الغاز النيجيري والمصدرين الآخرين ضغوطًا إضافية على الجزائر، حيث يتمتع الغاز النيجيري بميزة التصدير عبر محطات الغاز الطبيعي المسال، ما يوفر مرونة أكبر في الوصول إلى أسواق متعددة حسب الحاجة والفرص السعرية. وبالمثل، فإن الموردين العالميين الآخرين قد يستفيدون من التقلبات في أسعار الغاز أو من الفراغات في الأسواق الأوروبية لتعزيز حصصهم.
- أخيرًا، يمثل تحول الطلب الأوروبي نحو الطاقة النظيفة والمتجددة تحديًا طويل الأمد، إذ تسعى الدول الأوروبية لتقليل الاعتماد على الغاز والفحم تدريجيًا، ضمن سياسات الحياد الكربوني. وهذا يتطلب من الجزائر التكيف مع هذا التحول عبر تطوير حلول طاقية أكثر صداقة للبيئة، أو تعديل استراتيجيات التصدير والتركيز على الغاز الصديق للبيئة، وهو ما يمثل تحديًا تقنيًا واقتصاديًا في الوقت نفسه.
الفرص
- رغم هذه التحديات، توجد للجزائر فرص استراتيجية لتعزيز موقعها في السوق. من أبرز هذه الفرص تطوير مشاريع الغاز الطبيعي المسال (LNG)، التي توفر مرونة أكبر في التصدير إلى أسواق جديدة خارج نطاق خطوط الأنابيب التقليدية، خصوصًا في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. وهذا يعزز قدرة الجزائر على المنافسة وتقليل اعتمادها على الأسواق التقليدية.
- كما تمثل تحسين الشراكات الدولية فرصة كبيرة، سواء عبر التعاون مع الشركات متعددة الجنسيات المتخصصة في الطاقة أو من خلال الاتفاقيات الثنائية والإقليمية مع الدول المستهلكة. هذه الشراكات توفر التمويل، والخبرة التقنية، ونقل التكنولوجيا، وتفتح أبوابًا لتوسيع الأسواق وزيادة الإيرادات.
- بالإضافة إلى ذلك، يمثل استخدام التكنولوجيا الحديثة فرصة لتعزيز كفاءة الإنتاج والتصدير، بما يشمل تطوير أنظمة المعالجة والتحكم، تحسين نظم النقل، والاستفادة من الابتكارات في الطاقة النظيفة. كما يمكن للتقنيات الحديثة أن تساعد في تقليل الهدر في الغاز المصاحب للنفط، وزيادة الإنتاجية، وتحسين جودة المنتج النهائي بما يتوافق مع معايير الأسواق العالمية.
خلاصة القول، تمثل الجزائر لاعبًا محوريًا في سوق الطاقة بمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، بفضل احتياطياتها الكبيرة من الغاز الطبيعي، وبنيتها التحتية المتطورة التي تشمل محطات الغاز الطبيعي المسال وخطوط الأنابيب الاستراتيجية التي تربطها مباشرة بالأسواق الأوروبية، خاصة إسبانيا وإيطاليا وفرنسا. ويمنح هذا الوضع الجزائر مكانة اقتصادية وسياسية متقدمة، إذ يُنظر إليها كشريك أساسي في تأمين الطاقة الأوروبية، ما يوفر لها نفوذًا استراتيجيًا يتجاوز الأبعاد الاقتصادية إلى المجال السياسي الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، تطرح المشاريع النيجيرية لاستغلال الغاز الطبيعي تحديًا متناميًا لموقع الجزائر في الأسواق الأوروبية. فنيجيريا، بفضل احتياطياتها الضخمة ومشاريع الغاز الطبيعي المسال، باتت قادرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية مباشرة، ما يخلق منافسة مباشرة للغاز الجزائري. وتعكس هذه المنافسة الديناميات الجديدة في السوق، حيث يعتمد الاستقرار والحصة السوقية لكل دولة على القدرة اللوجستية، ومرونة التصدير، وكفاءة البنية التحتية، فضلاً عن العوامل الجيوسياسية والتحالفات الدولية التي تؤثر في تأمين الإمدادات وتثبيت الأسعار.
في مواجهة هذه التحديات، تتمتع الجزائر بفرص استراتيجية لتعزيز موقعها والحفاظ على نفوذها. ويمكن التركيز على تطوير مشاريع الغاز الطبيعي المسال لزيادة القدرة التصديرية ومرونة الوصول إلى أسواق جديدة، إلى جانب تحسين الشراكات الدولية مع الشركات الكبرى والاستفادة من التمويل والخبرة التكنولوجية. كما توفر التكنولوجيا الحديثة إمكانية رفع كفاءة الإنتاج، تقليل الهدر، وتحسين جودة الغاز بما يتوافق مع معايير الأسواق العالمية، وهو ما يمكّن الجزائر من الحفاظ على قدرتها التنافسية في ظل التحولات في الطلب الأوروبي نحو الطاقة النظيفة.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن مستقبل سيطرة الجزائر على سوق الطاقة في غرب المتوسط يعتمد على قدرتها على التوازن بين التحديات والفرص: مواجهة المنافسة النيجيرية والعالمية، الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا، وتنويع الأسواق والشراكات. إذا نجحت الجزائر في هذه الاستراتيجيات، فستظل لاعبًا رئيسيًا في السوق الإقليمي، قادرًا على الحفاظ على حصته السوقية ومواصلة دوره الاستراتيجي في تأمين الطاقة الأوروبية، مع تعزيز موقعه السياسي والاقتصادي في المنطقة.
[1] قطاع الطاقة في الجزائر 2025.. صفقات كبرى لتعزيز احتياطيات النفط والغاز، 2025-12-28، موقع الطاقة، https://h7.cl/1mdj6
[2] محمد شهاب الإدريسي، مستقبل العلاقات الجزائرية الأوروبية في ضوء أزمة الطاقة، مجلة آفاق مستقبلية، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، العدد (4) يناير 2024، صـ 625.
[3] مسؤول: الجزائر تملك مقومات تصدير الطاقة المتجددة إلى أوروبا، 2025-11-13، موقع الطاقة، https://h7.cl/1hgTA
[4] احتياطيات النفط والغاز في نيجيريا.. أرقام ضخمة يكشفها أحدث البيانات، 2025-04-13، موقع الطاقة، https://h7.cl/1mdkz
[5] شيرين ماهر، اقتصاد نيجيريا الغامض…رؤية حول الفرص والمخاطر التي تُواجه البلاد، قراءات إفريقية، أغسطس 1, 2024، https://h7.cl/1hgUF
[6] Ralf Pecenka, An Assessment of Potential Resources for Biomass Energy in Nigeria, 6 August 2020, https://h7.cl/1hgVK
[7] محمد الرضواني، أنبوب الغاز نيجيريا المغرب: الرهانات والتحديات، الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، 17 نوفمبر 2022، https://h7.cl/1mdlw
[8] ليبيا تريد اقتناص الغاز الأفريقي في منافسة المغرب والجزائر، 2025-12-07، موقع الطاقة، https://h7.cl/1hgWb





