كتب : الدكتورة / منى عامر
المقدمة: تمثل فرنسا ثاني أكبر اقتصاد أوروبي وخامس أكبر اقتصاد عالمي، فهي تحتل المرتبة الـ 12 كأكبر مستورد للنفط في العالم, لذلك يرتهن الاقتصاد الفرنسي لواردات النفط والغاز الطبيعي من عدة مصادر جغرافية من الخارج, كما يمثل النفط حوالي ثلث استهلاك الطاقة الاولية في فرنسا، حيث تستورد النفط الخام عبر ثالثة منافذ بحرية رئيسية –(Marseille – Le Havre – Saint-Nazaire) وعبر نظام خط أنابيب جنوب أوروبا (South European Pipeline System(SPACE), أيضًا تقدر طاقة التكرير الاجمالية في فرنسا بنحو 1,5 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، وهي بذلك تحتل المرتبة الخامسة في أوروبا واوراسيا بعد كل من روسيا وألمانيا وايطاليا والمملكة المتحدة، لكن تراجعت قدرات التكرير في فرنسا نتيجة لتراجع الطلب على النفط، وإغلاق إحدى المصافي الرئيسية, كما أستحوذ شركة توتال (Total) على خمسة مصافي وعلى أكثرمن نصف الطاقة التكريرية في فرنسا, بالإضافة إلى ذلك تستورد فرنسا الغاز الطبيعي عبر شبكة متنوعة من خطوط الأنابيب العابرة للحدود من هولندا والنرويج وروسيا، كما تستورد الغاز الطبيعي المسال من عدة مناطق جغرافية (الجزائر ونيجيريا وقطر ومصر).
لهذا تمثل المفاعلات النووية المصدر الأساسي للإنتاج الطاقة الكهربائية في فرنسا، فهي تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث إنتاج الطاقة الكهرو – نووية، كما تعد ثالث أكبر مُصدر للطاقة الكهربائية في العالم بعد كندا والمانيا، وتنتج حوالي 83 في المائة من إجمالي الطاقة الكهربائية من المفاعالت النووية, حيث انتجت في عام 2012م، حوالي407 terawatthours من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية من تشغيل المفاعالت النووية الـ 59 المنتشرة في أراضي فرنسا ( تتبع فرنسا دورة الوقود النووي المغلقة للتقليل من حجم النفايات النووية).
- منهج الدراسة: اعتمد ت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي في تحليل أسباب ومحددات أزمة الطاقة في فرنسا وتداعياتها المحتملة على الداخل الفرنسي وعلى الأمن الأقليمي لدول شمال المتوسط لتوصول إلى مجموعة من الحلول التي من خلالها يمكن حل هذه الأزمة.
- إشكالية الدراسة: تتناول الدراسة بالدقة والتحليل موضوع أزمة الطاقة وأثرها على الأمن الإقليمي في دول شمال المتوسط باعتبار أن الطاقة محدد رئيسي وأساسي في السياسة الخارجية لفرنسا, وذلك لأن الطاقة سلاح استراتيجي تزداد أهميته يومًا بعد يوم, مما يعطي للدولة التي تمتلكه المزيد من الثقل في المجتمع الدولي, أما في حالة افتقار الدولة للطاقة فأنها ترضخ لرغبات الدول المصدرة لها حتى تضمن توفير احتياجات سكانها فتصبح دولة تابعة ليس لها نفوذ قوي مع وجود استثناءات لتلك القاعدة. وهنا يتركز اهتمام هذه الدراسة حول إشكالية بحثية رئيسية مفادها, ما هي ملامح ومحددات أزمة الطاقة في فرنسا وهل لها تداعيات علي الداخل الفرنسي وعلى دول شمال المتوسط, أم لا, ويرتبط بالتساؤل الرئيسي السابق عدة أسئلة بحثية فرعية, وهي كالتالي:
- ما هي أهم الأسباب الأساسية المحفزة لإندلاع أزمة الطاقة في فرنسا؟
- كيف أثرت أزمة الطاقة سياسًا وأمنيًا وإقتصاديًا علي الداخل الفرنسي والأمن الإقليمي لدول شمال المتوسط؟
- ماهى المؤشرات السياسية والاقتصادية لأزمة الطاقة في فرنسا؟
- كيف تعاملت فرنسا مع الفرص والتحديات الناجمة عن أزمة الطاقة؟
- ماهي البدائل والحلول المتاحة التي من خلالها تستطيع فرنسا حل أزمة الطاقة لديها؟
أولًا– ملامح أزمة الطاقة في فرنسا: خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على شعبه، بهذه الكلمات “عهد الرفاهية قد انتهى ونعيش نهاية زمن الوفرة وراحة البال” ، داعيًا إياهم إلى ضرورة الاستعداد من أجل بذل جهد أكبر والتضحية بسبب الأزمات المتتالية مثل الطاقة والغذاء والجفاف, وشتاء صعب جدًا في أوروبا قادم في الطريق، في ظل ترقب لزيادة كبيرة في أسعار الطاقة، وخوف دائم من إيقاف إمدادات الغاز القادمة من موسكو؛ هكذا تعاني باريس من انعكاسات الحرب الأوكرانية على أمن الطاقة في أوروبا، وتزامن ذلك مع احتمال النقص في الغاز الطبيعي والنفط، وارتفاع مستويات أسعار الطاقة المسبب للتضخم والتراجع الاقتصادي, وهنا نستطيع إلقاء الضوء على واقع أزمة الطاقة في فرنسا في الوقت الراهن:
– تحول فرنسا إلى مستوردة بعد أن كانت دولة مصدرة للكهرباء، حيث خسرت موقعها كأول مصدر للكهرباء في أوروبا في النصف الأول من العام 2022م، لتحل محلها السويد في الصدارة, ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى الانخفاض القوي في الإنتاج الفرنسي، وليس نتيجة ارتفاع الإنتاج في السويد.
– ألقت الحرب الروسية الأوكرانية بظلالها ليس فقط على مستوى تراجع إنتاج الكهرباء في فرنسا، بل على ارتفاع أسعار الكهرباء والطاقة، بالإضافة إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطن الفرنسي.
– أصبحت باريس أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي المسال الروسي في الفترة الأخيرة بعد تخلي عدد من الدول الأوروبية عنه، غالبًا ما نظرت برلين بحسد إلى باريس ومحطاتها النووية البالغ عددها ٥٦ محطة، لكن في الأشهر الأخيرة، أصبحت فرنسا أكبر مستورد للغاز الروسي المسال في العالم، حتى محطة الطاقة التي تعمل بالفحم والتي تم إغلاقها سيتم توصيلها بالشبكة مرة أخرى,أيضًا تعتمد فرنسا على الطاقة النووية في توليد نحو ٧١٪ من احتياجاتها من الكهرباء، وعلى الغاز الطبيعي في توليد نحو ١٥٪ منها.
– قامت باريس بملء مخازنها من الغاز الطبيعي بالكامل في خريف2023م، وبدءت باستغلال محطة غاز مسال عائمة جديدة عام ٢٠٢٣م بشمال البلاد؛ لضمان إمداداتها مع انخفاض الشحنات الروسية، كما أعلنت الإنطلاق في إنشاء محطة جديدة للغاز الطبيعي المسال؛ لزيادة قدرة البلاد على الإمداد بالغاز, بالإضافة إلى ذلك تمتلك فرنسا أربع محطات استيراد للغاز الطبيعي المسال، القائمة ستعمل بطاقتها الكاملة ولكن على المدى الطويل جدًا [[i]]
– تسببت أسعار الطاقة في ارتفاع نسب التضخم وتعطل الصناعات، وجعلت الناس في فرنسا يرتجفون عندما يطلعون على فواتير الكهرباء الخاصة بهم الواجب دفعها, أيضًا خلقت موجة الجفاف الأخيرة والتي ضربت دولًا عدة في الاتحاد الأوروبي تأثيرات بالغة على اقتصادات منطقة اليورو، وقد تسبب تراجع مستوى الأنهار الرئيسية مثل لوار أكبر نهر في فرنسا، في وقوع العديد من الأضرار بعمليات توليد الكهرباء, وأدى انقطاع التيار الكهربائي في فرنسا إلى انخفاض إنتاج الطاقة النووية في فرنسا إلى أدنى مستوى له منذ ما يقرب من ٣٠ عامًا، مما دفع فواتير الكهرباء الفرنسية إلى مستويات قياسية.
– تحصل باريس عادة على حوالي ٢٤٪ من إجمالي واردتها من الغاز من موسكو، ولذلك فإن الاستغناء عن إمدادات الطاقة الروسية يمكن أن يجعل وضع أمن الطاقة صعبًا جدًا، وخاصةً مع ترجيح إطالة أمد النزاع الروسي الأوكراني وقبل تأمين المصادر البديلة.
– أصبحت أسعار الغاز الطبيعي عشرة أضعاف أسعارها المعتادة، بجانب أن قطاع الصناعة يواجه مشاكل كبيرة وسط حالة من الغضب تسود الشارع الفرنسي.
– تعتمد باريس بشكل واضح على الطاقة النووية، حيث أدى إغلاق العديد من المفاعلات للصيانة إلى ارتفاع التكلفة لكل ميجاوات في الساعة إلى حوالي ٩٠٠ يورو في سوق العقود الآجلة، أي أعلى بعشرة أضعاف مما كانت عليه العام الماضي.
– اتخذت الحكومة الفرنسية عددًا من الإجراءات التي تهدف إلى ترشيد استهلاك الغاز الطبيعي، وبذلك سيكون على المحلات التجارية والتي تستخدم مكيفات الهواء في البلاد أن تغلقها وإلا ستواجه غرامة مالية, وسيتم حظر شاشات الإعلانات المضيئة في الفترة بين الساعة ١ صباحًا و٦ صباحًا، باستثناء المطارات ومحطات السكك الحديدية، لاسيما التي تستخدم شاشة LCD الرقمية والتي تبلغ مساحتها مترين مربعين أي ما يعادل متوسط الاستهلاك السنوي للأسرة في الإضاءة والأجهزة المنزلية، باستثناء التدفئة [[ii]]
– تعتقد باريس أن إجراءات الترشيد يمكن أن تقلل من استهلاك الطاقة بنسبة حوالي ١٠٪، لأن فرنسا لا تعتمد على الغاز الروسي بنفس القدر مثل المانيا المجاورة، معظم إمداداتها من الطاقة تأتي من الطاقة النووية، ولكن موجات الحر والجفاف أثرت على آليات التبريد في العديد من المحطات النووية، وهو ما أجبرها على خفض إنتاجها[[iii]].
ثانيا– أسباب الأزمة في فرنسا: تتعدد أسباب ارتفاع أسعار الطاقة فى فرنسا ما بين أسباب جغرافية واقتصادية وسياسية كما يلى :-
1- أسباب جغرافية ومناخية: حيث لا توجد رياح فى بحر الشمال؛ وبالتالي تنخفض مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الكهربائية، ومع انخفاض المعروض ترتفع الأسعار, فعلى سبيل المثال، تساهم الرياح بنسبة كبيرة من مزيج توليد الطاقة، وحين توقفت الطواحين نتيجة عدم وجود رياح فى الهواء، تأثرت سلبًاً شبكة الكهرباء بأكملها.
2- زيادة الطلب مع كثافة الاعتماد على الغاز الطبيعى: على الرغم من أن فرنسا تخفض تدريجيًاً ومنذ فترة طويلة اعتمادها على الوقود الأحفوري، حيث أصبحت مصادر الطاقة المتجددة المصدر الرئيسي للكهرباء لأول مرة منذ عام 2020م, لذلك كان ينبغي التحول نحو الاقتصاد الأخضر الداعم لأهداف التنمية المستدامة وعلى الرغم من ذلك لم يكن التحول سريعًا وواسع النطاق بما يكفي لاحتواء متطلبات الطاقة, فلا يزال الغاز الطبيعي والفحم معًا يوفران أكثر من 35٪ من إجمالي إنتاج فرنسا، ويمثل الغاز أكثر من الخمس, ويختلف مزيج الطاقة اختلافًا كبيرًا في جميع أنحاء دول الاتحاد الأوروبي، وللوقود الأحفوري حصة هامشية في السويد وفرنسا ولوكسمبورغ، ولكنها تشغل أكثر من 60 ٪ من إجمالي الإنتاج في هولندا وبولندا ومالطا وقبرص.
ونظرًا للتخلص التدريجي من الفحم، وهو الوقود الأكثر تلويثًا، يلجأ العديد من الدول إلى الغاز الطبيعي كمورد انتقالي ليكون بمثابة جسر قبل طرح البدائل الخضراء، مثل توربينات الرياح والألواح الشمسية, علاوة على ذلك، يتم استخدام الغاز أيضًا في توليد الطاقة الكهربائية الأوروبية بصفة عامة والفرنسية بصفة خاصة، وفى أغراض التدفئة والطهي في المنازل، حيث يعتبر مصدرًا رئيسيًا للوقود وللتدفئة المنزلية في فرنسا وفي عدة دول أوروبية مثل المملكة المتحدة، ويتم توصيل 85% من المنازل بشبكة الغاز، الأمر الذى يسهم فى استنفاذ مخزونات الغاز الطبيعي, كذلك حدثت قفزة غير متوقعة في الطلب على مصادر الطاقة مع انتعاش الاقتصاد من فيروس كورونا خاصةً فى دول أوروبا والصين، وزادت بشكل أكبر خلال الحرب الروسية الأوكرانية.
3- انخفاض إمدادات الطاقة من روسيا: وهذا سبب آخر لنقص الغاز في فرنسا ويتمثل فى تراجع الإمدادات الروسية والتي تمثل قلب الأزمة, وهي أكبر مصدر للغاز في الاتحاد الأوروبي- الواردة عبر أوكرانيا إلى أوروبا، خاصةً في أثناء تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية؛ وذلك لأن روسيا كانت من أكبر موردي الغاز لأوروبا، حيث كانت القارة تستورد حوالي 40% من احتياجاتها من الغاز منها قبل الأزمة الأوكرانية, لكن ومع تصاعد التوترات والعقوبات المفروضة على روسيا، بدأت الإمدادات تتراجع بشكل ملحوظ في 2022م، حيث خفضت روسيا بشكل كبير كمية الغاز التي تصدرها إلى أوروبا، مما أدى إلى نقص حاد في العرض وارتفاع كبير في الأسعار, وبحلول 2023م، قطعت روسيا فعليًا معظم إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب الرئيسية مثل “نورد ستريم”، ما دفع العديد من الدول الأوروبية إلى حالة تأهب قصوى, هذا النقص أثر سلبًا على أسعار الطاقة، مما زاد العبء على ميزانيات الأسر والشركات الأوروبية[[iv]].
ثالثًا– مؤشرات أزمة الطاقة في فرنسا: وهي على النحو التالي:
- المؤشرات الاقتصادية: بلغ إجمالي إنتاج الكهرباء في فرنسا عام 2025م نحو 544 تيراواط/ ساعة، مسجلاً ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 1% مقارنة بالعام 2024م، وهو مستوى متوسط كان قائمًا قبل أزمات الصحة والطاقة, كما أشار مشغل الشبكة إلى أن 95% من الإنتاج تم عبر مصادر منخفضة الكربون، أي الطاقة النووية والمتجددة، مما يعكس نجاح فرنسا في الحفاظ على إنتاج نظيف ومستدام.
وعلى الرغم من ذلك لم تسلم فرنسا من تداعيات أزمة الطاقة حيث أصبحت الإضرابات العمالية في فرنسا تهديد مباشر لتعافي فرنسا من أزمة الطاقة؛ وذلك بسبب التداعيات الكبيرة لهذه الإضرابات على قطاع الطاقة في القارة الأوروبية ككل وفي فرنسا بوجه خاص، وتسببها في تراجع الإنتاج وخسائر تجاوزت مليار دولار, وبعدما نجت أوروبا من أخطر مرحلة في أزمة الطاقة التي ضربتها في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، دون حدوث اضطرابات كبيرة في الإمدادات، بدأ العمال في فرنسا إضراباً عن العمل أدَّى إلى عرقلة العمليات في كافة القطاعات والموانئ إلى محطات توليد الكهرباء, حيث بدأت الإضرابات في يناير 2025م احتجاجًاً على المُقترح الذي قدمه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بشأن نظام التقاعد في البلاد، لكنها بعد ذلك اكتسبت زخمًاً كبيرًا مما أدَّى ذلك إلى ارتفاع أسعار الكهرباء، وابتعاد ناقلات الوقود عن سواحل البلاد، واستهلاك مخزونات الغاز الطبيعي أكثر من الدول الأوروبية الأخرى[[v]].
- ارتفاع حجم الخسائر: وكشفت مصادر لـ”بلومبرغ” أن إضرابات العمال في محطات الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية تسببت في خسائر في الإنتاج لدى شركة كهرباء فرنسا تُقدر بنحو مليار يورو (1.1 مليار دولار)، مشيرين إلى أنَّ التأثير الأوسع على الاقتصاد لم يُحدد بعد, وعلى الرغم من أن فرنسا تُعد مصدرًاً قويًاً للطاقة في أوروبا، إلا أن الاضطرابات جاءت في مرحلة حاسمة تتعافى فيها المنطقة من إحدى أسوأ الأزمات في إمدادات الطاقة منذ عقود بعدما أوقفت روسيا إمدادات الغاز في أعقاب حربها في أوكرانيا، وبحسب “بلومبرغ”, تواجه الطاقة النووية في فرنسا والتي تمثل الأساس الذي تقوم عليه إمدادات الكهرباء في البلاد، ضغوطاً منذ شهور بسبب تعطل المفاعلات,حيث بدأت بعض العمليات في منشآت الطاقة في التعافي مع انحسار الاحتجاجات، ولكن التداعيات الناجمة عن الاضطرابات التي ضربت فرنسا امتدت إلى جميع أنحاء القارة, لذلك تسعى أوروبا إلى الوقوف على قدميها مرة أخرى بعد أزمة الطاقة، ولكنها تفعل ذلك في الوقت الذي تواجه فيه فرنسا التي تُعد أحد الركائز الأساسية للطاقة في أوروبا بفترة ضعف عصيبة.
- معاناة من نقص مخزون الغاز: تسبَّبت الإضرابات في فرنسا في غلق ثلاث محطات غاز طبيعي مُسال تديرها شركة “إلنجي” منذ 2023م, وتواجه محطة أخرى تديرها شركة “دونكيرك” انقطاعات متكررة عن العمل, ونتيجة لذلك غيَّرت ناقلات الوقود وجهاتها إلى دول أخرى من بينها إسبانيا وبريطانيا, لكن واردات البلاد من الغاز الطبيعي المسال تلقت بالفعل ضربة موجعة، وفقاً لـ”بلومبرغ”.
وتُشير بيانات تتبع السفن إلى تراجع التدفقات بمقدار 1.1 مليون طن في الفترة من فبراير إلى مارس 2023م، ما يعادل 650 مليون يورو من الغاز الطبيعي المُسال، وفقاً لحسابات الوكالة, وقالت “بلومبرغ” إنَّ مخزونات الغاز لدى فرنسا انخفضت عما كانت عليه في عام 2019م، مبينة أن مواقع التخزين في البلاد ممتلئة بنسبة 29% فقط، وفقاً لبيانات شركة “غاز إنفراستركشر أوروبا”, وتفوق هذه النسبة المُعدل التاريخي قليلاً، ولكنها أقل من نسبة ملء مواقع التخزين في ألمانيا (65%) وجميع أنحاء أوروبا (56%). ومع ذلك، تواجه فرنسا منافسة إقليمية عند إعادة ملء مواقع التخزين في صيف عام 2024م[[vi]].
- تراجع الانتاج النووي للكهرباء: ويعتمد أمن الطاقة في فرنسا على أسطول المفاعلات النووية في البلاد، وهو الأسطول الأكبر في أوروبا، لكن أعمال الصيانة والأعطال غير المُخطط لها الناجمة عن تعرض خطوط الأنابيب في نحو 12 وحدة للكسر عام 2022و 2023م أدت إلى تراجع الإنتاج النووي إلى أدنى مستوى له منذ عام 1988م, وأدَّت إضرابات العمال إلى زيادة تراجع الإنتاج النووي، وعطلت إعادة تشغيل المفاعلات في الشهور الأخيرة، ما تسبب في انخفاض الإنتاج النووي لشركة كهرباء فرنسا بنسبة 7.4% في الربع الأول من عام 2023م مقارنة بنفس الفترة من العام 2022م، وفقاً للشركة كهرباء فرنسا, كما أعاد ذلك المخاوف بشأن إمدادات الطاقة النووية على المدى القريب, وقبل بضعة أسابيع، طلبت هيئة الأمان النووي الفرنسية من شركة كهرباء فرنسا، مراجعة برنامجها الخاص بفحص المفاعلات بسبب اكتشاف تشققات جديدة في وقت سابق منذ عام 2023م[[vii]].
- تفاقم أزمة الكهرباء والنفط: كما أدَّت إضرابات العمال وتجدُّد المخاوف النووية إلى ارتفاع أسعار الكهرباء في فرنسا، حيث ارتفعت العقود الآجلة الخاصة بتوصيل الطاقة في إلى 50% وأكثر من 220 يورو لكل ميجاوات/ ساعة منذ أوائل مارس 2024م, وعلى الرغم من أن هذا السعر أقل من المستويات القياسية التي وصلت إليها العقود في أغسطس 2024م، إلا أنه أعلى بكثير من أسعار العقود الألمانية, كما هو الحال مع منشآت الغاز الطبيعي المُسال، التي تسببت الإضرابات العمالية في وقف العمليات في محطات الوقود، ومصافي النفط، ومصانع البتروكيماويات في فرنسا, وغيرت ناقلات النفط وجهاتها إلى دول قادرة على تفريغ شحناتها, واعتمدت فرنسا خلال هذه الجولة من الإضرابات على مخزونات الوقود بشكل أكبر مما كانت عليه خلال الإضرابات المنفصلة التي حدثت في أكتوبر 2024م؛ بسبب الاضطرابات التي شهدتها الموانئ، وفقاً لباحثي شركة “فاكتس جلوبال إنرجي”. واستهلكت الحكومة الفرنسية أكثر من 3 ملايين برميل نفط خام من مخزوناتها الاستراتيجية منذ بداية مارس 2024م[[viii]].
لهذا يشير انهيار الحكومة الفرنسية إلى احتمال حدوث تداعيات واسعة النطاق على أسواق الطاقة الأوروبية؛ مما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف الكهرباء الإقليمية, وذلك لأن فرنسا تُعدّ أكبر مُصدِّر للكهرباء في أوروبا بفارق كبير، حيث تشكِّل نحو 60 في المائة من صافي صادرات الكهرباء في عام 2024م حتى الآن، وفقاً لخدمة بيانات الطاقة (energy-charts.info),أيضًا أسهمت صادرات الكهرباء الفرنسية القياسية هذا العام في توفير إمدادات أساسية من الطاقة النظيفة والرخيصة لجيرانها، في وقت تعاني فيه المنطقة من تكاليف طاقة مرتفعة، وضعف في النمو الاقتصادي وفوضى سياسية متزايدة, وفقً «لرويترز», غير أنَّ الاضطرابات السياسية في فرنسا تثير تساؤلات جدية حول قدرة البلاد على الحفاظ على مستويات إنتاجها العالية من الكهرباء وصادراته[[ix]].
- ديون متفاقمة: ترتبط شركة المرافق الفرنسية «إي دي إف» ارتباطًاً وثيقًاً بالنظام السياسي للبلاد، حيث استحوذت الحكومة عليها في عام 2022م بعد تراكم ديون بلغت نحو 10 مليارات دولار, علاوةً على ذلك تُشغِّل الشركة أسطول الطاقة النووية الفرنسي، الذي يوفر نحو 70 في المائة من احتياجات الكهرباء في البلاد؛ مما يجعلها ذات أهمية وطنية كبرى, إلا أن الأعباء الضخمة لديون الشركة زادت من الضغوط على الالتزامات الحكومية المتصاعدة، وهو عامل رئيسي في انهيار الحكومة, وبوصفها كيانًاً مملوكاً للدولة، تتمتع «إي دي إف» بإمكانية الوصول إلى رأس المال بأسعار تفضيلية, كما خططت الحكومة لتقديم قروض دون فوائد للشركة لتغطية تكاليف بناء مفاعلات نووية جديدة, لكن قطاع الطاقة يُنظر إليه أيضًاً بوصفه مصدرًاً محتملًاً لتمويل الحكومة، إذ اضطر رئيس الوزراء المستقيل ميشال بارنييه للتخلي عن مقترحات فرض ضرائب جديدة على إمدادات الكهرباء قبل أيام من الإطاحة به, والآن، يضع الفراغ السياسي مستقبل قطاع الطاقة بأكمله في حالة من الغموض، حيث تحتاج «إي دي إف» إلى استثمارات مستمرة وكبيرة؛ للحفاظ على أسطولها النووي المتقادم، وشبكات توزيع الكهرباء[[x]]
- صادرات قياسية تحت التهديد: سمحت تكاليف الإنتاج النووي المنخفضة في فرنسا بتوفير أسعار كهرباء أقل بكثير من جيرانها؛ مما أتاح تصدير الفائض إلى الأسواق المجاورة بأسعار تنافسية, وبحلول عام 2025م وحتى الآن، ستكون أسعار الجملة للكهرباء في فرنسا أقل بنحو 25 في المائة من أسعار المانيا وهولندا، وأقل بنحو 45 في المائة من أسعار إيطاليا، وفقاً لبيانات «إل إس إي جي», وقد شجَّع هذا الفارق الكبير في تكلفة تجار الكهرباء الفرنسية على تصدير الفائض لتحقيق أرباح ضخمة, لكن أي تخفيضات قسرية في إنتاج الطاقة بفعل النزاعات السياسية حول الموازنة قد تؤدي سريعًاً إلى تقليص الصادرات, ولا توجد أي دولة أوروبية قادرة على تعويض نقص الكهرباء الفرنسية بتكاليف منخفضة مماثلة, وخلال الأشهر الأولى من عام 2024م، صدَّرت فرنسا نحو 84 تيراواط/ ساعة من الكهرباء إلى الدول المجاورة، وفقاً لـ«energy-charts.info», ويزيد هذا الرقم بنسبة 85 في المائة عن الفترة نفسها من عام 2023م، وهو الأعلى منذ أن بدأ تسجيل البيانات في عام 2015م, وكانت المحطة النووية الفرنسية الكبرى – الأكبر في أوروبا – العامل الرئيسي وراء هذه الصادرات، حيث ارتفع إنتاج الطاقة النووية بنحو 12 في المائة مقارنة بعام 2023م، مُسجِّلاً أعلى مستوياته في 3 سنوات, كما أسهم ارتفاع إنتاج الطاقة الكهرمائية بنسبة 31 في المائة – وهو الأعلى منذ أكثر من عقد – في تعزيز الإنتاج والصادرات الفرنسية, ومع ذلك، فإن إنتاج كل من الطاقة النووية والطاقة الكهرمائية يقتربان بالفعل من مستوياتهما القصوى التاريخية؛ مما يجعلهما عرضة لأي تخفيض خلال الأزمات السياسية المطولة، أو بسبب تخفيضات التمويل[[xi]].
- المؤشرات السياسية لأزمة الطاقة في فرنسا : وتتمثل في الأتي:-
– انقسام سياسي واضح: عبّرت النائبة الجمهورية كورين إمبير عن ارتياحها قائلة: “لقد تصرفنا بمسؤولية”. بينما اعتبرت النائبة الاشتراكية آني لو هورو أن النص يعيد “إجراءات قاسية” كأن النواب قد خففوا من وطأتها، بحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية, وصوّتت قوى اليسار مجتمعة ضد المشروع، في حين اختار التيار الرئاسي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الامتناع عن التصويت، خشية أن يؤدي تشدد اليمين إلى إفشال فرص التوصل إلى حل توافقي .
– التراجع عن إجراءات اجتماعية مثيرة للجدل: ألغى مجلس الشيوخ معظم التدابير التي أضافتها الجمعية الوطنية، من بينها زيادة الضريبة الاجتماعية العامة على رأس المال، التي كانت ستدر 2.8 مليار يورو إضاف كما أعاد العمل بتجميد المساعدات الاجتماعية ومعاشات التقاعد، باستثناء المعاشات التي تقل عن 1400 يورو، والتي ستظل مرتبطة بالتضخم في 2026م.[[xii]]
-انعكاسات أزمة الميزانية على الحوكمة: تعكس أزمة الميزانية توترًا هيكليًا بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتسلط الضوء على صعوبة تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية، في سياق سياسي يتسم بتشرذم الكتل وصعوبة بناء أغلبية مستقرة, ويبدو أن مشروع الميزانية بات رهينة صراع سياسي يتجاوز الأرقام، ليعبّر عن صدام رؤى حول طبيعة النموذج الاجتماعي الفرنسي وحدود التقشف في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة
ووفقاً للبيانات، فإنه منذ بداية 2025م بلغت صادرات فرنسا إلى الدول المجاورة ما يقرب من 84 تيراواط/ساعة من الكهرباء، ولا توجد دولة أخرى قادرة على استبدال إمدادات الكهرباء الفرنسية بتكلفة منخفضة إلى هذا الحد, حيث كان إجمالي الصادرات أعلى بنسبة 85% مقارنة بنفس الفترة في عام 2023م، وهو الأعلى لتلك الفترة على السجلات التي تعود إلى عام 2015م, ويُعد أسطول الطاقة النووية العملاق في البلاد، وهو الأكبر في أوروبا، المحرك الرئيسي لتلك الصادرات, حيث ارتفع توليد الطاقة النووية بنحو 12% من مستويات عام 2023م إلى أعلى مستوياته في ثلاث سنوات في عام 2023م, 2024م, 2025م, كما ساعد نمو إنتاج الطاقة الكهرومائية بنسبة 31% أعلى مستوى له منذ أكثر من عقد من الزمان في تغذية توليد الطاقة والصادرات الفرنسية, ومع ذلك، فإن إنتاج الطاقة من مصادر نووية ومائية يقترب بالفعل من الحدود العليا لمستويات الإنتاج التاريخية، وبالتالي فهو عرضة لخطر الانخفاض خلال أي مطب سياسي مطول، أو تخفيض في أحجام التمويل [[xiii]].
رابعًا– تداعيات أزمة الطاقة في الداخل الفرنسي: ثمة تداعيات تعكسها أزمة الطاقة في فرنسا، يتمثل أهمها فيما يلي:
– ارتفاع فواتير الكهرباء والغاز: نتيجة ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء,حيث أكدت فرنسا إنها سترسل دفعة واحدة بقيمة 100 يورو لأكثر من 5.8 مليون أسرة منخفضة الدخل لدعمها لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة وعلى الرغم من ذلك قد لا يوفر الكثير من الرضا للمستهلكين الأوروبيين، الذين لا يستطيعون دفع تلك الفواتير الباهظة, أيضًا تسببت أزمة الطاقة التي تعاني منها فرنسا في إغلاق تام لمصانع عدة , وتعليق النشاط في مصانع أخرى، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الغاز والكهرباء، التي تضاعفت مرات عدة, وأبرز هذه المصانع “كوفيجو” للمنتجات الغذائية، ومصنع “دوراليكس” للصناعات الزجاجية الذي عانى من ارتفاع تكلفة استهلاك الطاقة اللازمة لتذويب الزجاج قبل صبه في قوالب جاهزة لصنع [[xiv]] .
– ارتفاع تكاليف إنتاج الشركات: تؤدى الارتفاعات الكبيرة فى أسعار الطاقة إلى رفع تكاليف شركات الطاقة الفرنسية، وخاصةً الصغيرة وقد يدفع بعضها إلى التوقف عن العمل, كما يؤدى ذلك إلى مزيد من الارتفاع لأسعار المنتجات، الأمر الذى يصب سلبًا فى غير صالح المستهلكين، خاصةً إذا كان هذا الارتفاع فى الأسعار يشمل الغذاء، وهو ما ينذر بنشوء محتمل لمشكلة نقص الغذاء, ومن المحتمل أن يؤثر ذلك على عدة صناعات أخرى, تؤدي تفاقم الأزمة وتحولها من أزمة إمدادات الطاقة إلى التضخم مع تراجع القدرة الشرائية، بالإضافة إلى صعوبات جمة تواجه الكثير من المصانع الفرنسية، التي تحاول ضمان استمرار دوران عجلة الإنتاج وسط خشية من تواصل الأزمة وتسببها بخسائر إضافية [[xv]]
– إجهاض خطط التحول نحو الاقتصاد الأخضر: مع استمرار أسعار الغاز والكهرباء نحو الارتفاع، فإنها سوف تقلل حوافز استخدام الصناعات المختلفة للكهرباء كوسيلة للاستغناء عن الوقود الكربوني, ففى وقت سابق ، دفع ارتفاع أسعار الغاز وانخفاض إنتاج الرياح المملكة المتحدة على سبيل المثال إلى إطلاق محطة كهرباء قديمة تعمل بالفحم لتلبية احتياجاتها من الكهرباء, كما نجد الرئيس الأميركي (جو بايدن) المتحمس جدًاً لخفض الانبعاثات الملوثة للبيئة، طالب أوبك بزيادة الإنتاج للحد من ارتفاع أسعار البنزين, وتثير هذه الخطوة تساؤلات جدية حول الالتزامات البيئية للحكومة وسط أزمة المناخ, فمن المؤكد أن الفحم هو الوقود الأحفوري الأكثر كثافة من حيث الانبعاثات الكربونية، وبالتالي فهو الهدف الأكثر أهمية للاستبدال في المحور المقترح للبدائل المتجددة، وهو ما يقوض أهداف مبادرة (الصفقة الخضراء) الخاصة بالاتحاد الأوروبي” للوصول إلى الحياد المناخي بحلول 2050[[xvi]]
تأسيسًاً على ما تقدم، من المتوقع أن يظل تعرض فرنسا لأزمة أسعار الطاقة المتقلبة خطرًا في السنوات القادمة قبل أن يجلب التحول الأخضر الاستقرار المتوقع للسوق, حيث يعتمد مزيج الطاقة الأوروبي بشكل مبالغ فيه على الطاقة المتجددة والتي بدورها لا يمكن الرهان عليها على الأقل حاليًاً، خاصةً مع عدم إيجاد مخرج لمشكلة استحالة تخزين الطاقات المتجددة مثلما يتم مع النفط أو الغاز والفحم, فقد تفرض تلك الأزمة على القيادة في فرنسا إلى البحث العاجل عن حلول لها قبل استفحالها، ووضع أولوية لها مع دفع خطتهم المناخية الشاملة، المتمثلة في خفض انبعاثات الكربون بنسبة 55٪ بحلول عام 2030م.
فمن المتوقع أن يجري العمل على التوجيه فيما يتعلق بإجراءات التخفيف التي يمكن لفرنسا اتخاذها بشكل فردي ضمن قواعد الاتحاد الأوروبي, لكن ليس هناك ما يشير إلى أي تدخل مركزي مهم, وسيتعين على الحكومة الفرنسية التوصل إلى حلول مؤقتة، مثل خفض معدلات الضرائب والرسوم الإضافية المطبقة على فواتير الطاقة، والتي يمكن أن تشكل في بعض الدول نصف السعر النهائي، مثلما خفضت الحكومة الإسبانية مؤقتًا ضريبة الكهرباء الخاصة من 5.1٪ إلى 0.5٪. كما يمكن أن تشمل التدابير الأخرى برامج اجتماعية لحماية الأسر الضعيفة والشركات الصغيرة، والتخفيف من فقر الطاقة ومنع الأسر من قطع إمدادات الكهرباء, ولعل اتجاه الدول الأوروبية نحو سياسة تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد بشكل كبير على روسيا فى تصدير الغاز ، من شأنه أن يصب في مصلحة الدول العربية المنتجة للطاقة والقريبة جغرافيا، الأمر الذي من شانه توفير فرص تبادل أكثر لمصلحة الطرفين[[xvii]].
خامسًا- تداعيات أزمة الطاقة في فرنسا على الأمن الأقليمي لدول شمال المتوسط:
أدت أزمة الطاقة في فرنسا إلى انسداد سياسي وتأثيرات إقليمية, لهذا تأثرات المانيا وإيطاليا، وهما من أكبر مستوردي الكهرباء في أوروبا، والأكثر تضررًاً من أي انقطاع أو انخفاض في تدفقات الكهرباء الفرنسية, على الرغم من أعتماد كلا البلدين على محطات الطاقة الكبيرة التي تعمل بالغاز الطبيعي، والتي تأثرت بشكل كبير بانخفاض إمدادات الغاز الروسي منذ عام 2022م, أيضًا قامت المانيا وإيطالياً بتكثيف وارداتهما من الغاز الطبيعي المسال في السنوات الأخيرة، في محاولة لاستعادة إنتاج الطاقة المحلية, ولكن التكلفة المرتفعة بشكل حاد للغاز الطبيعي المسال مقارنة بإمدادات خطوط الأنابيب، تعني أن الصناعات التي تعتمد على الغاز لتوليد الطاقة أو كمادة خام شهدت ارتفاعًا كبيرًاً في تكاليفها[[xviii]].
وقد أدت هذه التكاليف المتزايدة إلى تسريع عملية كهربة استهلاك الطاقة، وزيادة واردات الكهرباء من قبل جميع البلدان الأوروبية تقريبًاً حتى الآن، تمكَّنت فرنسا من توفير معظم الكهرباء اللازمة؛ مما ساعد على إبقاء تكاليف الكهرباء الإقليمية تحت السيطرة, ولكن إذا فقدت منظومة الطاقة في فرنسا زخمها نتيجة للاضطرابات السياسية الوشيكة، فقد يواجه مستوردو الكهرباء انخفاض الإمدادات المتاحة وارتفاع تكاليف الطاقة، وهو ما قد يشعل شرارة أزمة طاقة إقليمية جديدة
سادسًا- الفرص والتحديات الناتجة عن أزمة الطاقة في فرنسا: وهي على النحو التالي:
1- الفرص: أكد وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير أن فرنسا على وجه الخصوص وأوروبا عامةً لديها العديد من الفرص لتصبح مستقلة عن الغاز الروسي، والتي يمكن الاعتماد عليها حتى لا تكون غالبية احتياجاتها في قبضة يد روسيا، وتتمثل هذه الفرص في الآتي
– ضرورة تسريع تخزين الغاز بنحو 90% من الحاجات اللازمة لمواجهة الشتاء الحالي والقادم بدءًاً من الصيف الحالي.
– قيام فرنسا والدول الأوروبية بعمليات شراء جماعية للحصول على أسعار مخفضة.
– محاولة فرنسا البحث عن بدائل بتنويع إمدادات الغاز الطبيعي من منتجين أخريين (قطر, مصر).
– تسريع نشر مشروعات الطاقة المتجددة هذا العام مما يقلل من استخدام الغاز بمقدار 6 مليار م3، وتعزيز حصة الطاقة الحيوية والطاقة النووية في توليد الكهرباء مما سيقلل من استخدام الغاز بمقدار 13 مليار م3 في غضون عام، بالإضافة لإنشاء 8 محطات طاقة نووية لتوليد الطاقة بحلول عام 2050.
– وضع تدابير ضريبية قصيرة الأجل لحماية مستهلكي الكهرباء من ارتفاع الأسعار.
– استبدال مضخات حرارية بأجهزة التدفئة العاملة بالغاز الطبيعي، وإغلاق الصناعات كثيفة الاستخدام للغاز.
لهذا قامت فرنسا بتكثيف جهودها لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. في عام 2022م، حيث تم الاتفاق على خطة طوارئ لتخزين الغاز وتنويع مصادر الإمدادات، من خلال البحث عن أسواق بديلة مثل الولايات المتحدة ، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة, ومن أبرز استراتيجيات فرنسا في هذه المرحلة هي الاعتماد على الغاز المسال (LNG)، حيث تم توقيع عقود طويلة الأجل مع دول أخرى مثل الولايات المتحدة وقطر ومصر لزيادة واردات الغاز المسال, كما تم تكثيف الجهود لتوسيع منشآت تخزين الغاز في عدة دول أوروبية لتوفير المخزون خلال الأشهر الباردة, ومع ذلك، تتطلب عملية التحول إلى الغاز المسال استثمارات ضخمة في البنية التحتية، مثل محطات استيراد الغاز، والتي تستغرق وقتًا طويلًا لتنفيذها[[xix]].
2– التحديات: وتتمثل في صعوبة عودة جميع المفاعلات النووية الفرنسية إلى الخدمة هذا الشتاء؛ وذلك لأن الأسطول النووي يُمثل أساس الاستراتيجية الفرنسية للطاقة منذ سبعينيات القرن الماضي، مع وجود ٥٦ مفاعلًا توفر حوالي ٧١٪ من إنتاج الكهرباء وهي أعلى نسبة اعتماد على الطاقة النووية في توليد الكهرباء في العالم, ولكن وبحلول عام ٢٠٥٠م، سيتوجب بناء مفاعلات جديدة مع تقادم ثلاثة أرباع المفاعلات السابقة, كما تعتمد باريس على الطاقة النووية لتحقيق هدف القارة الأوروبية المتعلق بتحييد الكربون بحلول عام ٢٠٥٠م، ويعد هذا القطاع ضامنًا للاستقرار عند ارتفاع أسعار الغاز عالميًا, ولكن سيثير بناء مفاعلات جديدة جدلًا كبيرًا؛ فالحكومة الفرنسية ملتزمة بإغلاق مفاعلات قديمة ضمن خطة لإعادة التوازن بين أنواع الطاقة، وخفض تدريجي في حصة الطاقة النووية من حوالي ٧٠ إلى ٥٠٪ بحلول ٢٠٣٥م والعمل على تطوير مصادر الطاقة المتجددة[[xx]]
وفى سياق إيجاد حلول لأزمة الشتاء الحالي، تعهدت شركة الكهرباء الوطنية بإعادة تشغيل جميع المفاعلات المغلقة والتي تُقدر بحوالي ٣٢ مفاعل من إجمالي ٥٦ مفاعل فرنسي أي أكثر من النصف من الأسطول النووي الفرنسي، والتي تم إغلاقها وذلك قبل حلول فصل الشتاء، ولكن هل هذا الهدف قابل للتحقيق؟ وهنا نستطيع القول بأنه من الناحية العملية يصعب تحقيق هذا الهدف وذلك للأسباب التالية:
الجدول الزمني اللازم لإعادة تشغيل المفاعلات النووية المغلقة حاليًا هو أنه من بين حوالي ٣٢ مفاعل متوقفة تم إعادة تشغيل حوالي ٩ بحلول شهرأكتوبر 2025م، وهو التاريخ الذي يوافق بداية شتاء الطاقة الأوروبي، وهي الفترة التي يزداد فيها استهلاك معدلات الكهرباء للتدفئة، وسوف تدخل المفاعلات المتبقية والتي يبلغ عددها حوالي ٢٣ مفاعلًا في فبراير من عام 2026م[[xxi]].
وعليه يُمثل وقف الإمدادات الروسية من الغاز الطبيعي مشكلة مستمرة، لأن مولدات الكهرباء التي تعمل بالطاقة النووية ستواجه صعوبة في تعويض النقص، نتيجة توقف عدة مفاعلات لإجراء أعمال صيانة, مع ضرورة إصلاح عشرات المفاعلات بعد حدوث مشاكل تأكل ناتج عن عمليات الإجهاد والذي يؤثر بشكل كبير في أنابيب دائرة حقن الأمان، وهي الأجهزة الوقائية المسؤولة عن عمليات التبريد الطارئ للمفاعل النووي في حال حدوث خرق في دائرة التبريد الخاصة به, مشاكل كبيرة تتراوح من الظهور الغامض لتآكل داخل المحطات النووية إلى مناخ أكثر سخونة مما يجعل من الصعب تبريد المفاعلات القديمة, ما يزيد الأوضاع سوءًا هو أن كهرباء فرنسا، والتى تبلغ ديونها حوالي أكثر من ٤٣ مليار يورو، معرضة أيضًا لصفقة أخيرة تشمل شركة روساتوم الروسية المشغلة للطاقة النووية والتى تدعمها الدولة، والتى قد تلحق أضرارًا مالية جديدة بالشركة الفرنسية, بالإضافة إلى ذلك تفاقمت الاضطرابات بسرعة كبيرة لدرجة أن حكومة ماكرون ألمحت إلى أن كهرباء فرنسا قد تحتاج إلى التأميم, أيضًا مواعيد إعادة تشغيل تلك المفاعلات التي أعلن عنها هي تواريخ إرشادية فقط، لأنه في حالة إيقاف عمليات الصيانة، قد تؤدي إلى ظهور نتائج غير محسوبة يترتب عليها تأخير في المواعيد المحددة وذلك أثناء عمليات الفحص الأولية، فالزيادة المتوقعة في التأخيرات مرتبطة بتقادم محطات الطاقة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الصعوبة في تنفيذ عمليات إعادة تشغيل تلك المفاعلات ضمن الجدول والتسلسل الزمنى المخطط له [[xxii]].
أما بالنسبة للصناعة النووية الفرنسية الأكبر في العالم, حيث تمتلك فرنسا أسطولًا كبيرًا من المفاعلات والتي تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية، والتي بُنى معظمها في ثمانينيات القرن الماضي حيث تبلغ القدرات المركبة حوالي٦١٣٧٠ ميجاوات، ابتُليت لعقود طويلة من الزمن بنقص كبير في الاستثمارات الجديدة, أضف إلى ذلك الإغلاق الجزئي بسبب إيقاف تشغيل حوالي نصف الأسطول النووي الفرنسي، وهو الأكبر في أوروبا، بسبب عاصفة من المشكلات غير المتوقعة التى تدور حول مشغل الطاقة النووية في البلاد والمدعوم من الدولة.
نقص مخزون باريس من الغاز: أفادت هيئة “البنية التحتية للغاز في أوروبا” بأن مخزونات الغاز الطبيعي في القارة الأوروبية سجلت تراجعًا ملحوظًا، حيث انخفضت إلى ما دون 40 في المائة للمرة الأولى منذ مطلع فصل الشتاء 2025م, وأوضحت الهيئة، أن نسبة ملء الخزانات استقرت في حدود 39.9 في المائة، أي ما يعادل 455.45 تيراواط/ساعة، مسجلة بذلك عجزًا ملموسًا مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024م التي بلغت فيها المخزونات 604 تيراواط/ساعة, وحسب المصدر ذاته، تظل ألمانيا المتضرر الأكبر من هذا المنحى التراجعي، حيث هوت مخزوناتها إلى 31.25 في المائة (78.47 تيراواط/ساعة), وفي المقابل، يبدو الوضع في إيطاليا أكثر استقرارًا نسبيًا، حيث بلغت نسبة التخزين 56.19 في المائة (114.27 تيراواط/ساعة)، مقابل 125.08 تيراواط/ساعة المسجلة في فبراير 2025 [[xxiii]].
أما في عام 2025م فقد شهدت فرنسا،انخفاضًا في احتياطاتها من الغاز بلغ 57% فقط من السعة، مقارنة بمتوسط خمس سنوات يبلغ 75%. وفي بريطانيا، تمتلئ مواقع التخزين بنسبة 55% تقريبا, وقد حذر اقتصاديون من أن انخفاض مستويات تخزين الغاز قد يبقي الأسعار مرتفعة خلال فصل الصيف، عندما تبدأ الدول في إعادة ملء احتياطياتها[[xxiv]].
سابعًا– مستقبل أزمة الطاقة في فرنسا( الحلول والبدائل):
تراهن فرنسا التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي حاليًا على ملف الغاز الحيوي للتخلص من التبعية للغاز الروسي بشكل كامل ونهائي بحلول عام ٢٠٣٠م، حيث جندت فرنسا المئات من مزارعها لمحاولة التخلص من التبعية التاريخية للغاز الروسي، عبر تطوير وتسريع الاعتماد على الغاز الحيوي، والذي يشبه الغاز الطبيعي أو غاز الميثان، ولكن إنتاجه يتم من خلال ما يعرف بعملية التحلل الحيوي أو ميثانيزاسيون وذلك بطريقة طبيعية للمواد العضوية، عن طريق استخدام منتجات زراعية غير غذائية أو نفايات أخرى[[xxv]].
وقد شهد هذا النوع من الغاز الأخضر نموًا كبيرًا جدًا خلال السنوات الأخيرة، حيث يُعد القطاع الوحيد في مجال الطاقات البديلة والذي تمكن من تخطي هدفه الأساسي، بعد أن تضاعف إنتاجه في عام ٢٠٢١م بالمقارنة مع عام ٢٠٢٠م, ولكن وبالرغم من ذلك، يبقى الاستهلاك الفرنسي للغاز الحيوي ضئيلًا جدًا وبنسبة حوالي ٢٪ من إجمالي حجم استهلاك الغاز، وهو ما يعادل حوالي ٦ تيراوات/ساعة فقط, لذلك تسعى باريس إلى تسريع الخطى لعدم الاعتماد على الغاز الروسي في أسرع وقت ممكن[[xxvi]].
ومن هنا نستطيع أن نستلخص بعض الحلول أو الخطوات التي سيتعين على باريس وضعها في مقدمة أولوياتها ومنها:
- ضرورة مواصلة الاستعداد لأزمة طاقة مرتقبة زروتها في الشتاء القادم، وذلك من خلال دعوات خفض الاستهلاك, ورفع مستوى ودرجة الاستعداد الفرنسي, وذلك بهدف مواجهة أي مخاطر تقنية أو أزمات جيوسياسة متوقعة, مع ضرورة التعامل مع الموارد في صالح تحقيق الأهداف المناخية وخطط الحياد الكربوني والانتقال الأخضر، ليس لطرح حلول فقط لمواجهة أزمة الطاقة, وأنما للعمل على زيادة معدلات الوعي، وذلك على صعيد المستهلكين وأيضًا الشركات، مع ضرورة الحث على تغيير سلوكيات استهلاك الكهرباء والغاز الطبيعي, أضف إلى ذلك العمل على ضرورة زيادة حجم الاستثمارات الموجهة إلى مصادر الطاقة منخفضة الكربون للكهرباء والغاز الطبيعي.
- ضرورة المضي قدمًا نحو الوصول إلى مستويات تخزين الغاز الفرنسي بمعدل يصل إلى ١٠٠٪ بحلول بداية فصل الخريف، حتى مع انخفاض أو وقف الإمدادات الروسية من الغاز, بالإضافة إلى ضرورة التعاون الأوروبي المشترك في كيفية تأمين مصادر للغاز وتسهيل استخدام البنية التحتية في صناعة الغاز المسال
- العمل على تطوير آليات الاستجابة المرنة لمواجهة صدمات الطاقة، ولحماية البنية التحتية الحرجة للطاقة، لتقديم الدعم الجماعي الأوروبي للدول الهشة طاقويا؛ لهذا فقد أطلق الإتحاد الأوروبي إستراتيجية حماية البنية التحتية للطاقة التي تركز على دعم أمن المعلومات وعلى حماية مراكز الإدارة الرقمية للبنية التحتية من الهجمات الإلكترونية[[xxvii]].
التوصيات: قد تكون هذه الأزمة الكبيرة بمثابة نافذة النور لمصادر الطاقة البديلة لذلك توصي الدراسة بالأتي:
- يتعين على صانع القرار الفرنسي تركيز الجهد على بناء أمن الطاقة الخارجي لمواجهة التحديات الأمنية المتسارعة ذات الصلة بالطاقة، بدلًا من انغماس الدولة في متابعة مصالحها الوطنية ذات الصلة بالطاقة بشكل مستقل.
- ضرورة الاهتمام بالغاز الأخضر والدعوة إلى تقنين هدر الموارد، بجانب الاستفادة من النفايات الوطنية.
- ضرورة تطوير صناعة غاز المناجم، في حوض المناجم السابق في شمال فرنسا، حيث تستخرج بلدة بيتون غازًا قابلًا للاشتعال، وهو غاز المناجم والذي كان يشكل كابوسًا لعمالها، وبات مكسبًا في إطار التحول البيئي، حيث تقدر احتياطيات غاز المناجم والتي خلفها تعدين الفحم في شبكة هائلة من الأنفاق نحو ١٠٠ ألف كيلومتر حيث تعود لأكثر من ١٥٠عامًا
- ضرورة إتباع فكرة إحياء خطوط الغاز القديمة والتي تم غلقها لإعتبارات سياسية أو لظروف بيئية ودراسة إعادة تشغيلها.
- استخدام الحل الأكثر شيوعًا وهو تحديد أسعار الكهرباء سيساعد في كبح جماح التضخم وذلك عن طريق خفض العبء على البنوك المركزية وإزالة الحاجة إلى رفع سعر الفائدة الرئيسية، ولكن تحديد السعر لا يقلل من الطلب على الطاقة وهو الأمر الذي يؤدي إلى تأجيل إصلاحات مهمة.
- تقديم المساعدة الطارئة للمواطنين الأكثر عرضة لإنقطاعات إمدادات الطاقة, ومن الناحية العملية، فإن التخطيط الطارئ يستند على إجراء اختبارات المقاومة والتكيف في مواجهة صدمات الطاقة، وعلى التنسيق بين السلطات الوطنية, وشركات الطاقة من أجل ضمان الحد الأدنى من مخزونات الطوارئ.
وتوصي الدراسة صانع القرار المصري بالأستفادة من هذه الأزمة؛ وذلك لأن مصائب قوم عند قوم فوائد، حيث يُنظر إلى تلك الأزمة باعتبارها فرصة للمصدرين، الذين يتأهبون لاغتنام الفرصة لتحقيق مكاسب استثنائية خلال تلك الأزمة، وذلك من خلال الاستفادة من الارتفاع العالمي لأسعار الغاز, وأن دولة مثل مصر يمكنها الاستفادة من تلك الأزمة أيضًاً، وخاصةً أنها تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، وأصبحت لديها قدرة تصديرية، وبالتالي فإن مصر كموقع جغرافي وقدرات واضحة، يمكنها أن تكون مستفيدة من ارتفاع أسعار الغاز على المستوى العالمي، وبشكل خاص في ظل وجود علاقات سياسية ودبلوماسية مع دول الاتحاد الأوروبي، تنعكس على العلاقات الاقتصادية والتجارية, فدول الاتحاد الأوروبي هي دول صناعية في المقام الأول، وتعتمد على الطاقة بشكل كبير جدًاً، وبالتالي فإن الأزمة الراهنة يمكن أن تعزز من دور مصر وتعود عليها بالإيجاب، كما يعود على دول أوروبا أيضاً التي تئن مع نقص الإمدادات.
واتصالًا بما سبق فأن الغاز الطبيعي سيشكل المصدر الرئيسي للطاقة في المرحلة الهجينة للتحول في جيو- سياسية الطاقة، فإنه يتعين على مصر أن تلعب دورًا حيويًا في إمداد الاتحاد الأوروبي بالطاقة، وأن تلعب هذه الورقة بذكاء.
الخاتمة، قد تضع أزمة الطاقة حكومة ماكرون أمام مسارات وسيناريوهات مختلفة، فإما التوصل إلى حل أو استمرار تفاقم الأزمة حتى تصبح مرضًا متأصلًا في قطاع الطاقة الفرنسي, ومع وصول الأمر إلى حد إغلاق مفاعلات نووية بسبب نقص الطاقة اللازمة لتشغيلها، ومع أزمة الطاقة وتداعياتها على باريس واقتصادها؛ كان كل ذلك سببًا رئيسًا في قيام ماكرون بزيارة الجزائر طمعًا في الغاز من أجل مساعدته في الخروج من الأزمة أو على أقل تقدير التخفيف من تبعاتها على الشعب الفرنسي، ولكن ومن خلال القرارات الأخيرة والتي بدأت باريس في تطبيقها وترشيد الاستهلاك من الواضح أن حكومة ماكرون بدأت تلجأ إلى الحلول التقليدية, وفى النهاية وبشكل عام ستعاني باريس وبقية دول أوروبا من شبح الإفلاس إذا لم تعالج أزمة الطاقة حيث أنها ستضطر إلى تخصيص نحو ١٬٥ تريليون يورو لتغطية فواتير الغاز والكهرباء وبواقع حوالي سبعة أضعاف عما كانت عليه.
وأخيرًا، إن أزمة الطاقة في أوروبا من الممكن أن تمتد، لتشمل بقية بلدان العالم، حيث سيؤدي الشتاء القارص إلى دفع الطلب على الغاز الطبيعي فوق العرض المتضائل بالفعل، وقد يضطر القطاع الصناعي بما في ذلك مصانع الخزف والزجاج والأسمنت إلى رفع الأسعار، نتيجة لارتفاع أسعار الكهرباء، أما الاقتصادات التي لا تستطيع تحمل ارتفاع تكاليف الوقود، فقد تصاب بالشلل.
[[i]] أسامة فاروق مخيمر, تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الأوروبي: دراسة للتغيرات في مفهوم وقضايا الأمن بعد الحرب الباردة, مجلة السياسة والاقتصاد المجلد 18, العدد17, 2023, ص 6-35.
[[ii]] نهلة الخطيب, تحديات أمن الطاقة في العلاقات الأوروبية الروسية _ الأوكرانية نموذجا. المركز الديمقراطي،2023, ص 9.
[[iii]] احمد حسن, من ملامح أزمة الطاقة الفرنسية, هل تصبح فرنسا أولى ضحايا أزمة الطاقة الأوروبية؟ (ديسمبر16, 2022), المرصد المصري : https://marsad.ecss.com.eg/72892
[[iv]] نهلة الخطيب, مرجع سابق, ص11.
[[v]] ميزانية معلقة وإصلاحات مجمدة.. مشهد مالي مربك في فرنسا,(28 ديسمبر, 2025), العين الإخبارية ain.com/article/absence-a-2026-budget-in
[[vi]] انهيار الحكومة الفرنسية يهدد أسواق الطاقة الأوروبية, (5 ديسمبر, 2024) الشرق الأوسط: https://aawsat.com /
[[vii]]عمار علواني. . عمار علوني، أثر الحرب الروسية الأوكرانية عللا الاقتصاد العالمي، المجلة الجزائرية للأبحاث الاقتصادية ،المجلد 25، العدد20 ,2023,ص25.
[[viii]]ASN authorise commissioning of the Flamanville EPR reactor Published on 08/05/2024
https://regulation-oversight.asnr.fr/information/news-archives/asn-authorise-commissioning-of-the-flamanville-epr-reactor
[[ix]]ASN authorise commissioning, Ibid
[[x]]Jérôme and Plane ,and ,Sampognaro,Mathieuand Raul Creel Inflation and counter-inflationary policy measures: the caseof France2022,.p.83..
[[xi]](9), p. 4.,2024, Électricité. de France. Annual Energy Production
[[xii]] فرنسا تحطم رقمها القياسي في تصدير الكهرباء خلال 2025.. وتجني 6 مليارات دولار. (3 يناير 2026) العين الإخبارية
: https://al-ain.com/article/france-breaks-record-electricity-exports-again
[[xiii]]ميزانية معلقة وإصلاحات مجمدة.. مشهد مالي مربك في فرنسا, مرجع سابق.
[[xiv]]أيمن عزام, أزمة الطاقة تغلق العديد من المصانع في فرنسا, 28( يناير , )2023, جريدة المال. https://almalnews.com/1457940
[[xv]]بلال ضياء الدين قراب و هادية يحياوي، رهانات الأمن الطاقوي الأوروبي في ظل الأزمة الأوكرانية، المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، السنة الثامنة، المجلد 24 ، العدد 20 ، 2023 ، ص 122
[[xvi]]وسط تحديات الطاقة العالمية والسعي لتحقيق الحياد الكربوني، حققت فرنسا رقمًا قياسيًا جديدًا في تصدير الكهرباء للعام الثاني على التوالي,( 26 يناير, 2026), العين الأخبارية:
https://al-ain.com/article/france-breaks-record-electricity-exports-again
[[xviii]]Tech & Industrie, ecuring Europe’s Future: France’s Pivotal Role in Energy Security,Brigham MCCOWN – 01/07/2025
https://www.lesrencontreseconomiques.fr/2025/en/debats-idees/securing-europes-future-frances-pivotal-role-in-energy-security/
[[xix]] U.S. Energy Information Administration, Natural Gas in Global Energy Transitions (2025).
[[xx]] International Energy Agency, Just Energy Transition Partnership Overview, (2025)
[[xxi]]وسط تحديات الطاقة العالمية والسعي لتحقيق الحياد الكربوني، حققت فرنسا رقمًا قياسيًا جديدًا في تصدير الكهرباء للعام الثاني على التوالي
https://al-ain.com/article/france-breaks-record-electricity-exports-again
[[xxii]]56 نوار صبح، عوامل تهدد أمن الطاقة في أوروبا الشتاء المقبل … إمدادات الغاز بالمقدمة، (7مارس, 2023) موقع الطاقة،
https://attaqa.net
[[xxiii]]أحمد السالمي, انخفاض مخزونات الغاز في أوروبا إلى ما دون 40 في المائة, ( 07 فبراير 2026)موقع Howiyapress.com https://howiyapress.com
[[xxiv]] أوروبا تستهلك احتياطيات الغاز بأسرع وتيرة منذ سبع سنوات, بوابة الرياض – العربية Business
https://www.alarabiya.net/aswaq/special-stories/2025/01/08
[[xxv]] أسامة فاروق مخيمر, مرجع سابق, ص27.
[[xxvi]] أحمد سلطان, (16 سبتمبر, 2022), قضايا الطاقة, من هل تصبح فرنسا أولى ضحايا أزمة الطاقة الأوروبية؟ : https://marsad.ecss.com.eg/72892





