كتب : علا عطية
مقدمة
تمثل منطقة شرق البحر المتوسط إحدى أهم الساحات الجيوسياسية-الاقتصادية في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، لا سيما بعد توالي اكتشافات الغاز الطبيعي وما رافقها من إعادة تشكيل لخريطة الطاقة والتحالفات الإقليمية. وفي هذا السياق، برزت مصر بوصفها فاعلًا محوريًا يتمتع بميزة استراتيجية فريدة، تتمثل في كونها الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك محطات إسالة غاز طبيعي عاملة وبقدرات تصديرية فعلية، في ظل غياب بنية تحتية إقليمية بديلة، سواء في صورة خطوط أنابيب مباشرة إلى أوروبا أو محطات إسالة منافسة جاهزة للتشغيل.
وقد أتاح هذا الوضع لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي لتجميع وإسالة وتصدير غاز شرق المتوسط، بحيث أصبح تصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية، عمليًا، مشروطًا بالمرور عبر البنية التحتية المصرية. غير أن هذه الميزة، رغم أهميتها الراهنة، تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى استدامتها الزمنية، خاصة في ظل بروز مخططات ومشروعات بديلة لدى عدد من دول الإقليم، من بينها تركيا، قبرص، اليونان، وإسرائيل، والتي تسعى – بدرجات متفاوتة – إلى بناء محطات إسالة أو مسارات تصدير مستقلة.
ومن ثم، يهدف هذا المقال إلى تحليل حدود الميزة الاستراتيجية المصرية في شرق المتوسط، من خلال بحث طبيعتها، وأسباب قوتها الراهنة، والعوامل التي قد تؤدي إلى تآكلها أو إعادة تشكيلها مستقبلاً ، واستشراف سيناريوهات مستقبلية .
المحور الأول: الأسس البنيوية للميزة الاستراتيجية المصرية في شرق المتوسط
يركز هذا المحور على تحليل الأسباب الهيكلية التي جعلت مصر تتمتع بوضع استثنائي في معادلة غاز شرق المتوسط، وذلك من خلال:
- امتلاك محطات إسالة قائمة وجاهزة للتصدير؛ محطتا إدكو ودمياط بوصفهما أصولًا استراتيجية قائمة بالفعل، وليستا مجرد مشروعات مستقبلية.( يشير هذا لقدرة مصر التشغيلية الفعلية ؛ وهذا يعبر عن التقييم الحقيقى للقوة الطاقوية لمصر). فتفرد مصر بامتلاك البنية التحتية اللازمة لإسالة الغاز، فضلًا عن الاحتياطيات الضخمة من الغاز الطبيعي والتي قدرت بنحو 30 تريليون قدم، بالإضافة لتحقيقها الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، وتميزها بموقع استراتيجي محوري، بالإضافة إلى اتّباعها سياساتٍ متوازنة بين الدول المحيطة ساهم ذلك في إقامة علاقات جيدة ؛ كل تلك العوامل دعمت الطموح المصري للتحول في مجال الطاقة وظهور دور مصر كقوة إقليمية واعدة بالصعود في هذا المجال. وترتب على إعلان مصر تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي عام 2018، إطلاق مبادرة “منتدى غاز شرق المتوسط” من القاهرة في يناير 2019، للسعي للتعاون الإقليمي بحيث يكون واسع النطاق بين الدول المصدرة للغاز، وبالفعل قامت بتوقيع العديد من الاتفاقيات في هذا السياق لاستيراد الغاز الخام من الدول المجاورة ثم إعادة تصديره بعد إسالته للخارج.[1] وتتمثل تلك الدول في كلٍّ من قبرص واليونان، وأخيرًا اتفاق تم إبرامه مع إسرائيل.
- غياب البدائل الإقليمية قصيرة المدى ؛عدم وجود خطوط أنابيب مباشرة تنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا. فبالرغم أن مشروع “إيست ميد” يحظى بدعم سياسي قوي؛ ليس فقط من إسرائيل واليونان وقبرص، ولكن أيضًا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلا أن تكلفته الباهظة تُعد عائقًا رئيسيًّا أمام إنشائه، بالإضافة إلى العديد من التحديات التي تثير التساؤلات حول جدوى وفرص تنفيذ المشروع بسبب طوله الذي يصل إلى 1900 كم في أعماق كبيرة تحت المياه، فضلًا عن استثماراته الضخمة التي سترفع تكلفة نقل الغاز، بالإضافة إلى عدم موافقة الجانب الإيطالي حتى الآن على المشروع باعتبارها آخر نقطة في الخط، لربطه بأوروبا؛ فهناك خلافات داخل الحكومة الإيطالية في وجهات النظر تجاه المشروع[2]. فإن تنفيذ المشروع يواجه تحديات عدة منها :
- ارتفاع تكلفة المشروع التي قد تتعدى سبعة مليارات دولار.
- 4. طول الخط الذي يصل إلى 1900 كم في أعماق البحر، حيث إن عمق المياه في حقل ليفاثيان يزيد من تكلفة استخراج الغاز أصلًا، حيث يصل عمق الأنبوب في بعض أجزائه إلى 3 آلاف متر تحت البحر. هذا بالإضافة إلى عدم توافر البنية التحتية اللازمة في إسرائيل، وعدم قدرتها على بناء محطات إسالة خاصة بها في ظل المعارضة العامة لخطط إنشاء مثل هذه المحطة على الخط الساحلي الصغير المكتظ بالسكان في إسرائيل. مع طول الفترة الزمنية لتنفيذ الخط تصل من سبع لثمن سنوات
- نسبة مساهمة هذا الخط في توفير إمدادات أوروبا من الطاقة لا تتجاوز 2% من احتياجات الدول الأوروبية. والمد سيكون لجنوب أوروبا فقط بجزء من احتياجاتها فقط من الغاز، وبذلك فهو لن يسد احتياجات شمال وغرب أوروبا (ألمانيا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا ومجموعة الدول الإسكندنافية)، وهي الدول الأكثر استهلاكًا للغاز[3].
المحور الثاني: حدود الاستدامة الزمنية للميزة الاستراتيجية المصرية
رغم القوة الراهنة للميزة المصرية في شرق المتوسط، فإن استدامتها الزمنية ليست مطلقة، بل ترتبط بجملة من المتغيرات المتداخلة. أول هذه المتغيرات هو العامل الزمني المرتبط بتنفيذ المشروعات المنافسة في دول الإقليم. فبناء محطات إسالة غاز طبيعي يتطلب فترات زمنية طويلة نسبيًا تشمل مراحل التمويل، والتعاقدات التكنولوجية، والإنشاء، والاختبارات التشغيلية، وهو ما يجعل الفجوة الزمنية بين الإعلان عن المشروعات ودخولها حيز التشغيل تمتد في الغالب من 7 إلى 10 سنوات، إن لم تتعرض لتأجيلات إضافية[4] .
ويتعاظم هذا العامل الزمني في ظل التحولات الهيكلية التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، خاصة في أوروبا، حيث تتجه السياسات الطاقوية نحو تقليل الاعتماد طويل الأجل على الغاز الطبيعي، والتوسع في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر. ويؤدي هذا التحول إلى زيادة درجة عدم اليقين بشأن العائد الاستثماري لمشروعات الإسالة الجديدة، ما قد يحد من قدرة بعض دول شرق المتوسط على استكمال مشروعاتها المعلنة أو تشغيلها بكامل طاقتها[5].
كما تلعب المتغيرات الجيوسياسية دورًا حاسمًا في تحديد أفق استدامة الميزة المصرية، إذ إن الاستقرار النسبي الذي تتمتع به مصر مقارنة ببعض دول الإقليم يعزز ثقة المستثمرين الدوليين في بنيتها التحتية الغازية. وعلى العكس، فإن النزاعات الحدودية والتوترات السياسية في شرق المتوسط تمثل عنصر ردع رئيسي للاستثمارات الضخمة طويلة الأجل، وهو ما يمنح مصر ميزة نسبية إضافية في الأمد المتوسط[6].
المحور الثالث: المشروعات الإقليمية المنافسة واحتمالات تآكل الميزة المصرية
تشهد منطقة شرق المتوسط تصاعدًا ملحوظًا في الإعلان عن مشروعات إسالة غاز طبيعي تهدف إلى تقليص الاعتماد على البنية التحتية المصرية. وتبرز تركيا في هذا السياق بوصفها لاعبًا يسعى إلى توظيف الطاقة كأداة جيوسياسية، حيث أعلنت عن خطط لبناء محطتي إسالة جديدتين. غير أن هذه الطموحات تصطدم بعدد من القيود، من بينها التوترات السياسية مع دول شرق المتوسط، والنزاعات القانونية حول ترسيم الحدود البحرية، فضلًا عن التحديات التمويلية في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة[7].
أما قبرص واليونان، فرغم إعلانهما عن مشروعات متعددة لبناء محطات إسالة، فإن هذه الخطط تواجه تساؤلات جدية بشأن جدواها الاقتصادية، خاصة في ظل محدودية الاحتياطيات القبرصية مقارنة بتكلفة البنية التحتية، وتراجع شهية السوق الأوروبية لعقود الغاز طويلة الأجل. ويشير عدد من الدراسات إلى أن كثرة الإعلان عن المشروعات لا تعني بالضرورة تحولها إلى أصول تشغيلية فعالة[8].
وفي الحالة الإسرائيلية، تتصاعد المطالبات الداخلية ببناء محطة إسالة مستقلة، إلا أن الاعتبارات الأمنية والاقتصادية تجعل خيار الاعتماد على البنية التحتية المصرية أقل تكلفة وأقل مخاطرة في المدى المنظور. ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في إقصاء الدور المصري بالكامل، بل في تحول الميزة من وضع الاحتكار الوظيفي إلى وضع المركز المحوري ضمن شبكة إقليمية متعددة المسارات[9] (Shaffer, 2020).
الاستشراف المستقبلي: سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: استمرار مصر كمركز إقليمي محوري لإسالة وتصدير الغاز (السيناريو المرجّح على المدى المتوسط)
يفترض هذا السيناريو استمرار الوضع القائم في شرق المتوسط خلال المدى المتوسط (5–10 سنوات)، مع بقاء مصر بوصفها المركز الإقليمي الرئيسي لإسالة وتصدير الغاز الطبيعي. ويستند هذا السيناريو إلى تعثر أو بطء تنفيذ مشروعات الإسالة المنافسة في دول الإقليم، نتيجة التحديات التمويلية، وطول الدورات الزمنية للبناء، فضلًا عن التحولات الجارية في سوق الطاقة الأوروبية التي تقلل من جاذبية الاستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية الغازية الجديدة. وفي ظل هذه المعطيات، تظل محطات الإسالة المصرية الخيار الأقل تكلفة والأكثر أمانًا لتصدير غاز شرق المتوسط إلى أوروبا[10].
كما يعزز هذا السيناريو استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي في المنطقة، بما يجعل المستثمرين وشركات الطاقة الدولية أكثر ميلًا للاعتماد على البنية التحتية القائمة بالفعل، بدل المجازفة بضخ استثمارات ضخمة في بيئات سياسية وقانونية غير مستقرة. وضمن هذا الإطار، تتحول مصر من مجرد دولة عبور أو إسالة إلى فاعل منظم لسوق الغاز الإقليمي، بما يعزز قدرتها التفاوضية ويمنحها وزنًا سياسيًا إضافيًا في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ودول شرق المتوسط[11] .
السيناريو الثاني: تآكل تدريجي للميزة المصرية والتحول إلى شبكة إقليمية متعددة المراكز
يفترض هذا السيناريو نجاح عدد محدود من دول شرق المتوسط في تنفيذ مشروعات إسالة خاصة بها، ودخولها حيز التشغيل خلال المدى المتوسط إلى الطويل (10–15 سنة)، بما يؤدي إلى تراجع الطابع الاحتكاري للميزة المصرية، دون القضاء عليها بالكامل. ووفقًا لهذا السيناريو، تتحول خريطة تصدير الغاز في شرق المتوسط من نموذج «المركز الواحد» إلى نموذج «الشبكة متعددة المراكز»، حيث تصبح مصر أحد أهم العقد الرئيسية، لا العقدة الوحيدة[12].
غير أن هذا التحول لا يعني فقدان مصر لدورها الاستراتيجي، بل إعادة تشكيله، إذ تحتفظ بأسبقية زمنية وخبرة تشغيلية وبنية تحتية متكاملة، تسمح لها بالاستمرار كمركز جذب للشراكات الإقليمية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل للمحطات الجديدة، وعدم وضوح الطلب الأوروبي طويل الأجل على الغاز الطبيعي. ومن ثم، يصبح التحدي الأساسي أمام مصر ليس فقدان الميزة، وإنما إدارة انتقالها من وضع الاحتكار الوظيفي إلى وضع الشراكة التنافسية داخل منظومة إقليمية أكثر تعقيدًا[13].
مجمل القول:
إن الميزة الاستراتيجية التي تتمتع بها مصر في شرق البحر المتوسط لا تستند إلى عامل ظرفي أو سياسي عابر، بل تقوم على أسس بنيوية صلبة، في مقدمتها امتلاكها البنية التحتية الوحيدة العاملة لإسالة الغاز الطبيعي بقدرات تصديرية فعلية، في ظل غياب بدائل إقليمية جاهزة سواء في صورة خطوط أنابيب مباشرة إلى أوروبا أو محطات إسالة منافسة دخلت حيز التشغيل. وقد أتاح هذا الوضع لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي لتجميع وإسالة وتصدير غاز شرق المتوسط، بما منحها وزنًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا متزايدًا في معادلات الطاقة الإقليمية والدولية.
لكن هذه الميزة، على أهميتها الراهنة، ليست مطلقة ولا أبدية، إذ تخضع لمجموعة من المتغيرات المرتبطة بإقامة مشروعات الإسالة المنافسة، وتحولات سوق الطاقة العالمية، خاصة في أوروبا، فضلًا عن الاعتبارات الجيوسياسية والاستثمارية في منطقة تتسم بارتفاع مستوى الصراع والتنافس. وفي هذا السياق، تشير المعطيات الراهنة إلى أن التهديد الحقيقي للميزة المصرية لا يتمثل في فقدانها المفاجئ، وإنما في تآكلها التدريجي وإعادة تشكيلها ضمن شبكة إقليمية أكثر تعددية وهذا يتوقف على قيادتها الحكيمة ودبلوماسيتها الرشيدة .
وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام مصر لا يقتصر على الحفاظ على الوضع القائم، بل يتمثل في إدارة هذه الميزة استراتيجيًا عبر تعظيم الاستفادة من الأسبقية الزمنية والبنية التحتية القائمة، وتحويل الدور المصري من مجرد وسيط تقني لإسالة الغاز إلى فاعل إقليمي منظم لتفاعلات سوق الطاقة في شرق المتوسط. وبهذا المعنى، يغدو مستقبل الميزة المصرية مرهونًا بقدرتها على الانتقال من منطق الاحتكار الوظيفي إلى منطق القيادة الشبكية، بما يضمن استمرار تأثيرها الإقليمي في بيئة طاقوية وجيوسياسية متغيرة.
[1] International Energy Agency. (2023). Gas market report. IEA.
[2] European Commission. (2022). The EastMed pipeline: Economic and strategic assessment. Brussels.
[3] El-Gamal, M. (2020). Eastern Mediterranean gas and regional cooperation. Energy Policy , P142. Article ID 111497
[4] Kardaş, Ş. (2022). Turkey’s energy geopolitics in the Eastern Mediterranean. Mediterranean Politics, 27(3), 415–432.
[5] Helm, D. (2023). The energy transition: Security, sustainability, and affordability. Oxford University Press.
[6] Tagliapietra, S. (2019). Energy security in the Eastern Mediterranean. Bruegel Policy Brief, 4.
[7] Kardaş, Ş. (2022). Turkey’s energy geopolitics in the Eastern Mediterranean. Mediterranean Politics, 27(3), 415–432.
[8] Stergiou, A. (2021). LNG projects in Greece and Cyprus: Between ambition and reality. Energy Strategy Reviews, 36, 100668
[9] Shaffer, B. (2020). Israel’s natural gas policy and regional implications. Energy Policy, 142, 111515.
[10] International Energy Agency. (2023). Gas market report. IEA.
[11] Tagliapietra, S. (2019). Energy security in the Eastern Mediterranean. Bruegel Policy Brief,p 4.
[12] Oxford Institute for Energy Studies. (2021). The future of LNG in a decarbonizing world. Oxford.
[13] Helm, D. (2023). The energy transition: Security, sustainability, and affordability. Oxford University Press.





