باستخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية و شروط الاستخدام .
Accept
MEGASMEGASMEGAS
  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا
Reading: المسيرات الشبحية وتأثيرها على توازن الردع الإقليمي في شرق المتوسط
Share
0

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

Notification Show More
Font ResizerAa
MEGASMEGAS
0
Font ResizerAa
  • الصفحة الرئيسية
  • الفعاليات
  • دراسات
  • دورات تدريبية
  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا
Have an existing account? Sign In
Follow US
  • اتصل
  • مقالات
  • شكوى
  • يعلن
© 2022 Foxiz News Network. Ruby Design Company. All Rights Reserved.
MEGAS > فعاليات > دراسات > المسيرات الشبحية وتأثيرها على توازن الردع الإقليمي في شرق المتوسط
دراسات

المسيرات الشبحية وتأثيرها على توازن الردع الإقليمي في شرق المتوسط

megas-eg.com
Last updated: أبريل 15, 2026 5:54 ص
megas-eg.com
3 أيام ago
Share
SHARE

كتب :  الدكتورة: مايسة خليل حسن

ملخص الدراسة

تتناول هذه الدراسة تأثير انتشار المسيرات الشبحية على توازن الردع الإقليمي في شرق المتوسط، اعتماداً على المنهج الاستقرائي وتحليل خمس حالات رئيسية: ليبيا، سوريا، لبنان، النزاع البحري، ومشروع “أخيل شيلد”. وتستند الدراسة إلى إطار نظري يجمع بين نظرية الردع، ونظرية توازن التهديدات، ونظرية الردع في البيئات غير المتماثلة.

توصلت الدراسة إلى أن المسيرات الشبحية أعادت تعريف مفهوم التفوق الجوي، وأضعفت فعالية الردع التقليدي بسبب صعوبة الإسناد، مما يزيد احتمالات التصعيد غير المحسوب. فأثبتت ليبيا أن المسيرات يمكن أن تكون عامل تغيير حاسم في الصراعات، بينما قدمت سوريا نموذجاً للردع الاستباقي الإسرائيلي. كما كشفت الدراسة عن تشكل “لعبة كبرى جديدة” في شرق المتوسط بين تحالف يوناني-إسرائيلي-فرنسي ومحور أنقرة-الدوحة، ودور “محور التهرب” (الصين-روسيا-إيران) في تغذية سباق التسلح.

أما الحالة اللبنانية، فقد كشفت عن تحول نوعي تمثل في قدرة فاعل غير حكومي (حزب الله) على تحييد التفوق الجوي الإسرائيلي عبر أكثر من 1,400 عملية بطائرات انتحارية رخيصة، مما خلق حالة من الردع بالاستنزاف اليومي أربك الحسابات الإسرائيلية، بينما عجزت تل أبيب عن وقف هذا الوابل رغم تفوقها التكنولوجي. مما يؤكد أن انتشار المسيرات الشبحية لا يعيد تشكيل توازن القوى بين الدول فحسب، بل يخلق فواعل جديدة من غير الدول قادرة على التأثير في معادلات الردع الإقليمي.

الكلمات المفتاحية: المسيرات الشبحية، توازن الردع، شرق المتوسط، التفوق الجوي، الردع غير المتماثل، محور التهرب، سباق التسلح، التحالفات التكنولوجية، الصراع بالوكالة ، مشروع أخيل شيلد.

Abstract

This study examines the impact of stealth drone proliferation on the regional deterrence balance in the Eastern Mediterranean, employing an inductive approach based on the analysis of five key cases: Libya, Syria, Lebanon, the maritime dispute, and the Greek “Achilles Shield” project. The study draws on a theoretical framework combining deterrence theory, balance of threat theory, and deterrence theory in asymmetric environments.

The study finds that stealth drones have redefined the concept of air superiority and weakened the effectiveness of traditional deterrence due to attribution difficulties, thereby increasing the likelihood of unintended escalation. The Libyan case demonstrated that drones can serve as a game-changer in conflicts, while Syria presented a model of Israeli preemptive deterrence. The study also reveals the formation of a “new great game” in the Eastern Mediterranean between a Greek-Israeli-French alliance and the Ankara-Doha axis, as well as the role of the “Axis of Evasion” (China-Russia-Iran) in fueling the arms race.

The Lebanese case revealed a qualitative transformation, as a non-state actor (Hezbollah) was able to neutralize Israeli air superiority through over 1,400 low-cost suicide drone operations, creating a state of daily “deterrence by attrition” that confused Israeli leadership. Meanwhile, Israel, despite its technological superiority, failed to halt this daily drone barrage. This confirms that stealth drone proliferation not only reshapes the balance of power between states but also creates new non-state actors capable of influencing regional deterrence equations.

Keywords: Stealth Drones, Deterrence Balance, Eastern Mediterranean, Air Superiority, Asymmetric Deterrence, Axis of Evasion, Arms Race, Technological Alliances, Proxy Conflict, Achilles Shield Project.

المقدمة.

شهدت منطقة شرق المتوسط خلال العقدين الأخيرين تحولاً جوهرياً في بنية الأمن الإقليمي، متجاوزةً بذلك كونها مسرحاً تقليدياً للصراعات العالقة إلى فضاء جيوسياسي معقد تتصارع فيه القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والثروات الطبيعية. فمنذ اكتشاف حقول الغاز الضخمة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل من مصر وقبرص وإسرائيل ولبنان، تحولت مياه شرق المتوسط إلى ساحة تنافس محموم، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الطموحات الجيوسياسية في مشهد متشابك الأطراف. (1) فلم يقتصر هذا التحول في طبيعة الصراع على البعد الاقتصادي فقط، بل امتد ليشمل إعادة تعريف لمفاهيم القوة والسيادة والردع التي ظلت سائدة لعقود طويلة.

لم يعد التوازن القائم على التفوق الجوي والبحري التقليدي قادرًا بمفرده على تفسير ديناميكيات الردع المتغيرة في هذه المنطقة المضطربة. فقد شهدت السنوات الأخيرة صعودًا متسارعًا لتكنولوجيا المسيرات المسلحة كعامل قوة مؤثر، قبل أن تظهر فئة جديدة أكثر تطورًا وإثارة للقلق وهي “المسيرات الشبحية. تتميز هذه الأنظمة بقدراتها المتطورة على التخفي من الرادارات، ومداها البعيد الذي يتجاوز الحدود الوطنية، وحمولاتها الهجومية الدقيقة التي تمكنها من تنفيذ ضربات جراحية في عمق أراضي الخصم. (2) باتت هذه التكنولوجيا، التي انتقلت من كونها أداة تكتيكية ثانوية إلى عنصر استراتيجي رئيسي، تمثل تحديًا وجوديًا لأنظمة الدفاع الجوي التقليدية التي صُممت لمواجهة تهديدات مختلفة تمامًا في طبيعتها وحجمها. (3)

تعمقت حالة عدم الاستقرار في شرق المتوسط منذ عام 2010، بفعل سلسلة من الأحداث المتشابكة التي لا يمكن فصلها عن بعضها البعض. فبالإضافة إلى اكتشافات الغاز الطبيعي التي أعادت رسم خريطة المصالح الإقليمية. شهدت المنطقة انهيارًا تدريجيًا لدول الجوار مثل ليبيا وسوريا، مما خلق فراغات كبيرة في السلطة والنفوذ. (4) وفي هذا السياق، تنامت النزعة التدخلية للقوى الإقليمية التي سعت لاستغلال هذه الفراغات لفرض واقع جديد على الأرض يخدم مصالحها الاستراتيجية. (5) وتحولت الصراعات غير المباشرة، كتلك التي شهدتها ليبيا وسوريا، إلى مختبرات حقيقية لاختبار فعالية المسيرات في تغيير موازين القوى على الأرض. (6)

في ليبيا، شهدت الفترة 2019-2020 تحولًا دراماتيكيًا في مسار الحرب بفضل استخدام المسيرات. ففي البداية، استخدمت قوات حفتر مسيرات صينية من طراز Wing Loong II لقصف مواقع حكومة الوفاق، مما أعطاها ميزة ميدانية كبيرة. لكن سرعان ما تغيرت المعادلة مع دخول المسيرات التركية Bayraktar TB2 إلى المعركة لصالح حكومة الوفاق، مما ساهم في قلب موازين القوى وإنهاء حصار العاصمة طرابلس. (7) أظهر هذا الاستخدام المكثف للمسيرات، والذي تطور لاحقًا ليشمل مسيرات شبحية أكثر تطورًا مثل النسخ المطورة من ANKA-3 التركية، قدرة هذه الأنظمة على تآكل مناطق الحظر الجوي التي تفرضها القوى الدولية، وخلق حالة من “غموض الإسناد” حيث يصعب تحديد مصدر الضربات الجوية بدقة، مما يعقد آليات الردع التقليدية القائمة على التصعيد التدريجي والمحاسبة الواضحة. (8)

تكتسب الحالة اللبنانية أهميتها الاستثنائية من كونها تمثل نموذجاً حياً لـمعضلة الردع الهجين التي تعاني منها المنطقة بأسرها، حيث تتعاظم قدرات الفاعلين من غير الدول في امتلاك واستخدام تكنولوجيا المسيرات الشبحية، بينما تتراجع قدرة الدولة الوطنية على بسط سيادتها والتحكم بقرار الحرب والسلم. ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة اللبنانية رسمياً منع الأنشطة العسكرية لحزب الله وأمرت القضاء بملاحقة من يطلق الصواريخ والمسيرات، استمر الحزب في عملياته اليومية متحدياً إرادة الدولة، مما كشف عن فجوة خطيرة بين القرار الرسمي والقدرة على التنفيذ، وأظهر هشاشة مفهوم السيادة في عصر الحروب الهجينة. (20; 21) مما جعل من لبنان ساحة اختبار حقيقية لقدرات المسيرات الشبحية في تغيير موازين الردع الإقليمي، ليس فقط من خلال إلحاق الضرر المادي بالعدو، بل عبر استنزافه نفسياً واقتصادياً وإجباره على توزيع قواته على جبهة واسعة ومتشعبة، مما يضعف قدرته على الردع الشامل.

علاوة على ذلك، فإن الحالة اللبنانية تقدم نموذجاً فريداً للردع بالوكالة، حيث تستخدم قوى إقليمية (كإيران) أطرافاً غير حكومية على أراضي دول أخرى لتنفيذ استراتيجياتها الردعية، بينما تتحمل الدولة المضيفة (لبنان) ويلات التصعيد دون أن يكون لها صوت في قرار الحرب والسلم. مما يعيد إنتاج، بشكل أكثر تعقيداً، ما حدث في ليبيا وسوريا، لكن مع اختلاف جوهري: ففي ليبيا كانت الأطراف المتصارعة فصائل مسلحة متناحرة ضمن إطار دولة متفككة، أما في لبنان فهناك دولة قائمة بمؤسساتها، لكنها عاجزة عن فرض سيادتها على فاعل مسلح يفوقها قوة وتنظيماً وتسليحاً (21; 22) وهذه المعضلة تضع لبنان في موقع فريد ضمن خريطة الصراع في شرق المتوسط، وتجعل منه مؤشراً خطيراً على مستقبل الدولة الوطنية في عصر المسيرات الشبحية والحروب غير المتماثلة، حيث تتفوق قدرات الفاعلين من غير الدول على إرادة الدولة ومؤسساتها، وتستطيع هذه الفواعل فرض أجندتها الردعية على حساب السيادة الوطنية والاستقرار الداخلي.

تُعد قدرة الدولة على تحقيق مستويات متقدمة من السيطرة على المجال الجوي، وصولاً إلى التفوق أو السيادة الجوية، عاملاً حاسمًا في إعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمي في شرق المتوسط. ففي ظل انتشار المسيرات الشبحية التي تتيح لمالكها حرية غير مسبوقة في الحركة والاستطلاع والضرب داخل المجال الجوي للخصوم، تبرز علاقة طردية بين درجة السيطرة على الأجواء ومدى فعالية الردع العسكري. فوفقًا للتحليل العسكري والقانوني الحديث، يُصنف السيطرة على المجال الجوي إلى أربعة مستويات متدرجة: التكافؤ الجوي، وهو حالة من الجمود حيث لا يتمكن أي من الطرفين من تحقيق ميزة حاسمة؛ والوضع الجوي الملائم، وهو ميزة مؤقتة تنشأ عن نجاح عمليات قمع أو تدمير دفاعات العدو الجوية؛ والتفوق الجوي، وهو سيطرة متقدمة تعيق بشكل كبير قدرات الخصم الجوية والدفاعية؛ وأخيرًا السيادة الجوية، وهي حالة من العجز التام للخصم عن مواجهة أو مقاطعة الأنشطة الجوية للطرف المسيطر. (8) وهذا التصنيف ليس أكاديميًا فحسب، بل له انعكاسات عميقة على طبيعة العمليات العسكرية وقدرات الردع.

في سياق شرق المتوسط، حيث تتقاطع النزاعات الإقليمية مع سباق تسلح تكنولوجي متسارع، يصبح تحقيق التفوق الجوي عبر المسيرات الشبحية هدفًا استراتيجيًا للدول الفاعلة. فالدولة التي تتمكن من فرض سيطرتها على المجال الجوي في مناطق النزاع تكتسب مزايا متعددة تعزز قدرتها على الردع: أولاً، تتيح لها هذه السيطرة تنفيذ مهام استطلاع ومراقبة واستخبارات (ISR) طويلة الأمد دون عوائق، باستخدام مسيرات قادرة على البقاء في الجو لساعات طويلة وجمع معلومات دقيقة عن تحركات الخصم. (8) ثانيًا، تمكنها من تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف مختارة بعناية، حتى في عمليات الاستهداف الديناميكي، مع تقليل المخاطر على الطواقم الجوية إلى أدنى حد. وهذا ما لاحظناه في استخدام إسرائيل للمسيرات الشبحية لاستهداف القواعد الإيرانية في سوريا، حيث وفر لها التفوق الجوي النسبي في المنطقة حرية عمل مكنتها من فرض قواعد اشتباك جديدة. (8)

على النقيض من ذلك، فإن غياب التفوق الجوي، كما هو الحال في مناطق التكافؤ الجوي أو الأجواء شديدة التنازع، يفرض قيودًا كبيرة على القدرات العملياتية ويضعف فعالية الردع. ففي هذه الظروف، تضطر القوات الجوية إلى تقليل فترة بقائها في أجواء العدو إلى أقصى درجة ممكنة لتجنب التعرض لأنظمة الدفاع الجوي، مما يحد من قدرتها على التحقق من الأهداف بشكل دقيق ويقلل من فعالية الضربات. (8) وهذا ما شهدناه في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث حالت حالة التكافؤ الجوي دون تحقيق أي من الطرفين تفوقًا حاسمًا، مما جعل استخدام الطائرات المأهولة في العمق محدودًا للغاية، وتحول الصراع إلى حرب مسيرات واستنزاف. (8)

ما يزيد من تعقيد هذه المعادلة في شرق المتوسط هو أن تحقيق التفوق الجوي عبر المسيرات الشبحية لا يمنح الدولة صاحبة هذه القدرات ميزة عسكرية فحسب، بل يفرض عليها أيضًا التزامات قانونية وإنسانية متزايدة. فوفقًا للقانون الدولي الإنساني، كلما زادت قدرة الدولة على التحكم في المجال الجوي، زادت مسؤوليتها في اتخاذ “كل الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء العمليات العسكرية. (8) وهذا يعني أن الدول التي تمتلك القدرة على تحقيق السيادة الجوية عبر مسيراتها الشبحية تتحمل عبئًا قانونيًا أثقل في عمليات التخطيط والاستهداف، بما في ذلك استخدام منهجيات دقيقة لتقدير الأضرار الجانبية، والتحقق الصارم من هوية الأهداف، وتفضيل استخدام الذخائر الموجهة بدقة التي تقلل احتمالات الخطأ العرضي. (8) هذا البعد القانوني يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى توازن الردع الإقليمي، حيث لا يكفي أن تمتلك دولة ما القدرة على الردع، بل يجب أن تثبت أيضًا قدرتها على استخدام هذه القدرة بما يتوافق مع المعايير القانونية والإنسانية، وإلا فإنها تخاطر بفقدان الشرعية الدولية وتقويض موقفها الدبلوماسي.

في الوقت نفسه، برزت منطقة شرق المتوسط كساحة رئيسية للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، حيث تسعى الولايات المتحدة وروسيا والصين لتعزيز نفوذها في هذه البقعة الاستراتيجية الحيوية. (9) وقد تجلى هذا التنافس في دعم أطراف متصارعة في النزاعات الإقليمية، خاصة في ليبيا وسوريا، مما أدى إلى تدويل الصراعات المحلية وإطالة أمدها وتعقيد إمكانية حلها. فعلى سبيل المثال، أدى التدخل التركي المباشر في ليبيا عام 2019، والذي تزامن مع توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق، إلى ربط الصراع الليبي بشكل وثيق بالأزمة في شرق المتوسط، مما جعله جزءًا لا يتجزأ من معادلة الردع الإقليمي الشاملة. (5)

كما استغلت روسيا الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة في المنطقة لتعزيز وجودها العسكري في سوريا وليبيا، حيث أقامت قواعد عسكرية متطورة في طرطوس وحميميم، واستخدمت هذه القواعد كورقة ضغط قوية في مفاوضاتها مع القوى الغربية حول ملفات أخرى. (10) هذا الوجود العسكري الروسي المتزايد، المدعوم بأنظمة دفاع جوي متطورة من طراز S-400 وقدرات حرب إلكترونية متقدمة، أضاف بعدًا جديدًا للمعادلة، حيث أصبحت موسكو قادرة على فرض منطقة حظر طيران بحكم الأمر الواقع فوق أجزاء واسعة من شرق المتوسط، مما قيد حرية تحرك القوى الأخرى في المنطقة. (11)

علاوة على ذلك، فإن الصراع البحري على حقوق التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط قد أضاف بعدًا جديدًا للتوترات القائمة، حيث تحولت مناطق الامتياز الاقتصادي الخالص إلى ساحات للصراع غير المباشر باستخدام المسيرات الشبحية لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية. (12) ففي السنوات الأخيرة، اتهمت كل من اليونان وقبرص تركيا باستمرار بانتهاك مجالهما الجوي عبر مسيرات شبحية تقوم برسم خرائط لحقول الغاز وجمع استخبارات عن أنشطة السفن البحرية. هذا الوضع عزز ما يُعرف بـ “معضلة الردع الهجين”، حيث تجد الدول نفسها في مواجهة أسلحة لا يمكنها استخدامها بشكل حاسم دون المخاطرة بتصعيد شامل، مما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي الذي قد يؤدي إلى حسابات خاطئة واندلاع صراع غير محسوب.

لذا تجعل هذه التداخلات المعقدة بين التكنولوجيا العسكرية الناشئة والصراعات الإقليمية التقليدية والتنافس الجيوسياسي الدولي، من شرق المتوسط نموذجًا فريدًا لدراسة التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. كما تبرز الحاجة الملحة إلى دراسة منهجية تتجاوز المقاربات التقليدية القائمة على الفصل بين هذه الأبعاد، لتقديم رؤية متكاملة حول كيفية إعادة تشكيل توازن الردع في هذه المنطقة الحيوية.

خلفية البحث:

تعود جذور التوتر في شرق المتوسط إلى عقود طويلة من النزاعات العالقة، وفي مقدمتها النزاع القبرصي الذي يعود لعام 1974، حيث قسمت الجزيرة إلى شطرين بعد التدخل العسكري التركي. (5) هذه القضية، التي ظلت دون حل لأكثر من خمسة عقود، شكلت أساسًا للخلافات البحرية بين تركيا واليونان حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق الاستكشاف في المنطقة. فبينما تصر تركيا على أن الجزر اليونانية القريبة من سواحلها لا يمكن أن تمتلك منطقة اقتصادية خالصة كاملة، تستند اليونان وقبرص إلى قانون البحار الدولي لتأكيد حقوقهما في هذه المناطق.

مع اكتشاف حقول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط بدءًا من عام 2009 في إسرائيل، ثم في قبرص عام 2011، وصولًا إلى اكتشاف حقل ظهر العملاق في مصر عام 2015، انتقلت هذه الخلافات البحرية من كونها نزاعات قانونية حدودية إلى صراعات ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية كبرى. (1) فقد أضفت هذه الاكتشافات قيمة اقتصادية هائلة على مناطق لم تكن محل اهتمام كبير من قبل، مما دفع الدول إلى التمسك بمواقفها بشكل أكثر حدة واللجوء إلى أدوات ضغط جديدة لحماية حقوقها.

في هذا السياق، شكل إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF) في القاهرة عام 2019 نقطة تحول مهمة، حيث جمع دولًا مثل مصر وقبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، بينما استبعد تركيا بشكل لافت. (5) هذا الاستبعاد، الذي اعتبرته أنقرة محاولة لتطويقها وعزلها في المنطقة، دفعها إلى تبني سياسات أكثر عدوانية، أبرزها توقيع اتفاقيتين مهمتين مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا في نوفمبر 2019: الأولى لترسيم الحدود البحرية، والثانية للتعاون العسكري والأمني. (5)

تعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا بمثابة تحول جذري في معادلة الصراع، حيث أعادت رسم خريطة المناطق البحرية في شرق المتوسط بشكل يتحدى الاتفاقيات السابقة بين اليونان وقبرص ومصر في المقابل، سارعت اليونان إلى توقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع مصر في أغسطس 2020 لمواجهة الاتفاقية التركية الليبية، مما أدى إلى خلق حالة من التصعيد العسكري المباشر في المنطقة، حيث تبادلت أنقرة وأثينا إرسال سفن حربية وسفن أبحاث في عرض البحر. (5)

من ناحية أخرى، لعبت الحرب الأهلية في ليبيا (2014-2020) دورًا محوريًا في تغذية الصراع بشرق المتوسط وتحويله إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية. (4) فبينما دعمت تركيا حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وقفت الإمارات ومصر وروسيا إلى جانب قوات خليفة حفتر في الشرق. هذا التدخل المتعدد الأطراف حول ليبيا إلى ساحة حرب بالوكالة، حيث استخدمت المسيرات المسلحة بكثافة من قبل جميع الأطراف، مما جعلها مختبرًا حقيقيًا لتطوير تكتيكات الحرب بالمسيرات واختبار فعالية هذه الأنظمة في ظروف قتالية حقيقية. (6)

أما في سوريا، فقد استخدمت إسرائيل المسيرات الشبحية بشكل ممنهج منذ عام 2018 لاستهداف قواعد إيرانية ومخازن صواريخ تابعة لحزب الله. فأصبحت هذه الضربات، التي نادرًا ما تعلن عنها تل أبيب رسميًا، نموذجًا للردع الاستباقي القائم على فرض “قواعد اشتباك” أحادية الجانب، حيث تعمل إسرائيل على منع حلفاء إيران من ترسيخ وجودهم العسكري في سوريا دون الدخول في مواجهة شاملة. بالمقابل، طورت روسيا وإيران قدرات مضادة للمسيرات، حيث نشرت موسكو أنظمة تشويش إلكتروني متطورة مثل Krasukha-4، بينما طورت طهران أنظمة دفاع جوي محلية الصنع مثل باور 373، مما أدى إلى سباق تسلح تكنولوجي بين قدرات الاختراق وقدرات الدفاع. (13)

في مواجهة التحدي المتصاعد للمسيرات الشبحية والهجومية، تطورت قدرات الدفاع المضادة للمسيرات (C-UAS) بوتيرة متسارعة، مستفيدة من الدروس الميدانية في أوكرانيا والصراع الدائر في الشرق الأوسط. فقد أظهرت التجارب أن التصدي الفعال للمسيرات يتطلب منظومة دفاع متعددة الطبقات، تجمع بين وسائل الكشف المتقدمة (رادارات متخصصة، مستشعرات صوتية، تحليل للترددات اللاسلكية) ووسائل التحييد المتنوعة (التشويش الإلكتروني، الاعتراض بالطائرات المسيرة، أنظمة الليزر عالية الطاقة، والصواريخ قصيرة المدى). (14) وقد برزت أوكرانيا كمختبر حقيقي لتطوير هذه المنظومات، حيث تمكنت من اعتراض نحو 70% من المسيرات الإيرانية الصنع (Shahed) التي أطلقتها روسيا، باستخدام مزيج مبتكر من التقنيات البسيطة (مدافع رشاشة قديمة، مستشعرات صوتية تعتمد على الهواتف المحمولة) والأنظمة المتطورة (طائرات اعتراضية مسيرة، أنظمة حرب إلكترونية). هذا النجاح الأوكراني دفع دولًا في المنطقة، بما فيها إسرائيل ودول الخليج، إلى طلب المساعدة التقنية من كييف، حيث نشرت أوكرانيا فرقًا من خبرائها في مكافحة المسيرات في عدة دول عربية. (15)

في إسرائيل، تمثل المنظومة الدفاعية المتكاملة نموذجًا متقدمًا للتصدي للمسيرات، حيث تعتمد على طبقات متعددة تبدأ بأنظمة الكشف والإنذار المبكر (Drone Dome، ReDrone) التي تستخدم مزيجًا من الرادارات والمستشعرات الصوتية والبصرية، مرورًا بأنظمة التشويش الإلكتروني والتوجيه الخاطئ (soft-kill)، وصولاً إلى أنظمة الاعتراض المباشر (hard-kill) مثل صواريخ Iron Dome و David’s Sling، وأخيرًا منظومة الليزر عالية الطاقة Iron Beam التي دخلت الخدمة مؤخرًا بتكلفة منخفضة لكل اعتراض (15) وقد أثبتت هذه المنظومة فعاليتها في التصدي للهجمات الإيرانية وحزب الله اللبناني، حيث تم اعتراض مئات المسيرات خلال الأسابيع الأولى من الحرب، لكن التحدي الأكبر يبقى في تحقيق التوازن بين كفاءة الاعتراض والتكلفة الاقتصادية المستدامة، خاصة مع استخدام الخصم لمسيرات رخيصة الثمن (بين 20 و50 ألف دولار) مقابل صواريخ اعتراض قد تصل تكلفتها إلى مليون دولار (14)

هذه التطورات المتسارعة والمتشابكة خلقت واقعًا جديدًا في شرق المتوسط، حيث لم تعد معادلات الردع التقليدية القائمة على التفوق العسكري المطلق قادرة على تفسير ديناميكيات الصراع. فمع ظهور تكنولوجيا المسيرات الشبحية، أصبح من الممكن لدول ذات إمكانيات عسكرية محدودة نسبيًا تنفيذ عمليات استباقية وضربات دقيقة في عمق أراضي خصومها، مما أعاد تعريف مفاهيم السيادة الجوية والشفافية الاستراتيجية وقواعد الاشتباك. (2) كما أن هذه التكنولوجيا، بقدرتها على خلق حالة من غموض الإسناد وعدم اليقين، جعلت من الصعب على الدول تحديد مصدر التهديد بدقة وبالتالي تصميم ردع مناسب له. (8)

المشكلة البحثية:

على الرغم من تزايد انتشار المسيرات الشبحية في شرق المتوسط بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتصاعد استخدامها في الصراعات غير المباشرة بين القوى الإقليمية الفاعلة في ليبيا وسوريا والمنطقة الاقتصادية الخالصة، فإن المعرفة العلمية حول تأثير هذه التكنولوجيا الناشئة على توازن الردع الإقليمي تظل مجزأة وغير مكتملة. فالدراسات الأكاديمية السابقة إما ركزت على الجوانب التقنية والهندسية للدفاع ضد المسيرات، أو تناولت دور المسيرات كأداة تكتيكية في سياقات صراع محددة، أو حللت ديناميكيات الصراع الإقليمي في شرق المتوسط بمعزل عن التأثير التحولي لهذه التكنولوجيا، أو ركزت على الأبعاد السياسية والدبلوماسية لاستخدام المسيرات من قبل دول مثل تركيا، أو تناولت الجوانب القانونية والأخلاقية لاستخدام المسيرات المسلحة بشكل عام دون الخوض في خصوصية المنطقة.

هذه المعالجات الجزئية للموضوع أدت إلى وجود فجوة بحثية واضحة تتمثل في غياب دراسة منهجية شاملة تضع تأثير المسيرات الشبحية على توازن الردع في قلب تحليلها، وتتجاوز المقاربات الوصفية إلى تحليل سببي معمق. كما أن غياب تأطير نظري يجمع بين متغير التكنولوجيا الشبحية ومفاهيم الردع التقليدية (نظرية الردع) ونظرية توازن التهديدات في سياق إقليمي محدد يحول دون فهم الآليات الدقيقة التي تُحدث من خلالها هذه المسيرات تحولًا في سلوك الدول الفاعلة وموازين القوى الإقليمية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأدبيات الأكاديمية الحالية لم تعطِ الاهتمام الكافي للعلاقة الجدلية بين تكنولوجيا المسيرات الشبحية وإعادة تشكيل مفاهيم أساسية مثل “الشفافية الاستراتيجية وقواعد الاشتباك” و”السيادة الجوية في منطقة تشهد أزمة ثقة متزايدة بين أطرافها الرئيسية. كما أن التأثير المتبادل بين هذه التكنولوجيا والتدخلات الخارجية للقوى الكبرى (كروسيا والولايات المتحدة وفرنسا) في المنطقة لم يحظَ بالتحليل الكافي الذي يوضح كيف تساهم هذه التدخلات في تعقيد معادلة الردع الإقليمي أو تبسيطها.

بناءً على ذلك، تتشكل المشكلة البحثية الأساسية لهذه الدراسة في السؤال التالي: كيف تؤثر تكنولوجيا المسيرات الشبحية على توازن الردع الإقليمي في شرق المتوسط، وما هي الآليات التي تعيد من خلالها تشكيل مفاهيم الردع التقليدية والشفافية الاستراتيجية وقواعد الاشتباك بين الدول الفاعلة؟

وتتفرع عن هذا السؤال الرئيس الأسئلة الفرعية التالية:

  1. كيف تغير المسيرات الشبحية من حسابات المخاطر والفعالية النسبية للقوى الإقليمية في شرق المتوسط؟
  2. ما هو تأثير غموض الإسناد الناتج عن استخدام هذه المسيرات على استقرار الردع الإقليمي؟
  3. كيف تتفاعل تكنولوجيا المسيرات الشبحية مع التدخلات الخارجية للقوى الكبرى لتشكيل توازن الردع في المنطقة؟
  4. ما هي السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتطور توازن الردع في ضوء انتشار هذه التكنولوجيا؟

أهمية الدراسة

تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول تقاطعًا استراتيجيًا نادرًا بين ثلاث تحولات كبرى تشهدها منطقة شرق المتوسط: التحول في بنية الردع الإقليمي، وانتشار تكنولوجيا المسيرات الشبحية، وإعادة تشكيل موازين القوى بين الفاعلين الدوليين والإقليميين, وتتوزع هذه الأهمية على المستويات النظرية والتطبيقية والأكاديمية على النحو التالي:

أولاً: على المستوى النظري

تسهم الدراسة في سد فجوة معرفية في الأدبيات الأكاديمية، حيث تقدم إطاراً تحليلياً يجمع بين نظرية الردع التقليدية ونظرية توازن التهديدات من جهة، وبين متغير التكنولوجيا الشبحية الناشئة من جهة أخرى. ففي الوقت الذي ركزت فيه الدراسات السابقة على تأثير المسيرات كأداة تكتيكية أو كظاهرة في السياسة الخارجية للدول، حيث تذهب هذه الدراسة إلى تحليل دورها التحولي في إعادة تعريف مفاهيم الردع ذاتها. كما تساهم الدراسة في تطوير الأدبيات المتعلقة بمفهوم غموض الردع الذي يكتسب أبعادًا جديدة في ظل قدرة المسيرات الشبحية على خلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي حول مصادر التهديد ونوايا الفاعلين.

ثانيًا: على المستوى التطبيقي

تأتي أهمية الدراسة التطبيقية من كونها تتناول منطقة تعد من أكثر المناطق توتراً في النظام الدولي المعاصر، حيث تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا) مع طموحات قوى إقليمية (تركيا، إسرائيل، مصر، اليونان) في مشهد جيوسياسي شديد التعقيد. وتقدم الدراسة تحليلاً لكيفية تأثير المسيرات الشبحية على حسابات المخاطر لدى هذه الفاعلين، مما يساعد صانعي القرار في الدول المعنية على فهم التهديدات والفرص المرتبطة بهذه التكنولوجيا.

ثالثًا: على المستوى الإنساني والقانوني

تتطرق الدراسة إلى البعد الإنساني والقانوني لاستخدام المسيرات الشبحية، من خلال تحليل العلاقة بين تحقيق التفوق الجوي والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة مبدأ الاحتياط في الهجوم. حيث يضيف هذا البعد طبقة جديدة من الأهمية للدراسة، حيث تسلط الضوء على المسؤولية المتزايدة للدول التي تمتلك هذه القدرات التكنولوجية المتقدمة في حماية المدنيين والأعيان المدنية، وهو ما يفتح باباً للنقاش حول ضرورة وضع أطر تنظيمية للاستخدام العسكري لهذه التكنولوجيا.

أهداف الدراسة

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والتطبيقية المترابطة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

تسعى الدراسة إلى تقديم تحليل منهجي لكيفية تغيير المسيرات الشبحية لمفهوم التفوق الجوي التقليدي، من خلال دراسة العلاقة بين مستويات السيطرة على المجال الجوي (التكافؤ، التفوق، السيادة) وفعالية الردع العسكري في سياق شرق المتوسط. وتركز الدراسة على فهم الآليات التي تمكن هذه المسيرات من تآكل مناطق الحظر الجوي التقليدية، وخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي تجعل من الصعب على الدول تصميم ردع مناسب للتهديدات الموجهة إليها.

تهدف الدراسة إلى تحليل مفهوم غموض الإسناد الذي تخلقه المسيرات الشبحية، وتحليل كيفية تأثيره على عمليات اتخاذ القرار لدى الدول الفاعلة. ففي ظل صعوبة تحديد مصدر الضربات الجوية بدقة، تصبح آليات الردع التقليدية القائمة على التصعيد التدريجي والمحاسبة الواضحة أكثر تعقيدًا، مما يزيد من احتمالية سوء التقدير والتصعيد غير المحسوب. تسعى الدراسة إلى تقديم إطار لفهم هذه الديناميكية المعقدة.

تركز الدراسة على تحليل كيفية تفاعل تكنولوجيا المسيرات الشبحية مع التدخلات العسكرية والدبلوماسية للقوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، فرنسا) في شرق المتوسط. وتهدف إلى دراسة ما إذا كانت هذه التدخلات تساهم في تعقيد معادلة الردع الإقليمي أو تبسيطها، وكيف يمكن للدول الإقليمية الاستفادة من هذه التفاعلات لتعزيز موقعها الاستراتيجي.

حدود الدراسة

أولاً: الإطار المكاني

تتحدد الحدود المكانية لهذه الدراسة في منطقة شرق المتوسط، وهي المنطقة الجغرافية التي تشمل الدول المطلة على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وعلى رأسها: تركيا، اليونان، قبرص، مصر، إسرائيل، لبنان، سوريا، وفلسطين. كما تشمل الدراسة الامتدادات الجيوسياسية لهذه المنطقة من خلال تحليل تدخلات القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، فرنسا، إيطاليا) في النزاعات الإقليمية القائمة، خاصة في ليبيا وسوريا ولبنان. وقد تم اختيار هذا النطاق المكاني لأنه يشهد أعلى درجات التنافس على حقوق التنقيب عن الغاز الطبيعي، وأكثر مناطق شرق المتوسط تأثرًا بانتشار تكنولوجيا المسيرات الشبحية وتأثيرها على معادلات الردع الإقليمي.

ثانياً: الإطار الزماني

يمتد الإطار الزماني للدراسة من عام 2015 حتى عام 2026، وهي فترة شهدت تحولات جذرية في بنية الأمن الإقليمي لشرق المتوسط. وقد تم اختيار عام 2015 نقطة بداية لعدة أسباب: أولاً، لأنه شهد اكتشاف حقل ظهر العملاق للغاز الطبيعي في مصر، والذي غير معادلات الطاقة في المنطقة بشكل جذري. ثانياً، لأنه شهد التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، مما أعاد تشكيل موازين القوى في شرق المتوسط وأضاف بعداً جديدًا للتنافس الدولي. ثالثاً، لأنه تزامن مع بداية مرحلة النضج العملياتي للمسيرات التركية المسلحة (Bayraktar TB2) التي دخلت الخدمة فعليًا عام 2016، وصولاً إلى ظهور المسيرات الشبحية التركية ANKA-3 و KIZILELMA في السنوات الأخيرة.

أما عام 2026 فهو يمثل الحد الزمني الحالي للدراسة، حيث تشهد المنطقة تصعيدًا غير مسبوق في استخدام المسيرات الشبحية في الصراعات الإقليمية خاصة الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، إلى جانب تطورات دراماتيكية في سباق التسلح الإقليمي مثل إعلان اليونان عن مشروع “أخيل شيلد لتطوير منظومة دفاع جوي متكاملة بالتعاون مع إسرائيل. وقد تم اختيار هذه الفترة لالتقاط التحولات الراهنة في المنطقة وتحليلها في سياقها الزمني المتكامل.

ثالثاً: الإطار الموضوعي

يتحدد الإطار الموضوعي للدراسة في ثلاثة محاور رئيسية مترابطة:

  1. المحور الأول: تكنولوجيا المسيرات الشبحية: حيث تركز الدراسة على تحليل خصائص هذه التكنولوجيا الناشئة، وقدراتها على التخفي من الرادارات، والمدى الطويل، والدقة العالية في الاستهداف، وكيف تختلف عن المسيرات التقليدية في تأثيرها على أنظمة الدفاع الجوي.
  2. المحور الثاني: توازن الردع الإقليمي: حيث تدرس الدراسة كيفية إعادة تشكيل مفاهيم الردع التقليدية في ضوء انتشار المسيرات الشبحية، مع التركيز على تأثير “غموض الإسناد في تعقيد آليات الردع القائمة على التصعيد التدريجي والمحاسبة الواضحة. كما تتناول الدراسة مستويات السيطرة الجوية المختلفة (التكافؤ، التفوق، السيادة) وعلاقتها بفعالية الردع العسكري.
  3. المحور الثالث: شرق المتوسط كمسرح للتنافس الإقليمي والدولي: حيث تحلل الدراسة تفاعل التكنولوجيا العسكرية الناشئة مع الصراعات الإقليمية القائمة (النزاع القبرصي، الخلافات البحرية بين تركيا واليونان، الحرب الأهلية الليبية، الصراع في سوريا) والتدخلات الخارجية للقوى الكبرى.

منهج الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على المنهج الاستقرائي كمنهج رئيسي، مع الاستعانة بعدة مناهج مساندة لتحقيق أهدافها والإجابة عن أسئلتها البحثية.

أولاً: المنهج الاستقرائي

يستخدم هذا المنهج للانتقال من دراسة الحالات الجزئية إلى صياغة استنتاجات عامة حول تأثير المسيرات الشبحية على توازن الردع الإقليمي.

وقد تم الاعتماد على هذا المنهج من خلال تحليل أربع حالات رئيسية تشكل محاور الدراسة، ثم استقراء الأنماط المشتركة فيها:

  • الحالة الأولى: الحرب في ليبيا (2019-2020): حيث تم تحليل كيفية تغيير المسيرات المسلحة لموازين القوى، واستقراء تأثير “غموض الإسناد” على آليات الردع التقليدية.
  • الحالة الثانية: الصراع في سوريا: حيث تم تحليل استخدام إسرائيل للمسيرات الشبحية كأداة للردع الاستباقي، واستقراء تأثير التفوق الجوي على فعالية الردع.
  • الحالة الثالثة: النزاع البحري في شرق المتوسط: حيث تم تحليل استخدام المسيرات الشبحية في عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات، واستقراء تأثيرها على “معضلة الردع الهجين”
  • الحالة الرابعة: سباق التسلح الإقليمي، مشروع أخيل شيلد: حيث تم تحليل الاستراتيجيات الدفاعية الجديدة التي تتبناها الدول في مواجهة تهديد المسيرات الشبحية، واستقراء أنماط التحالفات التكنولوجية الناشئة.
  • الحالة الخمسة: الحالة اللبنانية: تمثل لبنان نموذجاً فريداً حيث يتحول فاعل غير حكومي (حزب الله) إلى عنصر مؤثر في معادلة الردع الإقليمي باستخدام المسيرات الانتحارية والهجومية، مستهدفاً القواعد العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية في العمق. في المقابل، تحتفظ إسرائيل بتفوقها الجوي التقليدي من خلال شن غارات جوية دقيقة ومكثفة تستهدف قيادات حزب الله والبنية التحتية للمسيرات في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع وجنوب لبنان. مما كشف عن تحول في طبيعة الردع، حيث أثبتت المسيرات الرخيصة قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع الجوي المتطورة وخلق حالة من الردع بالاستنزاف اليومي رغم التفوق الجوي الإسرائيلي.

ثانياً: منهج دراسة الحالة

يُستخدم هذا المنهج كأداة رئيسية ضمن المنهج الاستقرائي، حيث يتم من خلاله جمع البيانات والمعلومات عن الحالات الأربع المختارة بشكل منهجي ودقيق. وقد تم اختيار هذه الحالات لعدة معايير: أولاً، لأنها تمثل أبرز الساحات التي شهدت استخدامًا مكثفًا للمسيرات الشبحية في شرق المتوسط. ثانيًا، لأنها تغطي أنماطًا مختلفة من الصراع (حرب أهلية، صراع بالوكالة، نزاع بحري، سباق تسلح). ثالثًا، لأنها تتيح إمكانية المقارنة والاستقراء للوصول إلى استنتاجات عامة.

ثالثاً: المنهج المقارن

يستخدم المنهج المقارن كأداة مساندة ضمن الإطار الاستقرائي، حيث يتم من خلاله مقارنة الحالات المدروسة للكشف عن الأنماط المتكررة والاختلافات الجوهرية ويشمل ذلك:

  • المقارنة بين مستويات السيطرة الجوية المختلفة (التكافؤ، التفوق، السيادة) وتأثيرها على فعالية الردع.
  • المقارنة بين استراتيجيات الدول المختلفة في مواجهة تهديد المسيرات الشبحية، مثل المقارنة بين النهج التركي في ليبيا والنهج الإسرائيلي في سوريا. ونهج حزب الله في لبنان ضد إسرائيل.
  • المقارنة بين طبيعة الصراع في بيئات متباينة السيطرة الجوية، مثل الحرب الروسية الأوكرانية (حالة التكافؤ الجوي) والعمليات الإسرائيلية في سوريا ولبنان (حالة التفوق الجوي النسبي)

الإطار النظري للدراسة

أولاً: نظرية الردع

تعد نظرية الردع من النظريات الكلاسيكية في الدراسات الاستراتيجية، وتركز على قدرة الدولة على منع الخصم من القيام بفعل معين من خلال التهديد بعقوبة رادعة أو منعه من تحقيق أهدافه. إلا أن ظهور تكنولوجيا المسيرات الشبحية والأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد فرض تحديات جديدة على هذه النظرية التقليدية، حيث تخلق هذه الأنظمة حالة من “الغموض الاستراتيجي يصعب معها على الدول تحديد مصدر التهديد بدقة، وبالتالي تصميم ردع مناسب له. (16) ففي البيئة العملياتية الجديدة، تتشابك مستويات السيطرة على المجال الجوي مع قدرات التخفي والاختراق التي توفرها المسيرات الشبحية، مما يخلق معضلة أمنية جديدة تتطلب إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للردع والتصعيد. (13)

في سياق شرق المتوسط، تبرز هذه المعضلة بشكل حاد، حيث تمتلك دول إقليمية متعددة قدرات متطورة في مجال المسيرات المسلحة، في ظل غياب آليات واضحة للتحقق من مصدر الضربات الجوية أو نوايا الفاعلين. هذا الوضع يُضعف قدرة الدول على تنفيذ ردع فعال قائم على التهديد بعقوبة مؤكدة، ويزيد من الاعتماد على الردع القائم على منع الخصم من تحقيق أهدافه من خلال تعزيز أنظمة الدفاع الجوي وتطوير قدرات الحرب الإلكترونية المضادة للمسيرات. (2)

ثانياً: نظرية توازن التهديدات

طور ستيفن والت نظرية توازن التهديدات كتطوير لنظرية توازن القوى التقليدية، حيث يرى أن الدول لا تتوازن بالضرورة تجاه القوة المطلقة للخصم، بل تجاه التهديدات التي تشعر بها، والتي تتحدد وفقًا لعوامل متعددة أبرزها: القوة الإجمالية، والقرب الجغرافي، والقدرة الهجومية، والنوايا العدوان.

في إطار التحولات الراهنة في شرق المتوسط، تتجلى أهمية هذه النظرية في تفسير تشكل تحالفات إقليمية جديدة استجابةً لانتشار تكنولوجيا المسيرات الشبحية. فالدول التي لا تمتلك هذه القدرات التكنولوجية المتقدمة، أو التي تشعر بأن جيرانها قد حصلوا على قدرات غير متماثلة، تسعى إلى تكوين تحالفات دفاعية لموازنة التهديد المتصاعد. هذا ما نلاحظه في التحالف المتنامي بين اليونان وإسرائيل وفرنسا، وفي مشروع “أخيل شيلد الذي تعمل أثينا على تطويره بالتعاون مع تل أبيب لبناء منظومة دفاع جوي متكاملة قادرة على مواجهة المسيرات الشبحية والطائرات المسيرة الهجومية. (18) كما يتجلى في تعزيز التعاون العسكري بين مصر واليونان وفرنسا في السنوات الأخيرة، كاستجابة استراتيجية للتصعيد التركي في المنطقة. (5)

ثالثاً: نظرية الردع غير المتماثل

تتطور مفاهيم الردع في البيئات غير المتماثلة لتتناسب مع طبيعة الصراعات الحديثة التي تتميز بفجوة واسعة بين قدرات الأطراف المتصارعة. ففي هذه البيئات، تمتلك الأطراف الأضعف قدرة على استخدام تكنولوجيا غير تقليدية لتعويض فجوة القوة مع الأطراف الأقوى، مما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي ويعيد تشكيل حسابات المخاطر لدى جميع الأطراف. (6)

يمثل الاستخدام التركي للمسيرات المسلحة نموذجًا بارزًا لهذا النمط من الردع غير المتماثل. ففي ليبيا (2019-2020)، تمكنت تركيا من تغيير مسار الحرب لصالح حكومة الوفاق الوطني من خلال نشر مسيرات Bayraktar TB2، رغم تفوق قوات حفتر في المعدات التقليدية والدعم الإماراتي والروسي الواسع. (7) ولم يكن هذا النجاح مجرد إنجاز تكتيكي عابر، بل أسس لنموذج جديد في استخدام التكنولوجيا العسكرية الناشئة كأداة للردع الإقليمي، حيث بات بمقدور دول ذات إمكانيات متوسطة تحقيق تأثير استراتيجي غير مسبوق بتكاليف محدودة نسبيًا.

في شرق المتوسط، يتجلى هذا الدور التحولي للمسيرات في قدرتها على إعادة تعريف مفهوم التفوق الجوي التقليدي. ففي الماضي، كان التفوق الجوي مرادفًا لامتلاك أسراب كبيرة من الطائرات المقاتلة المتطورة وقدرات الدفاع الجوي المتكاملة. اليوم، مع ظهور المسيرات الشبحية والمسيرة الهجومية المتطورة (UCAVs)، أصبح بمقدور الدول تحقيق مستويات متقدمة من السيطرة على المجال الجوي بتكاليف أقل ومخاطر محدودة على الأرواح، مما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي ويعيد رسم خريطة القوى الإقليمية. (8)

محاور رئيسة

تقسيم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسية

تم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسية، يندرج تحتها عدد من العناصر على النحو التالي:

المحور الأول: الإطار النظري للردع في عصر المسيرات الشبحية

يتناول هذا المحور البناء النظري للدراسة، من خلال تحليل مفاهيم الردع التقليدية وإعادة تعريفها في ضوء التطورات التكنولوجية المرتبطة بالمسيرات الشبحية والذكاء الاصطناعي، تمهيدًا لتطبيقها على سياق شرق المتوسط.

العناصر:

  1. مفاهيم الردع بين الكلاسيكي والمعاصر
  2. نظرية توازن التهديدات في البيئات غير المتماثلة
  3. مستويات السيطرة الجوية والالتزامات القانونية المرتبطة بها

المحور الثاني: ديناميكيات انتشار المسيرات الشبحية وإعادة تشكيل الصراع الإقليمي

يتناول هذا المحور التحليل الواقعي لكيفية تأثير المسيرات الشبحية على مسار الصراعات الإقليمية القائمة في شرق المتوسط، من خلال دراسة حالات محددة، مع التركيز على سباق التسلح الإقليمي والتحالفات التكنولوجية الناشئة.

العناصر:

  1. سباق التسلح بالمسيرات والتحالفات التكنولوجية في شرق المتوسط
  2. ليبيا وسوريا ولنان كمختبرات لحرب المسيرات
  3. سلاسل التوريد الدولية ودور القوى الكبرى

المحور الثالث: إعادة تشكيل توازن الردع الإقليمي والسيناريوهات المستقبلية

يتناول هذا المحور الآليات التي تعيد من خلالها المسيرات الشبحية تشكيل توازن الردع في شرق المتوسط، مع تحليل السيناريوهات المستقبلية المحتملة وتقديم التوصيات العملية.

العناصر:

  1. تحولات مفهوم الردع في شرق المتوسط
  2. دور القوى الكبرى في تشكيل توازن الردع
  3. السيناريوهات المستقبلية والتوصيات

المحور الأول: الإطار النظري للردع في عصر المسيرات الشبحية

مع تسارع التحولات التكنولوجية في مجال التسليح، وانتقال المسيرات من كونها أداة تكتيكية ثانوية إلى عنصر استراتيجي مؤثر في موازين القوى، باتت الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في النظريات الكلاسيكية للردع التي صيغت في سياقات زمنية وجيوسياسية مختلفة تمامًا. (16) ففي العقود الأخيرة، تطورت مفاهيم الردع التقليدية التي كانت قائمة على التفوق الجوي والبحري المطلق، لتواجه تحديًا جديدًا يتمثل في قدرة المسيرات الشبحية على اختراق أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وتنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، وخلق حالة من “الغموض الاستراتيجي” تجعل من الصعب على الدول تحديد مصدر التهديد بدقة. (13)

تعتمد هذه الدراسة في بنائها النظري على ثلاث ركائز مترابطة تشكل معًا إطاراً تحليلياً. أولاً: نظرية الردع بفرعيها الكلاسيكي والمعاصر، حيث يتم تحليل مفاهيم الردع التقليدية وإعادة تعريفها في ضوء المتغيرات التكنولوجية الجديدة. ثانياً: نظرية توازن التهديدات التي طورها ستيفن والت، والتي تقدم إطارًا لفهم كيفية إعادة تشكيل خرائط التهديدات الإقليمية في ظل انتشار المسيرات الشبحية. ثالثاً: نظرية الردع في البيئات غير المتماثلة، التي تفسر كيف يمكن للدول ذات الإمكانيات العسكرية المحدودة استخدام تكنولوجيا غير تقليدية لتعويض فجوة القوة مع الأطراف الأقوى.

العنصر الأول: مفاهيم الردع بين الكلاسيكي والمعاصر

أولاً: الردع بالعقاب والردع بالحرمان في الأدبيات الكلاسيكية

تعد نظرية الردع من النظريات الكلاسيكية في الدراسات الاستراتيجية، وتركز على قدرة الدولة على منع الخصم من القيام بفعل معين من خلال التهديد بعقوبة رادعة أو منعه من تحقيق أهدافه. تعود جذور هذه النظرية إلى حقبة الحرب الباردة، حيث طورها مفكرون استراتيجيون مثل توماس شيلينغ وبرنارد برودي في سياق الردع النووي بين القطبين الأمريكي والسوفيتي. تقسم النظرية الردع إلى نوعين رئيسيين: الردع بالعقاب الذي يعتمد على توجيه تهديد بتكلفة باهظة للخصم إذا قام بفعل معين، بحيث تفوق هذه التكلفة أي مكسب محتمل؛ والردع بالحرمان الذي يعتمد على منع الخصم من تحقيق أهدافه من خلال إفشال قدرته على استخدام أسلحته بفعالية.(16) ففي سياق الصراعات التقليدية، كان الردع بالعقاب يعتمد بشكل كبير على شفافية النوايا والقدرات، حيث تستطيع الدول رصد تحركات الخصم بوضوح وتصميم ردعها وفقًا لذلك، في حين كان الردع بالحرمان يتطلب تفوقًا تكنولوجيًا ملموسًا في أنظمة الدفاع والتصدي.

غير أن ظهور تكنولوجيا المسيرات الشبحية قلب هذه المعادلة بشكل جذري، حيث أضفى حالة من عدم اليقين على عمليات الرصد والتحقق، وجعل من الصعب على الدول تحديد ما إذا كان التهديد قادمًا بالفعل أم أنها تواجه عملية تضليل أو خداع استراتيجي. فالمسيرات الشبحية، بقدرتها على التخفي من الرادارات والإبحار على ارتفاعات منخفضة، يمكنها عبور الحدود الوطنية دون أن يتم اكتشافها، مما يخلق حالة من الترقب الدائم والقلق الاستراتيجي لدى الدول المستهدفة المحتملة. هذا الوضع يضعف بشكل كبير فعالية الردع بالعقاب، لأن الدولة المهاجمة لا يمكنها التأكد من نجاح ردعها، كما يضعف الردع بالحرمان لأن قدرة المسيرات على التخفي تجعل اعتراضها قبل الوصول إلى الهدف أمرًا بالغ الصعوبة. (13)

ثانياً: الانتقال إلى مفهوم “الغموض الاستراتيجي” ومفارقة الردع

في البيئة العملياتية الجديدة التي تفرضها المسيرات الشبحية، تتشابك مستويات السيطرة على المجال الجوي مع قدرات التخفي والاختراق، مما يخلق حالة من “الغموض الاستراتيجي يصعب معها على الدول تحديد مصدر التهديد بدقة، وبالتالي تصميم ردع مناسب له. يطلق بوراتوف (16) على هذه الإشكالية مصطلح “مفارقة الردع، حيث إن صعوبة الإسناد في الهجمات بالمسيرات تجعل من الصعوبة بمكان توجيه عقوبة رادعة مؤكدة للخصم، وفي الوقت نفسه تضعف قدرة الدول على تنفيذ ردع فعال قائم على التهديد بعقوبة محددة ومعلومة المصدر. (16)

هذه المفارقة تتعمق أكثر في ظل قدرة المسيرات الشبحية على تنفيذ عمليات عبر الحدود دون ترك بصمة واضحة، مما يخلق “مناطق رمادية” يصعب فيها التمييز بين العمليات الاستخباراتية الروتينية والضربات الاستباقية، وبين أعمال الاستطلاع والاستعداد للهجوم. فعندما لا تستطيع أنظمة الإنذار المبكر تمييز ما إذا كان الجسم الذي تم رصده مسيرة استطلاع أو مسيرة هجومية، تصبح عملية اتخاذ القرار بشأن الرد محفوفة بالمخاطر، وقد تدفع الدول إلى تبني سياسات ردع أكثر عدوانية، مثل القيام بضربات استباقية ضد منصات إطلاق محتملة غير مؤكدة، مما يزيد احتمالية التصعيد غير المقصود. (8) ويذكرنا هذا الوضع بمعضلة “الضربة الأولى” في عصر الصواريخ الباليستية، لكن مع تعقيد إضافي يتمثل في صعوبة الإسناد وغياب اليقين حول هوية المهاجم. (8)

ثالثاً: تأثير الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية التشغيل على حسابات الردع التقليدية

يمثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية التشغيل نقلة نوعية في حسابات الردع التقليدية، حيث تعمل هذه التقنيات على تسريع دورات اتخاذ القرار (OODA Loop) بشكل غير مسبوق، وتقلص فترة “الوقت المستهدف التي يحتاجها المدافع للتصدي للتهديد. ففي الماضي، كانت عمليات الاستهداف تتطلب سلسلة طويلة من التحقق والموافقة، مما كان يمنح المدافع فرصة للرد أو التصدي. أما اليوم، ومع دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة المسيرات، يمكن لهذه الأنظمة أن تقرر بشكل ذاتي الهدف المناسب وتوقيت الضربة المناسب، مما يقلص فترة الاستجابة إلى دقائق أو حتى ثوانٍ. (16)

يخلق دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة المسيرات تحديًا جديدًا للردع التقليدي، حيث تصبح القدرة على التنبؤ بسلوك الخصم وتوقع تحركاته أكثر صعوبة في ظل وجود أنظمة قادرة على التعلم والتكيف الذاتي. (16) فالنماذج التقليدية للردع كانت تفترض أن الخصم يتصرف بعقلانية ووفقاً لحسابات منطقية للتكلفة والفائدة، لكن الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد تتخذ قرارات لا يمكن توقعها أو فهمها بالكامل من قبل البشر، مما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي غير المسبوقة. (2) كما أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذاتية التشغيل يثير تساؤلات جوهرية حول المسؤولية القانونية والأخلاقية في حالة حدوث أخطاء أو انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين ومبدأ التناسب. فمن المسؤول عندما تقوم مسيرة شبحية ذاتية التشغيل بقصف هدف مدني عن طريق الخطأ؟ هل هو المبرمج؟ القائد العسكري؟ أم الدولة التي أطلقت المسيرة؟ هذه الأسئلة لم تحسم بعد في القانون الدولي، وتشكل تحديًا إضافيًا لاستقرار الردع الإقليمي. (2)

العنصر الثاني: نظرية توازن التهديدات في البيئات غير المتماثلة

أولاً: تطبيقات نظرية توازن التهديدات على منطقة شرق المتوسط

طور ستيفن والت نظرية توازن التهديدات في كتابه الشهير “أصول التحالفات” الصادر عام 1987، كتطوير نقدي لنظرية توازن القوى التقليدية التي كانت سائدة في أدبيات العلاقات الدولي. (17) فبينما تركز نظرية توازن القوى الكلاسيكية على قدرات الدول المادية المجردة (مثل حجم الجيش والناتج المحلي)، يرى والت أن الدول لا تتوازن بالضرورة تجاه القوة المطلقة للخصم، بل تجاه التهديدات التي تشعر بها، وهو ما يمثل تحولًا نوعيًا في فهم ديناميكيات التحالفات والصراعات الدولية. (17) وقد سبق لوالت أن طرح هذه النظرية في مقالته المحورية “تشكل التحالفات وتوازن القوى العالمي”المنشورة في مجلة الأمن الدولي عام 1985، قبل أن يوسعها ويبلورها في كتابه المشار إليه. (17)

تتحدد التهديدات التي تشعر بها الدولة وفقًا لنظرية والت بأربعة عوامل رئيسية مترابطة، تتشكل معًا لتشكل “معادلة التهديد” التي تستخدمها الدول في تقييم نوايا وقدرات الخصوم المحتملين. (17)

 أولاً: القوة الإجمالية للخصم، وتشمل حجم السكان، وقوة الاقتصاد، والقدرات العسكرية التقليدية والنووية، والقدرة على تعبئة الموارد في أوقات الأزمات. فكلما زادت القوة الإجمالية للدولة، زادت قدرتها على تشكيل تهديد للآخرين، لكن والت يؤكد أن القوة وحدها ليست كافية لتحديد مستوى التهديد. (17) ثانياً: القرب الجغرافي، حيث تمثل الدول المجاورة تهديدًا أكبر من الدول البعيدة، لأن قدرتها على إسقاط القوة تكون أسرع وأكثر فعالية، ولأن النزاعات الحدودية والتاريخية تزيد من احتمالات الاحتكاك. وهذا ما يفسر، وفقًا لوالت، سبب قلق دول الخليج من إيران أكثر من قلقها من الولايات المتحدة رغم التفوق العسكري الأمريكي الهائل. (17) ثالثاً: القدرة الهجومية، فالدول التي تمتلك أسلحة وقدرات عسكرية هجومية (مثل القوات الجوية الاستراتيجية، والصواريخ بعيدة المدى، والقوات المحمولة جواً) تشكل تهديدًا أكبر من تلك التي تركز قدراتها على الدفاع عن أراضيها فقط. والت يميز هنا بين “القدرة” و”النوايا”، فامتلاك القدرة الهجومية لا يعني بالضرورة وجود نوايا هجومية، لكنه يزيد من خطورة الدولة في عيون جيرانها. (17) رابعاً: النوايا العدوانية، وهو العامل الأكثر أهمية في النظرية، حيث أن الدول التي تعلن بوضوح عن نواياها التوسعية أو التي لديها سجل تاريخي من العدوان تشكل تهديدًا أكبر، حتى لو كانت قدراتها الإجمالية محدودة. فالنوايا العدوانية، كما يوضح والت، تحول “القوة الكامنة” إلى “قوة فعالة” في معادلة التهديد. (17)

يمكن القول، انه في سياق شرق المتوسط الراهن، تتجلى أهمية نظرية توازن التهديدات في تفسير تشكل تحالفات إقليمية جديدة استجابةً لانتشار تكنولوجيا المسيرات الشبحية. فاليونان، على سبيل المثال، ترى في قدرات تركيا المتطورة في مجال المسيرات المسلحة (خاصة Bayraktar TB2 وAkıncı) مزيجًا خطرًا من ثلاثة عوامل: القدرة الهجومية المتزايدة (فهذه المسيرات قادرة على اختراق الدفاعات الجوية وتنفيذ ضربات دقيقة في العمق)، والقرب الجغرافي الشديد (فالمسافات في بحر إيجة صغيرة جدًا)، والنوايا العدوانية المتصورة كما تعكسها التصريحات التركية حول “الوطن الأزرق”   Mavi Vatan والمواقف المتكررة في البحر المتوسط). حيث دفع الإدراك المتزايد للتهديد أثينا إلى البحث عن تحالفات جديدة لموازنة هذا الخطر، وأبرزها التحالف المتنامي مع إسرائيل (التي تمتلك تكنولوجيا دفاع جوي متقدمة) وفرنسا (القوة العسكرية الأوروبية الكبرى في المنطقة)، بالإضافة إلى تعزيز التعاون مع مصر والإمارات (16; 9; 18) مما يتسق مع رؤية والت الأساسية: تتوازن الدول ضد التهديدات، وليس فقط ضد القوة المطلقة، وهذا ما يفسر بشكل أفضل ديناميكيات التحالفات المعقدة في شرق المتوسط اليوم.

ثانياً: إعادة تشكيل المسيرات الشبحية لخرائط التهديدات الإقليمية

تمثل المسيرات الشبحية عنصرًا معززًا ومضخمًا لكل من عوامل التهديد الأربعة التي حددتها نظرية توازن التهديدات، حيث تعمل هذه التكنولوجيا الناشئة على إعادة تعريف المفاهيم التقليدية للقوة والتهديد في العلاقات الدولية. ففيما يتعلق بعامل القدرة الهجومية، تزيد المسيرات الشبحية من هذه القدرة بشكل غير مسبوق، فهي قادرة على حمل حمولات هجومية دقيقة (صواريخ موجهة، وقنابل ذكية، وحتى طائرات انتحارية) وتنفيذ ضربات جراحية في عمق أراضي الخصم دون الحاجة إلى نشر قوات تقليدية أو تعريض حياة الطيارين للخطر. هذا النوع من القدرة الهجومية يختلف جوهريًا عن القدرات التقليدية (كالقصف الجوي بالطائرات المأهولة أو الصواريخ الباليستية) من حيث التكلفة المنخفضة نسبيًا، وسهولة التكرار، وصعوبة الاعتراض، مما يجعل التهديد أكثر حضورًا واستمرارية في الوعي الاستراتيجي للدول المستهدفة. (8)

أما بالنسبة لعامل القرب الجغرافي فإن المسيرات الشبحية تتجاوز هذا المحدد التقليدي بشكل لافت، حيث تسمح للدول بضرب أهداف على مسافات بعيدة تتجاوز الحدود البرية والبحرية، مع الاحتفاظ بقدرة عالية على التخفي والاختراق. فالمسيرات الحديثة، مثل التركية Akıncı والصينية CH-7، تمتلك مدى تشغيلي يصل إلى آلاف الكيلومترات، مما يعني أن الخطر لم يعد يأتي فقط من الجيران المباشرين، بل من دول قد تفصلها مئات الأميال البحرية. ويعيد هذا التوسع في “الفضاء الجغرافي للتهديد” تعريف مفهوم العمق الاستراتيجي للدول، ويجعل من الصعب تحديد مناطق آمنة أو خلفية استراتيجية بمنأى عن الضربات. (9) فاليونان ، لم تعد قلقة فقط من الحدود البرية مع تركيا، بل أصبحت تخشى ضربات قد تأتي من قواعد تركية في شمال قبرص أو من سفن تركية في عرض البحر. (9)

فيما يتعلق بعامل النوايا العدوانية، فإن طبيعة المسيرات الشبحية ذاتها تخلق قدرًا كبيرًا من الغموض والريبة. فبسبب قدرتها على التخفي والعمل دون أن يتم اكتشافها بسهولة، يصبح من الصعب التمييز بين المناورات الدفاعية الروتينية والاستعدادات الهجومية الفعلية. فالدولة التي تنشر مسيرات شبحية على حدودها أو في مياهها الإقليمية قد تزعم أنها تتخذ إجراءات دفاعية لحماية سيادتها، لكن جيرانها قد يرون في ذلك استفزازًا واستعراضًا للقوة يحمل نوايا عدوانية كامنة. هذا الغموض في تفسير النوايا يغذي دوامة الشك وعدم الثقة، ويدفع الدول إلى تبني أقصى التقديرات سوءًا في تقييمها للتهديدات (16, 13). ويشبه هذا الوضع إلى حد كبير معضلة “الأمن التي وصفها هربرت بترفيلد وجون هيرز، حيث تؤدي الإجراءات الدفاعية لدولة ما إلى تقليل الشعور بالأمن لدى جيرانها، مما يدفعهم إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية، وهكذا في دوامة تصعيدية لا نهاية لها. (13)

تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى إعادة تشكيل خرائط التهديدات الإقليمية في شرق المتوسط بشكل جذري وعميق. فالدول التي كانت تعتبر في السابق ذات قدرات عسكرية محدودة أو متوسطة، مثل تركيا قبل عقد من الزمن، أصبحت اليوم تشكل تهديدًا نوعيًا مختلفًا في نظر جيرانها. فالعدو لم يعد يُقاس فقط بعدد الدبابات أو الطائرات المقاتلة، بل بقدرته على تنفيذ ضربات دقيقة ومؤثرة بتكلفة منخفضة وبصمة استخباراتية محدودة. هذا التحول في طبيعة التهديد يعني أن الدول التي لا تمتلك هذه القدرات، أو التي تأخرت في تطويرها، تشعر بأنها في موقف دفاعي غير مؤاتٍ، وأن معادلة الردع التقليدية لم تعد تعمل لصالحها كما كانت سابقاً (2).

يشهد شرق المتوسط “لعبة كبرى جديدة” تعيد فيها الدول ترتيب تحالفاتها وأولوياتها الأمنية استجابةً لانتشار المسيرات الشبحية والقدرات العسكرية الناشئة. (9) وهذا المصطلح، الذي كان يشير تاريخيًا إلى التنافس الإمبراطوري بين بريطانيا وروسيا في آسيا الوسطى خلال القرن التاسع عشر، يعود اليوم ليصف واقعًا مختلفًا في منطقة مختلفة، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على النفوذ والموارد باستخدام أدوات تكنولوجية جديدة. فتركيا، على سبيل المثال، استخدمت قدراتها المتطورة في مجال المسيرات لتحقيق أهداف استراتيجية متعددة: تعزيز نفوذها الإقليمي وكسر عزلتها الدبلوماسية التي تفاقمت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وفرض واقع جديد على الأرض في ليبيا وسوريا وشرق المتوسط، وتقديم نفسها كنموذج ناجح للقوى المتوسطة الصاعدة القادرة على إنتاج تكنولوجيا عسكرية متطورة محليًا. (2) ففي ليبيا، كانت المسيرات التركية عاملاً حاسماً في إنقاذ حكومة الوفاق الوطني من الانهيار وصد هجوم قوات حفتر المدعومة إماراتيًا وروسيًا ومصريًا. وفي سوريا، مكنت المسيرات القوات التركية وحلفاءها من السوريين من تحقيق مكاسب ميدانية وتأمين مناطق نفوذ على طول الحدود. وفي شرق المتوسط، كانت المسيرات ورقة ضغط مهمة في المفاوضات حول حقوق التنقيب عن الغاز.

في المقابل، أدى صعود القوة التركية في مجال المسيرات إلى رد فعل سريع من دول أخرى شعرت بأن مصالحها مهددة أو أن توازن القوى الإقليمي بدأ يميل لصالح أنقرة. فسعت مصر واليونان والإمارات، بدعم من فرنسا أحيانًا، إلى تشكيل جبهة مضادة لتركيا، تستند جزئيًا إلى التعاون في مجال الدفاع الجوي وتطوير قدرات مضادة للمسيرات. (9) هذا التعاون تجلى في عدة مبادرات: توقيع اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان لمواجهة الاتفاقية التركية الليبية، وتعزيز التمارين العسكرية المشتركة، وتطوير مشاريع دفاعية مشتركة مثل مشروع “أخيل شيلد” اليوناني بالتعاون مع إسرائيل، والذي يهدف إلى بناء منظومة دفاع جوي متكاملة قادرة على مواجهة التهديدات الجوية المتطورة، وعلى رأسها المسيرات الشبحية والطائرات المسيرة الهجومية. (18) كما سعت هذه الدول إلى تعزيز قدراتها الخاصة في مجال تطوير المسيرات، إما عبر التصنيع المحلي (كما تحاول مصر) أو عبر الاستيراد من مصادر بديلة (كما فعلت اليونان وبلغاريا وبولندا عند شرائها مسيرات من تركيا نفسها، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى ديناميكيات الصراع).

يعيد هذا التنافس المتصاعد على ترسيم خرائط التهديدات والتحالفات رسم خريطة التحالفات في المنطقة بشكل لم يسبق له مثيل منذ عقود، ويخلق حالة من الاستقطاب الحاد والتكتلات المغلقة التي قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار. ففي الماضي، كانت خطوط الصراع الرئيسية في شرق المتوسط تمر بين إسرائيل والعرب، أو بين تركيا واليونان حول قبرص وبحر إيجة. اليوم، أصبحت خطوط الصراع أكثر تعقيدًا وتشابكًا، حيث تتقاطع مع التنافس بين المحور التركي القطري من جهة، والمحور المصري الإماراتي السعودي من جهة أخرى، ومع التدخلات الروسية في سوريا وليبيا، ومع التوترات الأمريكية الإيرانية، ومع التنافس الفرنسي الإيطالي على النفوذ في المنطقة. هذه التعقيدات تجعل من الصعب التنبؤ بتطورات المنطقة، وتزيد من احتمالات حدوث حسابات خاطئة أو تصعيد غير مقصود قد يجر المنطقة بأسرها إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق.

ثالثاً: دور الردع غير المتماثل في تمكين القوى الإقليمية المتوسطة

تتطور مفاهيم الردع في البيئات غير المتماثلة بشكل متسارع لتتناسب مع طبيعة الصراعات الحديثة التي تتميز بفجوة واسعة ومتنامية بين قدرات الأطراف المتصارعة. ففي هذه البيئات، لم تعد القوة العسكرية التقليدية (حجم الجيوش، عدد الدبابات، أسطول الطائرات المقاتلة) المقياس الوحيد أو الأكثر دقة للقدرة على الردع أو تحقيق النصر. بل على العكس، تمتلك الأطراف الأضعف (من حيث القدرات التقليدية) قدرة متزايدة على استخدام تكنولوجيا غير تقليدية ومبتكرة لتعويض فجوة القوة مع الأطراف الأقوى، مما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي ويعيد تشكيل حسابات المخاطر والمكاسب لدى جميع الأطراف المعنية. (6) ولم يحدث هذا التحول في طبيعة الصراع بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج تراكمي لتطور التكنولوجيا العسكرية، وانخفاض تكاليف الدخول إلى سوق الأسلحة المتقدمة، وتوفر المعرفة التقنية عبر المصادر المفتوحة والتدريب عبر الإنترنت.

يمكن القول، انه هذا النمط من الردع غير المتماثل ليس جديدًا بالكامل على تاريخ الحروب والصراعات، إذ يمكن تتبع جذوره العميقة في استراتيجيات حرب العصابات والعمليات غير التقليدية عبر العصور. فمن مقاومة الجيوش الرومانية إلى حروب التحرير الوطنية في القرنين التاسع عشر والعشرين، استخدم الأطراف الأضعف التضاريس الوعرة، والتكتيكات غير التقليدية، وحرب الشوارع، والكمائن، لتعويض نقصهم في المعدات والتنظيم. لكن ما يختلف بشكل جوهري اليوم هو أن التكنولوجيا الحديثة، وتحديدًا تكنولوجيا المسيرات والذكاء الاصطناعي، لم تعد حكرًا على القوى العظمى أو الدول الغنية، بل أصبحت في متناول الدول المتوسطة والقوى غير الحكومية (كجماعات الميليشيات والمنظمات المسلحة) على حد سواء، وذلك بفضل انخفاض التكاليف، وتوفر المكونات الإلكترونية في الأسواق العالمية، وسهولة التجميع والبرمجة. (13) ويؤدي هذا التوسع في نطاق الوصول إلى التكنولوجيا الهجومية المتطورة إلى تصاعد بشكل غير مسبوق نطاق التهديدات المحتملة التي تواجهها الدول الكبرى والمتوسطة على حد سواء، ويجعلها أكثر تنوعًا وتعقيدًا وصعوبة في التنبؤ والتصدي.

في هذا السياق الجديد، تتغير معادلة القوة بشكل جذري. فالدولة العظمى التي تنفق مليارات الدولارات على أساطيلها الجوية والبحرية قد تجد نفسها عاجزة عن ردع دولة متوسطة تمتلك ترسانة من المسيرات الانتحارية الرخيصة أو طائرات بدون طيار مزودة بأنظمة استهداف تعمل بالذكاء الاصطناعي. فالتكلفة المنخفضة للمسيرات (قد تصل إلى بضعة آلاف من الدولارات للمسيرات الصغيرة) تجعل من الممكن شن هجمات متكررة ومكثفة بتكلفة إجمالية أقل بكثير من تكلفة إسقاطها بصواريخ دفاع جوي باهظة الثمن (قد يصل سعر الصاروخ الواحد إلى مليون دولار أو أكثر). هذا الاختلاف الهائل في التكلفة يخلق ما يمكن تسميته “معضلة الاستنزاف الاقتصادي، حيث تجد القوة الكبرى نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن تتحمل خسائر مادية فادحة لاعتراض التهديدات، وإما أن تسمح لبعض التهديدات بالوصول إلى أهدافها، مما يلحق أضرارًا معنوية ومادية قد تكون كبيرة (2 ;8).

يمثل الاستخدام التركي للمسيرات المسلحة، وخاصة نموذج Bayraktar TB2 الشهير، مثالاً بارزًا ومتكاملًا لهذا النمط الحديث من الردع غير المتماثل في السياق المعاصر، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط. فتركيا، التي كانت تعاني قبل عقد من الزمن من حظر تسليح غربي نسبي وفجوة تكنولوجية في مجال الطائرات بدون طيار (كانت تعتمد على استيراد مسيرات إسرائيلية وأمريكية محدودة القدرات)، تمكنت من خلال استراتيجية طموحة للاكتفاء الذاتي الدفاعي وتوطين التكنولوجيا، من تطوير وإنتاج جيل متقدم من المسيرات المسلحة محليًا. هذا الإنجاز التكنولوجي لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة سنوات من الاستثمار في البحث والتطوير، وإنشاء مراكز تدريب متخصصة، وإقامة شراكات مع جامعات ومراكز أبحاث محلية ودولية، وتشجيع القطاع الخاص (مثل شركة بايكار) على الابتكار والإنتاج. (2)

تجلت القدرة التحويلية للردع التركي غير المتماثل بشكل جلي وواضح على الأرض في مسرح العمليات الليبي خلال الفترة الحرجة (2019-2020). ففي ذلك الوقت، كانت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، المدعومة بشكل واسع من الإمارات ومصر وروسيا (بما في ذلك نشر مرتزقة من مجموعة فاغنر)، تزحف نحو العاصمة طرابلس لقلب حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا. كانت قوات حفتر تتفوق بشكل كبير على قوات الوفاق من حيث المعدات التقليدية الثقيلة: الدبابات (T-72)، المدفعية (Grad)، الطائرات المقاتلة (MiG-21، Su-22)، وأنظمة الدفاع الجوي (Pantsir-S1). كان الوضع يائسًا لحكومة الوفاق، التي كانت على وشك الانهيار العسكري الكامل. (6)

هنا، تمكنت أنقرة من تغيير مسار الحرب بشكل دراماتيكي وحاسم، من خلال نشر أسراب من مسيرات Bayraktar TB2 المسلحة لصالح قوات الوفاق. لم تكن هذه المسيرات مجرد أداة تكتيكية إضافية، بل كانت عامل تغيير جذري في طبيعة الصراع. فقد استطاعت المسيرات، بفضل قدرتها على التحليق لساعات طويلة (مدة بقاء تصل إلى 27 ساعة)، وحمولتها من الذخائر الموجهة بدقة (MAM-L، MAM-C)، ونظام الاستهداف البصري المتقدم، أن تشكل تهديدًا وجوديًا للمعدات الثقيلة لقوات حفتر. ففي سلسلة من الضربات الجراحية، تمكنت المسيرات من تدمير المئات من آليات حفتر: الدبابات، ناقلات الجنود المدرعة، أنظمة الدفاع الجوي (خاصة Pantsir-S1 التي كانت تشكل تحديًا كبيرًا)، ومستودعات الذخيرة والوقود، ومراكز القيادة والسيطرة. (2) ولم يوقف هذا التدمير المنهجي للقدرات القتالية لقوات حفتر زحفها نحو طرابلس فحسب، بل أجبرها على التراجع مئات الكيلومترات إلى الشرق، وأنقذ حكومة الوفاق من الانهيار، وأعاد رسم خريطة السيطرة على الأرض في غرب ليبيا.

لم يكن هذا النجاح التركي في ليبيا مجرد إنجاز تكتيكي عابر في معركة محددة، مهما كانت أهميتها. بل كان حدثًا محوريًا أسس لنموذج جديد ومختلف في استخدام التكنولوجيا العسكرية الناشئة كأداة للردع الإقليمي. فقد أثبتت تركيا، وهي دولة ذات إمكانيات اقتصادية وعسكرية متوسطة مقارنة بالقوى العظمى، أنه يمكن تحقيق تأثير استراتيجي غير مسبوق بتكاليف محدودة نسبيًا، وبدون تعريض حياة أعداد كبيرة من جنودها للخطر بنفس الدرجة التي تتطلبها العمليات التقليدية (التي كانت ستعني نشر آلاف الجنود على الأرض، مع ما يرافق ذلك من خسائر بشرية ولوجستية وسياسية). (8) فقد كانت تكلفة المسيرة الواحدة وذخائرها أقل بكثير من قيمة المعدات التي دمرتها، مما يجعل من نموذج “الردع بالاستنزاف الاقتصادي فعالاً ومستدامًا.

يترتب على هذا النموذج الجديد من الردع غير المتماثل مجموعة من الدروس والتغيرات الجذرية في حسابات المخاطر لدى جميع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة:

أولاً: يغير هذا النموذج بشكل جذري حسابات المخاطر لدى القوى الإقليمية الكبرى، مثل مصر والسعودية والإمارات، التي كانت تعتمد على تفوقها في المعدات التقليدية (المقاتلات، الدبابات، المدفعية) كضمانة لقوتها الردعية. فقد أظهرت التجربة الليبية أن هذه التفوقات يمكن تحييدها بفعالية باستخدام تكنولوجيا المسيرات، حتى من قبل طرف أقل تجهيزًا تقليديًا. هذا يعني أن هذه القوى لم تعد قادرة على افتراض أمنها أو هيمنتها الإقليمية استنادًا إلى ميزان القوى التقليدي وحده، بل يجب عليها أن تأخذ في الاعتبار إمكانية استخدام خصومها للمسيرات كأداة لتعطيل أو تدمير قدراتها الأساسية.

ثانيًا: يدفع هذا التحول الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها وتكتيكاتها العسكرية بشكل عاجل، والاستثمار بشكل أكبر وأسرع في تطوير قدراتها المضادة للمسيرات (Counter-Unmanned Aerial Systems – C-UAS) فلم يعد السؤال “هل نمتلك قدرات كافية لمواجهة المسيرات؟” بل “ما مدى سرعة قدرتنا على تطوير ونشر أنظمة فعالة ومنخفضة التكلفة لاعتراض هذه المسيرات، سواء بالوسائل التقليدية (الصواريخ، المدافع) أو الحديثة (أسلحة الطاقة الموجهة – الليزر، الميكروويف)؟” هذا ما نراه بوضوح في مشروع “أخيل شيلد” اليوناني بالتعاون مع إسرائيل، وفي التعاون الدفاعي المتزايد بين مصر وفرنسا واليونان، وفي استيراد دول أوروبية (مثل بولندا) لمسيرات تركية للتعرف على قدراتها ونقاط ضعفها.

ثالثًا: يبرز هذا النموذج أيضاً إمكانية استخدام المسيرات ليس فقط كأداة هجومية مباشرة، بل كأداة للردع بالحرمان من خلال نشرها كعيون مفتوحة في السماء لمراقبة الحدود والمياه الإقليمية، ومنع الخصوم من تنفيذ عمليات مفاجئة، وتوفير معلومات استخباراتية فورية ودقيقة لقوات الرد السريع. فوجود سرب من المسيرات في حالة تأهب دائم يمكنه من اكتشاف أي تحرك عسكري غير عادي في الوقت الفعلي، وإما اعتراضه فورًا، أو توفير معلومات دقيقة لقوات الردع لاتخاذ الإجراء المناسب، مما يمنح الدولة المالكة لهذه القدرات ميزة استراتيجية كبيرة في المجالين الاستخباراتي والعملياتي.

لذا يمكن القول إن النموذج التركي في استخدام المسيرات كأداة للردع غير المتماثل قد أحدث زلزالاً استراتيجياً في منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط، وأظهر للجميع أن حجم الإنفاق الدفاعي وحده لم يعد كافياً لضمان التفوق العسكري، وأن الدول التي تستثمر في التكنولوجيا الناشئة وتبني قدراتها المحلية يمكنها أن تحقق قفزات نوعية في موقعها الإقليمي وتوازن القوى لصالحها. هذا الواقع الجديد يفرض على جميع الأطراف المعنية إعادة حساب معادلاتها الاستراتيجية، والاستعداد لمرحلة جديدة من الصراع الإقليمي ستكون فيها المسيرات والذكاء الاصطناعي والأنظمة المضادة لها هي الأدوات الرئيسية لتقرير المصير والنفوذ.

العنصر الثالث: مستويات السيطرة الجوية والالتزامات القانونية المرتبطة بها

أولاً: مستويات السيطرة الجوية الأربعة

تُصنف السيطرة على المجال الجوي في العمليات العسكرية إلى أربعة مستويات متدرجة، وفقًا للتحليل العسكري والقانوني الذي تقدمه العقيدة العسكرية الحديثة ودراسات القانون الدولي الإنساني. (8)

المستوى الأول: التكافؤ الجوي، وهو حالة من الجمود الاستراتيجي حيث لا يتمكن أي من طرفي النزاع من تحقيق ميزة حاسمة في المجال الجوي. في هذه الحالة، لا تمتلك أي من القوتين الجويتين حرية عملياتية كاملة، وتكون قدرة كل منهما على تنفيذ مهامها محدودة بشكل كبير بسبب التهديد المتبادل. والمثال المعاصر الأبرز على هذا المستوى هو الحرب الروسية الأوكرانية، حيث لا تستطيع القوات الجوية الروسية فرض سيطرتها على الأجواء الأوكرانية بسبب فعالية أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية، وفي المقابل لا تستطيع القوات الجوية الأوكرانية استغلال أي تفوق عددي أو نوعي لها بسبب التفوق الروسي في الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي.

المستوى الثاني: الوضع الجوي الملائم، وهو ميزة مؤقتة ومحدودة الزمان والمكان تنشأ عن نجاح عمليات قمع أو تدمير دفاعات العدو الجوية (SEAD/DEAD)، مما يتيح فرصة زمنية محدودة للاستفادة من ثغرة في التغطية الرادارية أو الدفاعية. هذا المستوى غالبًا ما يكون نتيجة لعمليات تكتيكية ناجحة، لكنه لا يتحول إلى تفوق استراتيجي دائم.

المستوى الثالث: التفوق الجوي، وهو سيطرة متقدمة تعيق بشكل كبير قدرات الخصم الجوية والدفاعية، إلى الحد الذي يجعله غير قادر على قمع الأنشطة الجوية للطرف المسيطر بشكل فعال. في هذه الحالة، يتمتع الطرف المسيطر بحرية عمل نسبية في المجال الجوي، لكنه لا يزال يواجه بعض التهديدات المحدودة التي تستوجب الحذر والتدابير الوقائية.

المستوى الرابع: السيادة الجوية، وهي حالة من العجز التام للخصم عن مواجهة أو مقاطعة الأنشطة الجوية للطرف المسيطر. في هذا المستوى، يتمتع الطرف المسيطر بحرية عمل كاملة في المجال الجوي، ويمكنه تنفيذ مهامه دون أي تدخل أو تهديد يذكر من الخصم. هذا المستوى غالبًا ما يرتبط بالصراعات غير المتماثلة حيث يكون أحد الطرفين أدنى تكنولوجيًا بشكل كبير، أو لا يمتلك أي قدرات جوية أو دفاع جوي فعالة. (8)

ثانياً: العلاقة بين مستوى السيطرة الجوية ومدى “جدوى” الاحتياطات الواجبة في الهجوم

إن التحول العملياتي بين مستويات السيطرة الجوية المختلفة يؤثر بشكل مباشر ومتباين على مدى “جدوى” الاحتياطات الواجبة في الهجوم بموجب المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف. فمفهوم “الممكن” ليس ثابتًا أو مطلقًا، بل هو مفهوم نسبي ومرن يتغير تبعًا للظروف العملياتية السائدة، ومن أبرزها درجة السيطرة على المجال الجوي وطبيعة التهديدات المحدقة بالقوات المهاجمة. (8)

في حالة التكافؤ الجوي أو الأجواء شديدة التنازع، تكون الاحتياطات “الممكنة” محدودة بشكل كبير بفعل الضغوط العملياتية الهائلة المتمثلة في التهديد المستمر والمباشر لأنظمة الدفاع الجوي للخصم. ففي هذه الظروف، تضطر الطائرات المهاجمة إلى اتخاذ تدابير قاسية للبقاء على قيد الحياة: العمل على ارتفاعات عالية جدًا (لتجنب المدافع الأرضية والصواريخ قصيرة المدى)، وتقليل فترة بقائها في الأجواء المعادية إلى أقصى درجة ممكنة (لتقليل نافذة التعرض للرادارات والصواريخ)، والاعتماد على سرعة عالية ومناورات مراوغة قد تؤثر سلبًا على دقة الاستهداف. وتحد كل هذه العوامل بشكل كبير من قدرة الطاقم الجوي على التحقق من هوية الأهداف بشكل دقيق وإيجابي، وتقلل من الوقت المتاح لتطبيق منهجيات تقدير الأضرار الجانبية. (8)

في المقابل، عندما يحقق طرف النزاع التفوق الجوي أو السيادة الجوية، تتغير المعادلة بشكل جذري. فيصبح الطرف المسيطر قادرًا على تنفيذ مهام استطلاع ومراقبة واستخبارات طويلة الأمد ودون عوائق تذكر، باستخدام طائرات مسيرة ومأهولة قادرة على البقاء في الجو لساعات طويلة وجمع معلومات دقيقة ومفصلة عن تحركات الخصم والمناطق المستهدفة. كما يصبح بإمكانه تخصيص وقت كافٍ لعمليات التحقق من الهوية الإيجابية للأهداف قبل توجيه الضربات، واستخدام منهجيات متقدمة لتقدير الأضرار الجانبية، وتفضيل استخدام الذخائر الموجهة بدقة التي تقلل احتمالات الخطأ العرضي إلى أدنى حد. مما يعني أن نطاق ما هو “ممكن” من احتياطات يتسع بشكل كبير، وتصبح الدولة المسيطرة مطالبة قانونيًا وأخلاقيًا باتخاذ احتياطات أكثر صرامة وتفصيلاً مما هو مطلوب من دولة تعمل في ظروف تكافؤ جوي أو أجواء شديدة التنازع. (8)

ثالثاً: الآثار القانونية والإنسانية لتحقيق التفوق الجوي عبر المسيرات الشبحية

إن تحقيق التفوق الجوي عبر المسيرات الشبحية لا يمنح الدولة صاحبة هذه القدرات ميزة عسكرية فحسب، بل يفرض عليها أيضاً التزامات قانونية وإنسانية متزايدة ومعقدة. فكلما زادت قدرة الدولة على التحكم في المجال الجوي، وزادت الأدوات التكنولوجية المتاحة لها للتحقق والمراقبة، زادت مسؤوليتها في اتخاذ “كل الاحتياطات الممكنة” لحماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء العمليات العسكرية (8).

يشار إلى مثالين تاريخيين بارزين يوضحان هذه العلاقة الجدلية، ويقدمان دروساً مستفادة للحالة الراهنة في شرق المتوسط. (8)

المثال الأول: حادثة دياكوفيتشا (Djakovica) عام 1999 أثناء حملة الناتو الجوية على صربيا (عملية القوات المتحالفة)، قصفت طائرات الحلف بالخطأ قافلة من اللاجئين المدنيين بالقرب من بلدة دياكوفيتشا في كوسوفو. أقرت لجنة المراجعة التابعة لمحكمة يوغوسلافيا السابقة (ICTY) أن القوات كانت مضطرة للتحليق على ارتفاع لا يقل عن 15,000 قدم لتجنب أنظمة الدفاع الجوي الصربية (خاصة صواريخ SA-6). هذا الارتفاع العالي جعل من الصعب على الطيارين التمييز بين المركبات العسكرية والمدنية على الأرض، وساهم بشكل مباشر في وقوع الحادثة. بينما خلصت اللجنة إلى أنه لا توجد خرق جنائي واضح للقانون الدولي الإنساني نظرًا لظروف القوة القاهرة وتهديد الدفاعات الجوية، إلا أنها أشارت ضمنيًا إلى أن مستوى السيطرة على المجال الجوي (الذي كان دون التفوق الكامل) أثر بشكل مباشر على “جدوى” الاحتياطات التي يمكن اتخاذها. (8)

المثال الثاني: تقرير غولدستون (Goldstone Report) حول الحرب على غزة (2008-2009). أشارت لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون، إلى التفوق التكنولوجي الهائل لقوات الاحتلال الإسرائيلية كظرف مشدد (Aggravating Circumstance) في تقييم الالتزام بالقانون الدولي الإنساني. ذكر التقرير أن قدرة جيش الدفاع الإسرائيلي على التخطيط بعناية (ability to plan)، والتي تعد نتيجة مباشرة للسيادة الجوية والتكنولوجيا المتقدمة (بما في ذلك المسيرات)، كانت دليلاً على وجود “تخطيط متعمد وقرارات سياسية” أدت في بعض الحالات إلى استهداف المدنيين أو أعمال عقاب جماعي. (8) هذا المثال يؤكد بقوة أن السيادة الجوية والتكنولوجيا الفائقة لا تشكلان ترخيصًا لضربات أقل دقة أو احتياطات أقل صرامة، بل على العكس، هما تزيدان من مستوى المسؤولية القانونية والأخلاقية. (8)

هذه الأمثلة تؤكد أن التفوق الجوي (سواء تحقق عبر طائرات مأهولة أو مسيرات شبحية) يحمل معه عبئًا قانونيًا أثقل في عمليات التخطيط والاستهداف. فالدولة التي تمتلك القدرة على التحليق على ارتفاعات منخفضة دون مخاطر، واستخدام مسيرات مراقبة متطورة، وتخصيص وقت كافٍ لتحليل الهدف، لا يمكنها أن تحتج بظروف القوة القاهرة أو نقص المعلومات لتبرير إصابة مدنيين. هذا يتطلب منها استخدام منهجيات دقيقة لتقدير الأضرار الجانبية، والتحقق الصارم من هوية الأهداف، وتفضيل استخدام الذخائر الموجهة بدقة التي تقلل احتمالات الخطأ العرضي. (8) ويضيف هذا البعد القانوني والإنساني يضيف طبقة جديدة وأساسية من التعقيد إلى توازن الردع الإقليمي في شرق المتوسط، حيث لا يكفي أن تمتلك دولة ما القدرة على الردع، بل يجب أن تثبت أيضًا قدرتها واستعدادها لاستخدام هذه القدرة بما يتوافق مع أرفع المعايير القانونية والإنسانية، وإلا فإنها تخاطر بفقدان الشرعية الدولية، وتقويض موقفها الدبلوماسي، وتعريض قادتها العسكريين والسياسيين للمساءلة القانونية المحلية والدولية.

المحور الثاني: ديناميكيات انتشار المسيرات الشبحية وإعادة تشكيل الصراع الإقليمي

يتناول هذا المحور تحليل كيفية تأثير المسيرات الشبحية على مسار الصراعات الإقليمية القائمة في شرق المتوسط، من خلال دراسة حالات محددة ومتداخلة، مع التركيز على سباق التسلح الإقليمي المتسارع، والتحالفات التكنولوجية الناشئة التي تعيد رسم خريطة القوى في المنطقة، وتفاعل القوى الكبرى مع هذه الديناميكيات الجديدة. فمنذ عام 2015 تقريباً، ومع اكتشاف حقول الغاز الطبيعي العملاقة في مياه شرق المتوسط، تحولت المنطقة من بقعة هامشية في حسابات القوى الكبرى إلى ساحة تنافس محموم على النفوذ والثروات والطرق الحيوية. وقد وجدت هذه التنافسات التقليدية أداة جديدة وفعالة في تكنولوجيا المسيرات، التي أظهرت قدرتها على تغيير موازين القوى على الأرض بسرعة وكفاءة وتكلفة أقل بكثير من الوسائل التقليدية. (2) هذا التحول في طبيعة الصراع لم يقتصر على إضافة سلاح جديد إلى الترسانات العسكرية للدول، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تعريف مفاهيم القوة والردع والتحالفات نفسها.

العنصر الأول: سباق التسلح بالمسيرات والتحالفات التكنولوجية في شرق المتوسط

أولاً: برامج تطوير المسيرات في تركيا كأداة للقوة الناعمة والصلبة وتعزيز الردع الوطني

تمثل تركيا نموذجًا فريدًا وملهمًا في كيفية تحويل دولة ذات إمكانيات متوسطة من مستورد صافٍ للأسلحة إلى مصدر رئيسي ومطور متقدم للتكنولوجيا العسكرية، وخاصة في مجال المسيرات. فمن خلال استراتيجية طموحة ومتكاملة للاكتفاء الذاتي الدفاعي (Defense Self-Sufficiency)، استثمرت أنقرة بكثافة في البحث والتطوير المحلي، ودعمت شركاتها الوطنية (مثل بايكار و TAI وSTM)، وشجعت على نقل التكنولوجيا والتعاون مع الجامعات. ثمار هذه الاستراتيجية تجلت بوضوح في ظهور جيل متقدم من المسيرات التركية التي أثبتت كفاءتها القتالية في ساحات القتال الحقيقية. (2) تأتي في مقدمة هذه المنظومات مسيرة Bayraktar TB2، التي أصبحت أيقونة للحرب الحديثة بفضل أدائها المتميز في ليبيا وسوريا وأوكرانيا. تتميز TB2 بقدرتها على التحليق لساعات طويلة (تصل إلى 27 ساعة)، وحمل ذخائر موجهة بدقة (MAM-L وMAM-C)، ونظام استهداف بصري متقدم، وتكلفتها المنخفضة نسبيًا مقارنة بالطائرات المقاتلة المأهولة أو المسيرات الأمريكية والإسرائيلية المنافسة. (2)

لم تتوقف تركيا عند TB2، بل واصلت تطوير قدراتها لتصل إلى جيل أكثر تطورًا من المسيرات الشبحية والهجومية، مما يعكس طموحها لتكون من بين الدول القليلة في العالم التي تمتلك هذه التكنولوجيا المتطورة. فمسيرة ANKA-3، التي طورتها شركة TAI، هي مسيرة قتالية ثقيلة (UCAV) تتميز بتصميمها الشبحى (جناح طائر، مموه، محرك نفاث مخفي) يقلل من بصمتها الرادارية بشكل كبير، وقدرتها على حمل حمولات هجومية كبيرة تصل إلى 1200 كجم، والتحليق على ارتفاعات عالية تصل إلى 40,000 قدم، مما يجعلها قادرة على تنفيذ مهام استخباراتية وهجومية في بيئات دفاع جوي كثيفة (A2/AD). أما مسيرة KIZILELMA، فهي طائرة مقاتلة بدون طيار (Unmanned Fighter Jet) ذات محرك نفاث، صممت لتكون قادرة على الإقلاع والهبوط العمودي من على متن حاملات الطائرات (المسطحة)، وتنفيذ مهام التفوق الجوي (Air-to-Air) والضربات الأرضية الدقيقة (Air-to-Ground) والدفاع الجوي، مما يمثل نقلة نوعية في مفهوم القوة الجوية التركية. (2)

هذه القدرات المتطورة لم تخدم الأهداف العسكرية لتركيا فقط، بل تحولت إلى أداة فعالة للقوة الناعمة والدبلوماسية. فتصدير المسيرات إلى دول مثل قطر وأذربيجان وبولندا وأوكرانيا وتونس وليبيا والمغرب، لم يحقق عوائد مالية كبيرة فحسب، بل عزز التحالفات السياسية والعسكرية لأنقرة، ورفع من مكانتها الدولية كدولة رائدة في مجال التكنولوجيا العسكرية، وكسر حالة العزلة الدبلوماسية التي كانت تعاني منها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016. كما أن مقاطع الفيديو التي تظهر دقة وفعالية المسيرات التركية في تدمير أهداف العدو (خاصة دبابات T-72 الروسية الصنع وأنظمة Pantsir-S1 الدفاعية)، والتي انتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، خلقت هالة من القوة والهيبة حول المنتج العسكري التركي، وعززت من ثقة الجيش التركي والمجتمع الدولي في قدرات أنقرة الدفاعية والهجومية. (2)

ثانياً: مشروع “أخيل شيلد” اليوناني بالتعاون مع إسرائيل كاستجابة استراتيجية لتهديد المسيرات التركية

إذا كانت تركيا تمثل الجانب الهجومي في معادلة المسيرات الشبحية، فإن مشروع “أخيل شيلد (Achilles Shield) اليوناني يمثل الجانب الدفاعي الأبرز، وهو استجابة استراتيجية مباشرة ومتطورة لمواجهة هذا التهديد المتصاعد. فاليونان، التي تشعر بقلق متزايد من قدرات تركيا في مجال المسيرات، خاصة بعد الأداء الذي أظهرته TB2 في ليبيا وقدرات ANKA-3 و KIZILELMA الناشئة، أدركت أن منظوماتها الدفاعية الجوية التقليدية (الموروثة من الحقبة السوفيتية والغربية القديمة) لم تعد كافية لمواجهة هذا النوع الجديد من التهديدات. (18) فأنظمة مثل S-300 و TOR-M1 وOSA، رغم فعاليتها النسبية ضد الطائرات المقاتلة التقليدية، تظهر نقاط ضعف كبيرة أمام المسيرات الصغيرة والبطيئة والمنخفضة والمموهة، التي يصعب على راداراتها اكتشافها وتصنيفها وتتبعها. (18)

لذلك، شرعت أثينا في مشروع طموح وضخم (بميزانية أولية تجاوزت 4 مليارات دولار) لتطوير منظومة دفاع جوي متكاملة ومتعددة الطبقات، أطلقت عليه اسم “أخيل شيلد”. لا يقتصر هذا المشروع على استيراد أسلحة جاهزة، بل يتضمن تعاونًا استراتيجيًا واسعًا مع إسرائيل، الخبيرة عالميًا في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، بالإضافة إلى تعاون مع فرنسا ودول أوروبية أخرى. تتضمن المنظومة المقترحة عدة طبقات متكاملة: (18)

  • الطبقة السفلية (Short-Range/Lower Tier): وتشمل منظومات مثل SPYDER(Surface-to-Air Python and Derby) الإسرائيلية، وهي منظومة دفاع جوي قصيرة ومتوسطة المدى، مصممة لاعتراض الطائرات والمروحيات والمسيرات والصواريخ، وتتميز بمرونتها وقدرتها على الاشتباك مع أهداف متعددة في وقت واحد.
  • الطبقة الوسطى (Medium-Range): وتشمل منظومة BARAK MXالإسرائيلية المتطورة، وهي منظومة دفاع جوي متعددة المهام، قادرة على اعتراض الأهداف الجوية المختلفة (طائرات، صواريخ كروز، مسيرات) على مدى يصل إلى 150 كم، وتتميز بنظام اعتراض متقدم ورادار AESA قوي.
  • الطبقة العليا (Upper Tier/Anti-Missile): وتشمل منظومة David’s Sling(مقلاع داود) الإسرائيلية الأمريكية، المصممة خصيصًا لاعتراض الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، بالإضافة إلى صواريخ الكروز والطائرات. هذه المنظومة تسد الفجوة بين القبة الحديدية (Iron Dome) قصيرة المدى و Arrow (السهم) بعيدة المدى.
  • طبقة الحماية الإلكترونية والطاقة الموجهة (Electronic Warfare & Directed Energy): تشمل هذه الطبقة أنظمة تشويش وحرب إلكترونية متطورة لتعطيل الاتصال بين المسيرات ومشغليها، بالإضافة إلى أنظمة الليزر عالية الطاقة (مثل النظام الإسرائيلي Iron Beam) التي يمكنها إسقاط المسيرات الصغيرة والطائرات بدون طيار بتكلفة منخفضة جدًا لكل اعتراض.

لا يقتصر المشروع على استيراد هذه المنظومات فحسب، بل يشمل أيضًا تطوير قدرات محلية، مثل دمج منظومة Kentavros اليونانية المضادة للمسيرات (التي أثبتت كفاءتها في مهام الاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر) مع المنظومات الإسرائيلية، وبناء قدرات في مجال الصيانة، والدعم، والبرمجيات، والتكامل. هذا المشروع، إذا اكتمل، سيمثل نقلة نوعية في القدرات الدفاعية لليونان، وقد يغير من توازن الردع في بحر إيجة وشرق المتوسط بشكل كبير، لكنه في نفس الوقت يهدد بإشعال سباق تسلح إقليمي جديد ومكلف. (18)

ثالثاً: التحالف اليوناني-الإسرائيلي-الفرنسي والتنافس بين المحاور الإقليمية

لم يأتِ مشروع “أخيل شيلد” من فراغ، بل هو تتويج وتجسيد لتحالف إقليمي متنامي ومتشعب الأطراف، يمكن تسميته “تحالف البحر المتوسط، ويضم اليونان (العضو في الاتحاد الأوروبي والناتو)، وإسرائيل (القوة التكنولوجية العظمى)، وفرنسا (القوة العسكرية الأوروبية الكبرى وصاحبة النفوذ التاريخي في المنطقة). وهذا التحالف ليس تحالفًا عسكريًا رسميًا بالمعنى التقليدي، بل هو شبكة متنامية من التعاون الاستراتيجي والثنائي في مجالات متعددة: الدفاع والأمن (تمارين عسكرية مشتركة، صفقات أسلحة ضخمة، تبادل استخباراتي)، والطاقة (دعم مشروع خط أنابيب إيست ميد EastMed لتصدير الغاز إلى أوروبا عبر اليونان وإيطاليا، متجاوزًا تركيا)، والدبلوماسية (مواقف موحدة تجاه تركيا في المحافل الدولية). هذا التحالف مدعوم ضمنيًا من الولايات المتحدة، التي ترى في إسرائيل واليونان حليفين استراتيجيين رئيسيين في شرق المتوسط، وتستخدم نفوذها لتعزيز قدراتهما الدفاعية، كما يتجلى في رفع حظر السلاح عن قبرص ودعم تحديث القوات الجوية اليونانية (9; 18)

تعد فرنسا اللاعب الأكثر نفوذاً وتأثيراً في هذا التحالف الثلاثي، وذلك لعدة اعتبارات استراتيجية وتاريخية ومؤسسية تجعلها القوة المحورية فيه. فباعتبارها القوة العسكرية الأوروبية الوحيدة التي تمتلك قدرات إسقاط قوة عالمية (حاملة طائرات، قواعد عسكرية في الخارج، عضوية دائمة في مجلس الأمن)، تسعى باريس إلى تعزيز دورها كقائد إقليمي في شرق المتوسط، مستغلة الفراغ النسبي الذي خلفته الولايات المتحدة والانشغال الروسي بأوكرانيا. هذا الطموح الفرنسي يتجسد بوضوح في سعيها إلى ترسيخ “باكس ميديتيرانيا” (Pax Mediterranea) أو سلام البحر المتوسط تحت قيادتها، وهو ما أعلنه الرئيس إيمانويل ماكرون صراحةً في أكثر من مناسبة، معتبراً أن البحر المتوسط هو “مختبر الاستراتيجية الفرنسية في العالم”.

تتجسد المصالح الفرنسية في شرق المتوسط في عدة أبعاد متداخلة. البعد الأول: الطاقة، حيث تمتلك الشركة العملاقة توتال (Total) استثمارات ضخمة في حقول الغاز في كل من مصر (ظهر) وقبرص وإسرائيل ولبنان، مما يجعل أمن هذه المنشآت واستقرار المنطقة مرتبطاً بشكل مباشر بالأمن القومي الفرنسي. البعد الثاني: الدفاع والأمن، حيث تسعى باريس إلى تعزيز مبيعاتها العسكرية في المنطقة (طائرات رافال، فرقاطات، أنظمة دفاع جوي) كبديل عن الصادرات الأمريكية، وكوسيلة لتعزيز نفوذها السياسي. البعد الثالث: الجيوسياسي، حيث ترى فرنسا في تعزيز تحالفاتها مع اليونان (عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو) وإسرائيل (الشريك التكنولوجي والأمني الأهم في المنطقة) وسيلة لمواجهة النفوذ التركي المتصاعد، الذي تعتبره باريس تهديداً مباشراً لمصالحها في ليبيا وشرق المتوسط.

تجلى هذا الدور الفرنسي في عدة مواقف عملية: إرسال باريس حاملة الطائرات شارل ديغول (Charles de Gaulle) إلى شرق المتوسط في أغسطس 2020 كرسالة تهديد لأنقرة، وتنظيم مناورات عسكرية مشتركة مع اليونان وقبرص ومصر والإمارات، وقيادة التحالف الأوروبي لفرض عقوبات على تركيا بسبب أنشطتها في التنقيب عن الغاز، والدبلوماسية المكثفة لدعم مشروع خط أنابيب إيست ميد (EastMed) الذي يستبعد تركيا. كما أن باريس كانت السبّاقة في الاعتراف بـ “الجيش الوطني الليبي” بقيادة حفتر كطرف شرعي في الصراع الليبي، مما وضعها في مواجهة مباشرة مع الدعم التركي لحكومة الوفاق.

لكن هذا الدور الفرنسي ليس خالياً من التحديات والتناقضات. فمن ناحية، تتعارض الطموحات الفرنسية مع المصالح الإيطالية في المنطقة (خاصة في ليبيا والطاقة)، مما يخلق توترات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. ومن ناحية أخرى، تخشى باريس من دفع تركيا أكثر نحو أحضان روسيا، وهو ما قد يضر بالمصالح الغربية في أوكرانيا والقوقاز. كما أن الإرث الاستعماري الفرنسي في المنطقة (خاصة في سوريا ولبنان) يجعلها هدفاً سهلاً للخطاب المعادي للغرب الذي تروّجه أنقرة. ومع ذلك، تظل فرنسا اللاعب الأكثر قدرة على قيادة هذا التحالف، بفضل مواردها العسكرية والدبلوماسية، وعلاقاتها المتشعبة مع جميع الأطراف، ورؤيتها الاستراتيجية الواضحة لشرق المتوسط كجزء لا يتجزأ من أمن أوروبا والعالم.

في المقابل، يقف “محور أنقرة-الدوحة” كقطب منافس، ويضم تركيا وقطر (الحليف الاستراتيجي الوثيق، الداعم المالي والسياسي)، مع تقارب وتنسيق أوسع مع ليبيا (حكومة الوفاق السابقة أو السلطة الجديدة)، وأذربيجان (الحليف العرقي والطاقي)، وعلاقات متوترة أو متنافسة مع مصر والإمارات والسعودية. يستند هذا المحور على مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” و”تعددية الأقطاب”، ويسعى إلى كسر الاحتكار الغربي (خاصة الأمريكي والفرنسي) للقرار الدولي والنفوذ الإقليمي، باستخدام أدوات القوة الصلبة (المسيرات، القواعد العسكرية في قطر والصومال وليبيا) والقوة الناعمة (الإعلام، المساعدات الإنسانية، الدعم للحركات الإسلامية السياسية). كما أن لتركيا تعاونًا معقدًا ومتقلبًا مع روسيا (في سوريا وليبيا وأوكرانيا) وإيران، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى ديناميكيات التحالفات الإقليمية.

هذا التنافس المحتدم بين المحورين لا يقتصر على شرق المتوسط فقط، بل يمتد ليشمل مناطق أخرى مثل: ليبيا (دعم طرفي النزاع)، القرن الأفريقي (تنافس على القواعد والنفوذ في الصومال والسودان وإريتريا)، منطقة الساحل والصحراء (تنافس على مكافحة الإرهاب والنفوذ الاقتصادي)، وحتى البلقان (تنافس على النفوذ في البوسنة وألبانيا وكوسوفو). هذا التداخل والتشابك في مجالات التنافس يجعل من الصعب فصل الصراع في شرق المتوسط عن الصراعات الأخرى، ويحول المنطقة بأسرها إلى رقعة شطرنج معقدة تتحرك عليها قطع متعددة بألوان وولاءات مختلفة، مما يزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب والصراعات بالوكالة. (9)

العنصر الثاني: ليبيا وسوريا كمختبرين لحرب المسيرات

أولاً: دور المسيرات التركية في تغيير مسار الحرب الأهلية الليبية

شكلت الحرب الأهلية الليبية (2014-2020) مختبرًا حقيقيًا وحاسمًا لاختبار فعالية المسيرات المسلحة في تغيير مسار الصراعات، وإعادة تعريف موازين القوى على الأرض. ففي الفترة الحرجة بين 2019 و2020، ومع تصاعد هجوم قوات الجيش الوطني الليبي (اللواء المتقاعد خليفة حفتر) على العاصمة طرابلس، كانت الأمور تسير لصالح قوات حفتر المدعومة من الإمارات وروسيا ومصر، والتي كانت تتفوق في العدد والعتاد التقليدي (دبابات، مدفعية، طائرات مقاتلة، أنظمة دفاع جوي). كانت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا على وشك الانهيار العسكري الكامل. (6)

هنا، تدخلت تركيا بشكل حاسم، ليس بقوات برية ضخمة (وإن أرسلت مستشارين ومرتزقة)، بل بسرب من مسيرات Bayraktar TB2 المسلحة. تمكنت هذه المسيرات، من خلال استراتيجية مدروسة، من تغيير مسار الحرب بشكل دراماتيكي في غضون أسابيع قليلة. (2) فبفضل قدرتها على التحليق لساعات طويلة، وتوجيه ضربات جراحية دقيقة، والعمل بشكل منسق مع القوات البرية للوفاق، استطاعت المسيرات تدمير المئات من الأهداف الحيوية لقوات حفتر، بما في ذلك:

  • أنظمة الدفاع الجوي المتطورة (Pantsir-S1): والتي كانت تشكل التحدي الأكبر، حيث تمكنت المسيرات من استهدافها وتدميرها باستخدام التكتيكات المناسبة (الهجوم من زوايا مختلفة، استخدام التشويش الإلكتروني، الإغراء بالطائرات الوهمية).
  • الدبابات والآليات المدرعة: مما أدى إلى شل قدرة قوات حفتر على المناورة والهجوم.
  • مستودعات الذخيرة والوقود: مما أضعف القدرات اللوجستية لقوات حفتر وأطال أمد عمليات إعادة الإمداد.
  • مراكز القيادة والسيطرة: مما أدى إلى إرباك القيادة والسيطرة لدى قوات حفتر وإضعاف التنسيق بين وحداتها.

نتيجة لهذه الضربات، توقفت زحف قوات حفتر على طرابلس، ثم تراجعت مئات الكيلومترات إلى الشرق، وتمكنت قوات الوفاق من استعادة السيطرة على مناطق واسعة كانت قد خسرتها. هذا النجاح كان له تداعيات استراتيجية كبيرة، حيث أنقذ حكومة الوفاق من الانهيار، وأعاد فتح مفاوضات سياسية من موقع قوة مختلف، وأظهر للعالم قدرة المسيرات على أن تكون “عامل تغيير” في الصراعات الحديثة، حتى ضد خصوم يمتلكون تفوقًا تقليديًا ودعمًا خارجيًا واسعًا.(7)

ثانياً: تأثير “غموض الإسناد” على عمليات الردع في الصراع الليبي

لم تقتصر أهمية المسيرات في ليبيا على قدرتها التدميرية المباشرة، بل امتدت لتشمل تأثيرها على مستوى “غموض الإسناد وتعقيد عمليات الردع والمساءلة الدولية. ففي كثير من الأحيان، لم يكن من الواضح بشكل قاطع أي طرف قام بتوجيه الضربة (هل هي طائرة تركية أم إماراتية أم مصرية؟ هل هي مسيرة تابعة للحكومة المعترف بها أم لقوات حفتر؟). هذا الغموض جعل من الصعب على المجتمع الدولي (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة) تحديد الطرف “المعتدي” بدقة، وبالتالي اتخاذ إجراءات عقابية أو ردع فعالة ضده. (13)

خدم هذا الغموض الأطراف المتصارعة، حيث سمح لهم بتنفيذ عمليات عسكرية “تحت الطاولة” دون تحمل المسؤولية السياسية أو القانونية الكاملة عنها، وأتاح لهم فرصة إنكار التورط أو التقليل من شأنه. كما خلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي لدى كل طرف، حيث لم يكن أحد متأكدًا تمامًا من قدرات الخصم الحقيقية أو نواياه، مما جعل من الصعب تصميم استراتيجيات ردع تقليدية واضحة. هذا الوضع، الذي يمكن تسميته بـ”معضلة الردع في زمن المسيرات”، أصبح سمة أساسية للصراعات الحديثة، ويفرض تحديات جديدة على الدبلوماسية والقانون الدولي. (16)

ثالثاً: استخدام إسرائيل للمسيرات الشبحية في سوريا كأداة للردع الاستباقي

في سوريا، قدمت إسرائيل نموذجًا مختلفًا لاستخدام المسيرات الشبحية، لا كأداة في معركة مفتوحة، بل كأداة للردع الاستباقي و”حرب الظل” المستمرة ضد إيران ووكلائها. فمنذ سنوات، تنفذ إسرائيل مئات الضربات الجوية في سوريا، تستهدف بشكل رئيسي قواعد إيرانية، ومخازن أسلحة وصواريخ (خاصة صواريخ دقيقة التوجيه)، وقوافل أسلحة متجهة إلى حزب الله في لبنان، ومواقع دفاع جوي سورية وإيرانية. في هذه الضربات، لعبت المسيرات الشبحية بالإضافة إلى الطائرات المقاتلة المأهولة مثل (F-35I Adir) دورًا حاسمًا. (9)

تتميز المسيرات الإسرائيلية الشبحية (مثل “هيرون تي” Heron TP في نسخها المتطورة، و “إيتان” Eitan، وغيرها من الأنظمة السرية) بقدرتها على اختراق أنظمة الدفاع الجوي السورية والروسية المتطورة (S-300، S-400، Pantsir) دون أن يتم اكتشافها أو اعتراضها بسهولة. هذا يسمح لإسرائيل بتنفيذ ضرباتها بدقة عالية، في قلب العاصمة دمشق أو على الحدود العراقية، وتدمير أهدافها ثم العودة بأمان، دون المخاطرة بطائراتها أو طياريها. هذه الضربات المتكررة تشكل في جوهرها عملية ردع استباقي، تهدف إلى:

  • منع إيران من ترسيخ وجودها العسكري في سوريا: وهو ما تعتبره إسرائيل خطًا أحمر.
  • منع تدفق الأسلحة النوعية (خاصة الصواريخ الدقيقة) إلى حزب الله: مما قد يخل بتوازن الردع الدقيق مع لبنان.
  • إرسال رسالة بأن إسرائيل تمتلك القدرة على ضرب أي هدف في أي وقت: وبالتالي ردع إيران وحزب الله عن القيام بأعمال عدوانية كبرى.
  • اختبار قدرات أنظمة الدفاع الجوي الروسية والسورية والإيرانية: وجمع معلومات استخباراتية قيّمة عن تردداتها وتكتيكاتها، مما يزيد من فعالية الضربات المستقبلية.

يمثل هذا النموذج الإسرائيلي في استخدام المسيرات الشبحية تطبيقًا عمليًا لنظرية الردع بالحرمان في بيئة شديدة التعقيد والتنازع، حيث تسعى الدولة إلى حرمان خصومها من القدرات التي قد تمكنهم من تهديد أمنها القومي، ليس فقط بالدفاع السلبي، بل بالضربات الاستباقية النشطة. (8)

رابعاً: تطوير روسيا وإيران لقدرات مضادة للمسيرات كرد فعل على التهديد

أثارت الضربات الإسرائيلية المتكررة، والاستخدام التركي الفعال للمسيرات في ليبيا وسوريا، رد فعل سريعًا من القوى الكبرى والإقليمية الأخرى، وخاصة روسيا وإيران، اللتين شعرتا بأن تفوقهما التقليدي في المجال الجوي مهدد. فبدأت موسكو وطهران في تطوير ونشر قدرات متطورة مضادة للمسيرات (Counter-UAS – C-UAS)، وذلك لحماية قواتهما وحلفائهما، وتقليل فعالية المسيرات المعادية، واستعادة توازن الردع.

روسيا: استفادت موسكو من تجربتها المكثفة في الحرب الإلكترونية (Electronic Warfare – EW) وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وبدأت في نشرها في سوريا بشكل موسع. من أبرز هذه الأنظمة:

  • نظام كراسوخا-4 (Krasukha-4): وهو نظام تشويش إلكتروني قوي، يمكنه تعطيل أنظمة الاتصال والتحكم والملاحة (GPS) للمسيرات على مدى يصل إلى 300 كيلومتر، مما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة عليها أو تحطمها. تم نشر هذا النظام في قاعدة حميميم الجوية، وأظهر فعاليته في التصدي لبعض الهجمات بالمسيرات.
  • أنظمة دفاع جوي متنقلة: مثل Pantsir-S1 (المطورة)، وTor-M2، التي تم تحديث برمجياتها وراداراتها لتصبح أكثر قدرة على اكتشاف وتتبع المسيرات الصغيرة والبطيئة.
  • الليزر عالي الطاقة: كشفت روسيا عن نظام ليزر يسمى “Zadira” (زاديرا) يمكنه إسقاط المسيرات على مسافات تصل إلى 5 كيلومترات، كخط دفاع أخير منخفض التكلفة.

إيران: طورت طهران بدورها قدرات مضادة للمسيرات، مستفيدة من خبرتها في التقليد والتطوير العكسي للأنظمة الغربية والإسرائيلية التي أسقطتها أو استولت عليها. تشمل هذه القدرات:

  • أنظمة دفاع جوي محلية: مثل “باور 373” (Bavar-373) الذي يعتبر نسخة إيرانية من S-300 الروسية، و “Mersad” و “Herz-9”.
  • الحرب الإلكترونية: تطوير أنظمة تشويش متنقلة لتعطيل مسيرات العدو.
  • التكتيكات: استخدام الطائرات المقاتلة لاعتراض المسيرات، أو شن هجمات إلكترونية لاختراق أنظمة تحكمها وسرقتها (كما حدث مع مسيرة RQ-170 الأمريكية الشهيرة).
  • أثارت الضربات الإسرائيلية المتكررة، والاستخدام التركي الفعال للمسيرات في ليبيا وسوريا، رد فعل سريعًا من القوى الكبرى والإقليمية الأخرى، وخاصة روسيا وإيران، اللتين شعرتا بأن تفوقهما التقليدي في المجال الجوي مهدد. فبدأت موسكو وطهران في تطوير ونشر قدرات متطورة مضادة للمسيرات (Counter-UAS – C-UAS)، وذلك لحماية قواتهما وحلفائهما، وتقليل فعالية المسيرات المعادية، واستعادة توازن الردع. (19)
  • روسيا: استفادت موسكو من تجربتها المكثفة في الحرب الإلكترونية (Electronic Warfare – EW) وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وبدأت في نشرها في سوريا بشكل موسع. كما عملت على تطوير أنظمة دفاع جوي متنقلة مثل Pantsir-S1 و Tor-M2، التي تم تحديث برمجياتها وراداراتها لتصبح أكثر قدرة على اكتشاف وتتبع المسيرات الصغيرة والبطيئة. إلى جانب ذلك، كشفت روسيا عن أنظمة ليزر عالية الطاقة كخط دفاع أخير منخفض التكلفة، مستفيدة من خبراتها في التصدي للهجمات بالمسيرات في سوريا ومناطق النزاع الأخرى. (19)
  • إيران: طورت طهران بدورها قدرات مضادة للمسيرات، مستفيدة من خبرتها في التقليد والتطوير العكسي للأنظمة الغربية والإسرائيلية التي أسقطتها أو استولت عليها. تشمل هذه القدرات أنظمة دفاع جوي محلية مثل “باور 373” (Bavar-373) و “Mersad” و “Herz-9″، بالإضافة إلى تطوير أنظمة تشويش متنقلة لتعطيل مسيرات العدو. كما طورت التكتيكات اللازمة لاستخدام الطائرات المقاتلة لاعتراض المسيرات، أو شن هجمات إلكترونية لاختراق أنظمة تحكمها وسرقتها. (19)

يخلق هذا التطور المتسارع في مجال القدرات المضادة للمسيرات ديناميكية جديدة من سباق التسلح التكنولوجي بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث يبتكر كل طرف وسائل جديدة للهجوم (مسيرات شبحية، ذكاء اصطناعي، طائرات انتحارية) وفي المقابل يطور وسائل جديدة للدفاع (تشويش إلكتروني، ليزر، صواريخ متطورة). هذه الدورة المتصاعدة تزيد من تعقيد معادلة الردع الإقليمي وتجعل من الصعب توقع نتائج الصراعات المستقبلية. (19)

خامساً: لبنان كنموذج للردع غير المتماثل في عصر المسيرات الشبحية

تبرز حالة لبنان كنموذج فريد ومعقد في سياق دراسة تأثير المسيرات الشبحية على توازن الردع الإقليمي في شرق المتوسط، حيث تتحول أراضيه إلى ساحة مفتوحة لصراع غير متماثل يعيد تعريف مفاهيم الردع والتفوق الجوي بشكل جذري. فمنذ اندلاع التصعيد في 2 مارس 2026، فبعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إبان انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير لنفس العام, أصبح لبنان منصة انطلاق لعمليات هجومية بطائرات بدون طيار ضد أهداف إسرائيلية، مما أظهر قدرة فاعل غير حكومي (حزب الله) على تعطيل التفوق الجوي الإسرائيلي وخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي التي تعيد إنتاج معضلة الردع الهجين. (20; 23) هذه الظاهرة تستحق وقفة تحليلية معمقة، لأنها تقدم نموذجاً حياً لما يمكن تسميته “الردع بالوكالة، حيث تستخدم قوى إقليمية كإيران أطرافاً غير حكومية على أراضي دول أخرى لتنفيذ استراتيجياتها الردعية، بينما تتحمل الدولة المضيفة (لبنان) ويلات التصعيد دون أن يكون لها صوت في قرار الحرب والسلم. هذا السيناريو يعيد إنتاج، بشكل أكثر تعقيداً، ما حدث في ليبيا وسوريا، لكن مع اختلاف جوهري: ففي ليبيا كانت الأطراف المتصارعة فصائل مسلحة متناحرة ضمن إطار دولة متفككة، أما في لبنان فهناك دولة قائمة بمؤسساتها، لكنها عاجزة عن فرض سيادتها على فاعل مسلح يفوقها قوة وتنظيماً وتسليحاً، مما يضع لبنان في موقع فريد ضمن خريطة الصراع في شرق المتوسط. (21)

في مقابل استخدام حزب الله للمسيرات الهجومية، توظف إسرائيل مسيراتها بشكل مكثف لتنفيذ اغتيالات دقيقة واستهداف البنية التحتية لحزب الله في لبنان، مما يعكس تحولاً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية نحو الاعتماد المتزايد على الطائرات بدون طيار في العمليات الهجومية والاستخباراتية. فمنذ اندلاع التصعيد في 2026، شنت إسرائيل غارات جوية بطائرات بدون طيار استهدفت قيادات ميدانية بارزة، أبرزهم يوسف هاشم (قائد الجبهة الجنوبية لحزب الله) ومحمد باقر النابلسي، في غارات على منطقة جناح بالضاحية الجنوبية لبيروت، وهي المنطقة التي تضم مقار حساسة للحزب وخلال السفارة الإيرانية (22; 23) كما استهدفت مسيرات إسرائيلية في 13 مارس 2026 شقة سكنية في برج حمود، مما أسفر عن مقتل أحد أعضاء حزب الله، في تأكيد على أن عمليات الاغتيال بالمسيرات أصبحت أداة يومية في الصراع. ولم تقتصر الهجمات الإسرائيلية على الطائرات فقط، بل استخدمت إسرائيل زوارقها الحربية لإطلاق صواريخ على أهداف داخل الأراضي اللبنانية، ففي ليلة 1 أبريل 2026، أطلقت إسرائيل غارات على منطقة جناح زوارق حربية إسرائيلية، مما يعكس تكاملاً بين المنصات البحرية والجوية في تنفيذ الضربات. كما أشارت مصادر إلى أن عدة صواريخ أطلقت من طائرة بدون طيار إسرائيلية استهدفت سيارة على الطريق السريع جنوب بيروت في منطقة خلدة، مما يدل على قدرة إسرائيل على استهداف أهداف متحركة بدقة متناهية باستخدام مسيراتها. (22) وبالإضافة إلى العمليات الهجومية، تسير إسرائيل طائرات بدون طيار بشكل شبه دائم في الأجواء اللبنانية لأغراض الاستطلاع والمراقبة والقتال الجوي، وكثيراً ما تشتبك هذه الطائرات مع الدفاعات الجوية لحزب الله؛ ففي 31 مارس 2026، أعلنت المقاومة الإسلامية في لبنان إسقاط طائرة استطلاع إسرائيلية من طراز “هيرمز 450 – زيك” (Hermes 450 – Zik) في أجواء منطقة عيشية في جبال الريحان، مما يؤكد أن الأجواء اللبنانية أصبحت ساحة حرب مفتوحة بين مسيرات الاستطلاع الإسرائيلية وأنظمة الدفاع الجوي لحزب الله. (24)

لطالما كان التفوق الجوي الإسرائيلي حجر الزاوية في استراتيجية الردع الإسرائيلية تجاه لبنان وسوريا منذ عقود، حيث اعتادت القوات الجوية الإسرائيلية، المدعومة بأنظمة دفاع جوي متطورة مثل القبة الحديدية ومقلاع داود، على حرية العمل في أجواء لبنان دون منافسة تذكر. لكن التبادل الهجومي بالمسيرات أثبت أن هذا التفوق لم يعد مطلقاً أو كافياً لردع الخصوم بالشكل المطلوب، فبينما تحتفظ إسرائيل بقدرتها على شن غارات جوية دقيقة باستخدام مسيراتها، تمكن حزب الله بالمقابل من تنفيذ هجمات بطائرات انتحارية تخترق المجال الجوي الإسرائيلي وتصل إلى عمق الأراضي المحتلة. فقد أعلن الحزب عن استهداف قاعدة “ميشمار هكرمل” للدفاع الصاروخي جنوب حيفا بطائرات انتحارية، وهي قاعدة حساسة تضمن أنظمة دفاع جوي متطورة، مما يمثل إنجازاً استخباراتياً وعسكرياً كبيراً لحزب الله. كما هاجم مستوطنات مثل كريات شمونة والمطلة ونهاريا بشكل متكرر، وصولاً إلى استهداف مواقع حساسة مثل قاعدة “ميرون” للعمليات الجوية والتحكم بالطائرات بدون طيار، وقاعدة “رأس الناقورة” البحرية، مما يؤكد أن عمق الأراضي المحتلة لم يعد آمناً من هجمات المسيرات (24; 27). هذا التبادل الهجومي أثبت أن تحقيق “التفوق الجوي” لم يعد كافياً بمفرده لتحقيق الردع، خاصة عندما يمتلك الخصم قدرة على تنفيذ عمليات غير متماثلة بطائرات صغيرة وبطيئة ومنخفضة التكلفة، حيث تظهر المسيرات التي يستخدمها الطرفان (الإسرائيلية والإيرانية الصنع) أن التكافؤ الجوي يمكن تحقيقه ليس من خلال مواجهة الطائرات المقاتلة بنظيراتها، بل من خلال خلق تهديد دائم ومستمر يصعب تحييده بالوسائل التقليدية باهظة الثمن (23; 24; 25(

من أبرز ما كشفته العمليات اللبنانية هو قدرة حزب الله على خلق حالة من غموض الإسناد وعدم اليقين الاستراتيجي بشكل يومي ومستمر، مما أربك القيادة الإسرائيلية وأجبرها على إعادة توزيع قواتها ومواردها. فمن خلال تنفيذ ما يقارب 1,416 عملية منذ 2 مارس 2026 حتى 4 أبريل، بمعدل 38 عملية في 24 ساعة فقط في ذروة التصعيد، شملت هذه العمليات استهداف 16 تمركزاً للجنود والآليات الإسرائيلية في الداخل المحتل، وسبع مستوطنات إسرائيلية (كريات شمونة، المطلة، نهاريا، حولة، معيان باروخ، كفار يوفال، يرؤون)، ومواقع عسكرية متعددة في جنوب لبنان (26; 27) هذا المعدل المرتفع والمستمر من العمليات، الذي يتضمن مزيجاً من الصواريخ والمسيرات الانتحارية والطائرات الانقضاضية (FPV)، ينجح في إرباك القيادة الإسرائيلية وإجبارها على توزيع قواتها على جبهة واسعة ومتشعبة، مما يضعف قدرتها على التركيز على أهداف استراتيجية أخرى، فبدلاً من أن تواجه إسرائيل تهديداً واحداً يمكن توقع مصدره وتوقيته، تجد نفسها أمام عشرات العمليات اليومية التي تأتي من اتجاهات متعددة وبوسائل متنوعة، مما يخلق حالة من الردع بالاستنزاف. (24; 25) ويمثل هذا الأسلوب تحولاً جذرياً من مفهوم الردع التقليدي القائم على الضربة القاضية أو “الردع بالعقاب إلى مفهوم الردع بالاستنزاف، فبدلاً من أن يهدد حزب الله بضربة واحدة مدمرة قد تثير رد فعل دولي واسع، يمارس ضغطاً يومياً ومستمراً، مما يخلق حالة من التعب الاستراتيجي لدى الطرف الآخر، ويستنزف قدراته المالية والعسكرية والنفسية. حيث يصعب هذا النوع من الردع مواجهته بأنظمة الدفاع الجوي باهظة الثمن التي صممت لاعتراض أهداف قليلة ومحددة، وليس لمواجهة وابل يومي من المسيرات الرخيصة، كما أنه يجعل من المستحيل تقريباً تحقيق “السيادة الجوية بالمعنى التقليدي، لأن الخصم لا يسعى لمواجهة الطائرات المقاتلة في الجو، بل لإيجاد ثغرات في شبكة الدفاع الجوي واستغلالها لتنفيذ ضربات متفرقة لكنها مؤثرة نفسياً وإعلامياً، إنها معادلة جديدة: التفوق في عدد العمليات وتنوعها وتكرارها، قد يعادل أو يفوق قيمة التفوق في نوعية الطائرات وقوة الصواريخ. (20)

وبذا يمكن القول إن لبنان قد تحول إلى نموذج حي لـ”معضلة الردع الهجين في شرق المتوسط، وهي معضلة تتكون من طبقتين متشابكتين تعكسان تعقيد العلاقة بين الردع العسكري والسيادة الوطنية. فالطبقة الأولى تتمثل في عجز القوى التقليدية عن الردع الشامل، حيث تعجز قوة كبرى مثل إسرائيل عن تحقيق ردع كامل باستخدام تفوقها الجوي التقليدي، وذلك بسبب قدرة الخصم (حزب الله) على استخدام تكنولوجيا المسيرات في حرب استنزاف غير متماثلة، فإسرائيل تستطيع تدمير البنية التحتية لحزب الله باستخدام مسيراتها الهجومية، لكنها لا تستطيع منعه من إطلاق المسيرات، خاصة مع قدرته على تجديد ترسانته وتنويع تكتيكاته بسرعة، مما يضع إسرائيل في موقف دفاعي دائم بدلاً من هجومي. أما الطبقة الثانية فهي عجز الدولة الضعيفة عن استغلال قدرات الردع لصالحها، حيث تعجز الدولة اللبنانية عن استغلال قدرات الردع المتاحة لديها (عبر حلفائها) لتحقيق أمنها واستقرارها، بل على العكس، تتحول هذه القدرات إلى عبء إضافي يهدد وجودها ذاته، فلبنان يدفع ثمن قدرات حزب الله الردعية ثمناً باهظاً من حيث: تدمير البنية التحتية (جسور، مصانع، أحياء سكنية)، نزوح المدنيين (أكثر من 100 ألف نازح وفق تقديرات غير رسمية)، تعليق حركة الطيران في مطار بيروت، وتعزيز شلل الاقتصاد الوطني أصلاً المنهار. كما أن استهداف القاعدة البريطانية في قبرص (RAF Akrotiri) بطائرات انطلقت من السواحل اللبنانية، جعل لبنان نقطة اشتعال تهدد مصالح القوى الكبرى مباشرة، وأظهر كيف يمكن لصراع محلي أن يتحول إلى أزمة إقليمية تمس دولاً أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، مما يضع لبنان في موقع المواجهة مع قوى لا طاقة له بها.

العنصر الثالث: سلاسل التوريد الدولية ودور القوى الكبرى

أولاً: دور “محور التهرب” بين الصين وروسيا وإيران في تزويد إيران بتكنولوجيا المسيرات

من أبرز التطورات المهمة في المشهد الجيوسياسي لانتشار المسيرات الشبحية هو تشكل ما يمكن تسميته بـمحور التهرب” بين الصين وروسيا وإيران. ففي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة والغرب عزل إيران اقتصاديًا وعسكريًا عبر عقوبات قاسية وتقييد وصولها إلى التكنولوجيا الحديثة، تعمل الصين وروسيا بشكل منهجي على توفير بدائل لهذه التكنولوجيا، إما بشكل مباشر أو عبر قنوات خلفية معقدة. (13)

الدور الصيني: تعتبر الصين المصدر الرئيسي للمكونات الإلكترونية والتكنولوجيا الحيوية لبرنامج المسيرات الإيراني. فشركات صينية (قد تكون تابعة للحكومة أو تعمل بتواطؤها) تزود إيران بمكونات لا يمكنها الحصول عليها من الغرب بسبب العقوبات، مثل: محركات صغيرة عالية الكفاءة، شرائح إلكترونية متقدمة (FPGAs، معالجات)، أنظمة ملاحة بالقصور الذاتي (INS)، كاميرات حرارية عالية الدقة، وأجهزة استقبال GPS/GLONASS/BeiDou. كما تقدم الصين الدعم الفني والتدريب للخبراء الإيرانيين. من جهة أخرى، تشتري الصين النفط الإيراني الرخيص بكميات كبيرة، مما يوفر لطهران التمويل اللازم لتطوير برامجها العسكرية، بما فيها المسيرات. (13)

الدور الروسي: بعد غزو أوكرانيا وزيادة عزلة روسيا عن الغرب، تعمق التعاون العسكري بين موسكو وطهران بشكل كبير. اشترت روسيا مئات المسيرات الإيرانية (خاصة Shahed-136 الانتحارية و Mohajer-6 المسلحة)، واستخدمتها بشكل مكثف في حربها ضد أوكرانيا، مما أتاح لها فرصة اختبارها وتطويرها في ساحة حرب حقيقية. في المقابل، تقدم روسيا لإيران تكنولوجيا أكثر تطورًا، مثل أنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة، وتكنولوجيا الأقمار الصناعية (لتحسين دقة التوجيه)، وربما حتى طائرات مقاتلة متطورة (Su-35). كما أن التعاون يمتد إلى تبادل الخبرات في مجال تطوير المسيرات الشبحية والطائرات الانتحارية. (13)

يسمح محور التهرب لإيران بمواصلة تطوير وتعقيد ترسانتها من المسيرات، رغم العقوبات الدولية، بل ويجعلها دولة مصدرة لهذه التكنولوجيا إلى حلفائها في المنطقة (حزب الله، الميليشيات العراقية، الحوثيون)، مما يوسع نطاق التهديد ويزيد من فعاليته. كما يخلق هذا المحور تحديًا كبيرًا للولايات المتحدة وحلفائها، الذين يجدون أنفسهم في سباق مع الزمن لمواكبة التطور التكنولوجي السريع لخصومهم، مع صعوبة السيطرة على سلاسل التوريد العالمية المعقدة والمتشابكة.

ثانياً: تأثير سلاسل التوريد الدولية على انتشار المسيرات الشبحية في المنطقة

لا تقتصر سلاسل التوريد على نقل التكنولوجيا من الشرق إلى الغرب، بل تلعب دورًا حاسمًا في انتشار المسيرات الشبحية وتنوعها في منطقة شرق المتوسط. فالعديد من الدول الإقليمية، التي لا تمتلك القدرة على تطوير هذه التكنولوجيا محليًا بشكل كامل، تلجأ إلى استيرادها من مصادر متعددة، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من الصعب تتبع قدرات كل دولة بدقة. (13)

فمثلاً، حصلت مصر على مسيرات صينية (Wing Loong) وتركية (Bayraktar TB2)، وتفكر في الحصول على مسيرات روسية. وحصلت الإمارات على مسيرات صينية (Wing Loong II) وصنعت نسخة محلية منها (Yabhon). وحصلت قطر والسعودية والمغرب والجزائر على مسيرات من مصادر متعددة. هذا التنوع في سلاسل التوريد يجعل من الصعب وضع سياسة غربية موحدة للحد من انتشار هذه التكنولوجيا، فحظر مصدر واحد قد يدفع الدولة إلى اللجوء إلى مصدر آخر منافس. (13)

كما أن توفر هذه التكنولوجيا في الأسواق العالمية (حتى لو بطرق غير رسمية) يقلل من تكلفة امتلاكها، ويجعلها في متناول دول كانت تعتبر في السابق خارج دائرة القوى العسكرية الكبرى. مما يؤدي إلى تآكل الاحتكار التكنولوجي للقوى العظمى، ويساهم في خلق نظام دولي أكثر تعددية للأقطاب وأكثر اضطرابًا. (9)

ثالثاً: الدور الروسي في دعم القدرات الجوية في سوريا وليبيا

يلعب الوجود العسكري الروسي في سوريا، من خلال قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، دورًا محوريًا في دعم القدرات الجوية لحلفائها، وفي تشكيل بيئة العمليات الجوية في شرق المتوسط بأكملها. فمنذ تدخلها العسكري عام 2015، أنشأت روسيا منظومة دفاع جوي متكاملة ومتطورة في سوريا، تضم أنظمة S-400 و S-300 و Pantsir-S1، بالإضافة إلى طائرات مقاتلة متطورة (Su-35، Su-34). هذه المنظومة، التي تسيطر عليها روسيا بالكامل، تجعل من الأجواء السورية واحدة من أكثر الأجواء المحمية في العالم، وتشكل رادعًا قويًا لأي قوة خارجية تفكر في التدخل عسكريًا ضد نظام الأسد.

لا تخدم هذه القواعد الروسية لا تخدم الأهداف السورية فقط، بل توفر لموسكو قدرة على إسقاط القوة في جميع أنحاء شرق المتوسط، ومراقبة تحركات القوات البحرية والجوية لحلف الناتو، والتدخل بسرعة في حالات الطوارئ (كما حدث في ليبيا أو أرمينيا أو أوكرانيا). كما تستخدم روسيا هذه القواعد كورقة ضغط قوية في مفاوضاتها مع القوى الغربية حول ملفات أخرى (أوكرانيا، الناتو، العقوبات).

في ليبيا، كان الدعم الروسي (عبر مرتزقة مجموعة فاغنر والقوات الجوية غير الرسمية) أقل علانية منه في سوريا، لكنه كان مهمًا في دعم قوات حفتر. ورغم أن روسيا لم تنشر قواعد جوية رئيسية في ليبيا (حتى الآن)، إلا أنها أرسلت طائرات مقاتلة (MIG-29، Su-35) عبر سوريا لدعم قوات حفتر، ونشرت منظومات دفاع جوي (Pantsir-S1)، وقدمت مستشارين عسكريين. هذا الدعم، وإن لم يكن كافيًا لقلب موازين القوى لصالح حفتر (بسبب التدخل التركي المباشر)، إلا أنه ساهم في إطالة أمد الصراع وتعقيده، وأظهر قدرة روسيا على التدخل في أكثر من مسرح في وقت واحد ((7).

على الجانب الآخر من معادلة الردع، تواجه القوى الغربية تحديات كبيرة في تطوير ونشر قدرات فعالة للدفاع ضد المسيرات (C-UAS)، على الرغم من إدراكها المتزايد لحجم التهديد. ففي الوقت الذي استطاعت فيه دول مثل أوكرانيا، بدعم غربي جزئي، تطوير منظومة دفاع مرنة ومتنوعة ضد المسيرات خلال فترة قصيرة نسبيًا، اعتمدت على مزيج من التقنيات البسيطة والمنخفضة التكلفة (مثل المدافع الرشاشة القديمة، وأجهزة استشعار صوتية تعتمد على الهواتف المحمولة) جنبًا إلى جنب مع أنظمة متطورة، عانت القوات الأمريكية والبريطانية في الشرق الأوسط من فجوات كبيرة في هذا المجال. فقد أظهرت الهجمات المتكررة بالمسيرات الإيرانية والانتحارية (Shahed-136) على القواعد الأمريكية في الأردن وسوريا والكويت، وكذلك على القاعدة البريطانية في قبرص، أن أنظمة الدفاع الجوي التقليدية باهظة الثمن (مثل صواريخ Patriot وAster 15 التي يتجاوز سعر الواحدة منها المليون دولار) ليست حلاً مستدامًا اقتصاديًا أو تشغيليًا لمواجهة مسيرات لا تتجاوز تكلفتها عشرات الآلاف من الدولارات. (19)

تكمن جذور هذه المشكلة في عدة عوامل. أولاً، على الرغم من أن خطر المسيرات كان معروفًا منذ عام 2017 على الأقل، إلا أن برامج تطوير أنظمة مضادة للمسيرات في الغرب سارت بوتيرة بطيئة وركزت على أنظمة متطورة باهظة الثمن وقليلة العدد، مثل نظام IM-SHORAD الأمريكي الذي استغرق سنوات طويلة من التطوير والاختبار قبل أن يبدأ في الانتشار المحدود. (19) ثانيًا، أدى الاعتماد على أنظمة الاعتراض باهظة الثمن إلى تفاقم “معضلة منحنى التكلفة” (Cost Curve Challenge)، حيث تستنزف القوة العظمى مواردها المالية بسرعة في محاولة لاعتراض أهداف رخيصة، وهو ما يهدد استدامة الردع على المدى الطويل. ثالثًا، أظهرت التجارب في أوكرانيا أن الدفاع الفعال ضد المسيرات يعتمد على نشر أنظمة متعددة ومتنوعة بتكلفة معقولة، وبتوزيعها بشكل كثيف على طول الجبهة، وربطها بشبكة استشعار وإنذار مبكر فعالة، وهو ما لم تنجح القوات الغربية بعد في تحقيقه في مسارح عملياتها الخاصة. (19)

تشير هذه الإخفاقات النسبية إلى وجود فجوة في الاستعداد والتكيف لدى القوى الغربية، مما يعزز الموقف الإقليمي للدول التي استثمرت بسرعة وفعالية في هذه التكنولوجيا، مثل تركيا، ويشجع دولاً أخرى مثل إيران على مواصلة تطوير قدراتها الهجومية في هذا المجال، مدركة أن خصومها الإقليميين والدوليين لا يمتلكون بعد دفاعات كافية لمواجهتها. هذا الواقع يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى توازن الردع الإقليمي، حيث لا يكفي أن تمتلك دولة ما قدرات هجومية متطورة، بل يجب أن تكون قادرة أيضًا على حماية نفسها من هجمات مماثلة، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا للقوى التقليدية المهيمنة في المنطقة.

خاتمة الدراسة

خلصت هذه الدراسة إلى أن انتشار المسيرات الشبحية في شرق المتوسط يمثل تحولاً جوهرياً في بنية الردع الإقليمي، يتجاوز مجرد إضافة سلاح جديد إلى الترسانات العسكرية، ليعيد صياغة المفاهيم الأساسية للقدرة الهجومية، والإنذار المبكر، والشفافية الاستراتيجية، وقواعد الاشتباك. فقد أظهرت الحالات الثلاث المدروسة (ليبيا، سوريا، والصراع البحري في شرق المتوسط) أن هذه التكنولوجيا تعمل على طمس الحدود بين السلم والحرب، وبين الاستخبارات والضربات العسكرية، وبين الدفاع والهجوم، مما يخلق حالة من الغموض الاستراتيجي تزيد من احتمالية سوء التقدير والتصعيد غير المحسوب.

تخلص هذه الدراسة إلى أن انتشار المسيرات الشبحية في شرق المتوسط لم يعد ظاهرة إقليمية محدودة، بل تحول إلى انعكاس مباشر للصراع العالمي على الهيمنة التكنولوجية والعسكرية. فما نشهده اليوم في مياه المتوسط وسمائه ليس سوى مسرح عمليات لصراع أكبر، يدور في المقام الأول بين قوى تسعى إلى كسر الاحتكار الغربي للتكنولوجيا العسكرية المتطورة، وقوى أخرى تحاول الحفاظ على تفوقها التقليدي في مواجهة تهديدات غير متماثلة لم تكن مستعدة لها.

لقد أثبت محور التهرب بين الصين وروسيا وإيران أنه أكثر من مجرد تحالف تكتيكي عابر، بل هو شبكة متكاملة من المصالح والتبادل التكنولوجي والمالي، تمكن طهران من تجاوز عقود من العقوبات الدولية وبناء ترسانة مسيرات متطورة أصبحت تهدد القواعد الأمريكية في عمق الشرق الأوسط وتصل حتى أوروبا. هذا المحور لم يقتصر على توفير المكونات الإلكترونية والشرائح المتطورة، بل تعداه إلى نقل الخبرات القتالية وتطوير القدرات المشتركة في ساحات حرب حقيقية كأوكرانيا وسوريا واليمن. إنه تحالف قائم على منطق القوة ومواجهة الهيمنة الغربية، وليس على أيديولوجيا أو صداقة عابرة.

في الجانب الآخر من المعادلة، تظهر القوى الغربية بمظهر القوى العملاقة التي تفتقر إلى أبسط وسائل الدفاع عن منشآتها وجنودها في مواجهة مسيرات لا تكلف سوى عشرات الآلاف من الدولارات. فالمشهد الذي رأيناه في الهجمات المتكررة على القواعد الأمريكية في الأردن وسوريا والكويت، والضربة التي طالت القاعدة البريطانية في قبرص، ليس مجرد إخفاقات تكتيكية عابرة، بل هو دليل على فشل استراتيجي في تقدير التهديد والاستجابة له. فبينما استطاعت أوكرانيا، في ظل ظروف أكثر صعوبة، أن تبني منظومة دفاع مرنة تعتمد على مزيج من التقنيات البسيطة والمنخفضة التكلفة مع أنظمة متطورة، ظلت القوات الأمريكية والبريطانية أسيرة ثقافة عسكرية تقليدية ترى في الصواريخ باهظة الثمن الحل الوحيد لكل تهديد، متجاهلة أن استنزاف الموارد بهذه الطريقة سيؤدي إلى إفلاس الردع قبل أن يبدأ.

إن معضلة منحنى التكلفة التي تعاني منها واشنطن ولندن اليوم ليست مجرد مشكلة اقتصادية، بل هي انعكاس لاختلال عميق في مفهوم الردع نفسه. فكيف يمكن لدولة عظمى أن تردع خصوماً يدركون أن تكلفة هجومهم لا تتجاوز جزءاً بسيطاً من تكلفة الدفاع عنه؟ هذا الاختلال يخلق حالة من عدم التماثل الخطيرة، حيث يجد الخصم الأضعف تقنياً أن لديه حافزاً قوياً لمواصلة تطوير وتكثيف هجماته، مدركاً أن خصمه الأقوى سيجد نفسه عاجزاً عن الاستمرار في سباق الاستنزاف هذا.

أما الدور الروسي في شرق المتوسط، فهو أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى. فموسكو لم تكتفِ بدعم المسيرات الإيرانية أو تزويد حلفائها بتكنولوجيا متطورة، بل أنشأت في سوريا منظومة دفاع جوي متكاملة جعلت من أجواء الشام واحدة من أكثر الأجواء تحصيناً في العالم. هذه المنظومة لا تحمي نظام الأسد فحسب، بل توفر لروسيا قدرة غير مسبوقة على إسقاط القوة في جميع أنحاء شرق المتوسط، ومراقبة تحركات حلف الناتو، والتدخل السريع في أي أزمة. إن القواعد الروسية في حميميم وطرطوس لم تعد مجرد قواعد عسكرية تقليدية، بل أصبحت نقاط ارتكاز استراتيجية تمكن موسكو من لعب دور الحكم في أي معادلة إقليمية.

ما يثير القلق حقاً في هذه المعادلة هو أن الفجوة بين القدرات الهجومية والدفاعية تتسع يوماً بعد يوم. فبينما تمضي الدول مثل تركيا وإيران قدماً في تطوير مسيرات شبحية وهجومية أكثر تطوراً، تظل القوى الغربية غارقة في بيروقراطيات التطوير الطويلة وبرامج التسليح الباهظة التي قد تستغرق سنوات قبل أن تقدم أي حلول عملية. إن تجربة الولايات المتحدة مع نظام IM-SHORAD، الذي استغرق سنوات طويلة من التطوير والاختبار قبل أن يبدأ في الانتشار المحدود، هي خير مثال على هذا الجمود المؤسسي الذي لا يتناسب مع سرعة تطور التهديد.

في هذا المشهد المعقد للصراع التكنولوجي والجيوسياسي، تبرز إسرائيل كنموذج فريد يجمع بين عناصر متعارضة. فمن جهة، تمتلك تل أبيب واحدة من أكثر المنظومات الدفاعية تطوراً في العالم، حيث استثمرت لعقود في بناء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات (Iron Dome، David’s Sling، Arrow، Iron Beam) أثبتت كفاءتها في اعتراض آلاف الصواريخ والمسيرات خلال الحرب الراهنة مع إيران وحزب الله، معتمدة على مزيج من التكنولوجيا المتطورة والابتكار المحلي والدعم الأمريكي الواسع. ومن جهة أخرى، تواجه إسرائيل ذاتها تحديات جسيمة في التكيف مع سرعة تطور التهديد، حيث أظهرت بعض الاختراقات الأمنية (كاستهداف القاعدة البريطانية في قبرص بمسيرات إيرانية) أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي، بل هناك حاجة إلى منظومة متكاملة من الكشف المبكر، والاستخبارات الدقيقة، والدفاع المنتشر.

ما يميز النموذج الإسرائيلي هو قدرته على التعلم السريع من ساحات القتال الأخرى، خاصة أوكرانيا، حيث أرسلت تل أبيب مؤخرًا وفداً لطلب المساعدة في تطوير قدراتها المضادة للمسيرات، مستفيدة من الخبرة الأوكرانية في اعتراض المسيرات الإيرانية (Shahed) باستخدام مزيج من التقنيات البسيطة والمنخفضة التكلفة. كما أن إسرائيل كانت سباقة في تطوير حلول مبتكرة مثل منظومة Iron Beam القائمة على الليزر، والتي توفر حلاً منخفض التكلفة لكل اعتراض (بضعة دولارات فقط) مقارنة بصواريخ الاعتراض باهظة الثمن، مما قد يشكل تحولاً في معادلة التكلفة التي تعاني منها القوى الغربية. هذا التوجه يعكس إدراكاً استراتيجياً بأن الردع الفعال في عصر المسيرات لا يمكن أن يعتمد فقط على التفوق التكنولوجي المطلق، بل يحتاج إلى مزيج من الابتكار السريع، وخفض التكاليف، ودمج الوسائل التقليدية والحديثة في منظومة دفاعية متكاملة ومرنة.

ومع ذلك، تظل إسرائيل في موقع هشّ بسبب اعتمادها الكبير على الدعم الأمريكي في تمويل وتشغيل منظوماتها الدفاعية، وارتباط أمنها القومي باستمرار التدفق التكنولوجي والاستخباراتي من واشنطن. كما أن سياساتها الإقليمية، وتورطها في صراعات متعددة الجبهات (إيران، حزب الله، حماس، والوجود الروسي في سوريا)، تجعلها عرضة لضغوط متزايدة قد تستنزف قدراتها الردعية على المدى الطويل. في المحصلة، تقدم إسرائيل درساً مهماً للقوى الإقليمية والدولية: أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي لضمان الردع، بل إن القدرة على التكيف السريع، وبناء أنظمة دفاعية متعددة الطبقات ومنخفضة التكلفة، وإدارة التحالفات بحكمة، هي مفاتيح البقاء في عصر المسيرات الشبحية.
في مقابل هذه الديناميكيات، تقدم الحالة اللبنانية نموذجاً فريداً وأكثر تعقيداً، حيث يتحول فاعل غير حكومي (حزب الله) إلى عنصر مؤثر في معادلة الردع الإقليمي باستخدام المسيرات الانتحارية والهجومية، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها والتحكم بقرار الحرب والسلم. فمنذ مارس 2026، أثبت حزب الله قدرته على تنفيذ أكثر من 1,400 عملية ضد أهداف إسرائيلية في عمق الأراضي المحتلة، باستخدام مسيرات رخيصة اخترقت أنظمة الدفاع الجوي المتطورة مثل القبة الحديدية، وخلقت حالة من “الردع بالاستنزاف” اليومي أربكت القيادة الإسرائيلية وأجبرتها على توزيع قواتها على جبهة واسعة. في المقابل، استخدمت إسرائيل مسيراتها بشكل مكثف لتنفيذ اغتيالات دقيقة ضد قيادات حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، مستخدمة مزيجاً من الطائرات بدون طيار والزوارق الحربية والصواريخ.

تكشف الحالة اللبنانية عن معضلة جديدة لم تظهر بنفس الحدة في بقية الحالات المدروسة، وهي معضلة الردع الهجين ذات الطبقتين: فمن جهة، تعجز قوة تقليدية كبرى مثل إسرائيل عن تحقيق ردع كامل باستخدام تفوقها الجوي التقليدي، بسبب قدرة الخصم على استخدام تكنولوجيا المسيرات في حرب استنزاف غير متماثلة. ومن جهة أخرى، تعجز الدولة اللبنانية عن استغلال قدرات الردع المتاحة لديها لتحقيق أمنها واستقرارها، بل تتحول هذه القدرات إلى عبء إضافي يهدد وجودها ذاته، وتدفع ثمناً باهظاً من تدمير البنية التحتية، ونزوح المدنيين، وشلل الاقتصاد الوطني. كما أن امتداد الهجمات إلى استهداف القاعدة البريطانية في قبرص جعل من لبنان نقطة اشتعال تهدد مصالح القوى الكبرى مباشرة، وأظهر كيف يمكن لصراع محلي أن يتحول إلى أزمة إقليمية تمس دولاً أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

في المحصلة، تؤكد الحالة اللبنانية إحدى الفرضيات المركزية لهذه الدراسة: أن انتشار المسيرات الشبحية وتكنولوجيا الحروب غير المتماثلة لا يعيد تعريف توازن القوى بين الدول فحسب، بل يعيد تعريف مفهوم الدولة ذاتها، ويخلق فواعل جدد من غير الدول قادرون على التأثير في معادلات الردع الإقليمي، بينما تتراجع قدرة الدول القومية على التحكم بمصيرها. هذا يشكل تحذيراً خطيراً لمستقبل الدولة الوطنية في عصر الحروب الهجينة، ويطرح تساؤلات حول جدوى الردع العسكري عندما يكون على حساب السيادة والاستقرار الوطني.

النتائج

أولاً، توصلت الدراسة إلى أن المسيرات الشبحية تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم التفوق الجوي كما عرفته العقيدة العسكرية التقليدية لعقود طويلة. فلم تعد السيطرة على الأجواء حكراً على الدول الكبرى التي تمتلك أسراباً ضخمة من الطائرات المقاتلة المتطورة وأنظمة دفاع جوي باهظة الثمن، بل أصبح بمقدور دول ذات إمكانيات متوسطة تحقيق مستويات متقدمة من الهيمنة الجوية بتكاليف محدودة نسبياً، وبمخاطر أقل على الأرواح. هذا التحول يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي غير المسبوقة، حيث تجد الدول الكبرى نفسها أمام خصوم لا يمكنها توقع تحركاتهم بدقة، ولا يمكنها مواجهة قدراتهم بنفس الأدوات التي اعتادت عليها. الأهم من ذلك أن الدراسة كشفت عن بعد آخر لهذا التحول، يتمثل في الالتزامات القانونية والإنسانية المتزايدة التي تفرضها هذه التكنولوجيا على الدول المالكة لها. فكلما زادت قدرة الدولة على التحكم في المجال الجوي، وزادت أدوات المراقبة والاستهداف الدقيقة المتاحة لها، زادت مسؤوليتها في اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين والأعيان المدنية، وهو ما يحول التفوق الجوي من ميزة عسكرية بحتة إلى اختبار حقيقي للمصداقية الأخلاقية والقانونية للدولة.

ثانياً، كشفت الدراسة أن صعوبة الإسناد التي تخلقها المسيرات الشبحية تُضعف بشكل خطير فعالية الردع التقليدي، وتزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب الذي قد يجر المنطقة بأسرها إلى مواجهة واسعة النطاق. ففي غياب القدرة على تحديد مصدر الضربة الجوية بدقة، يصبح من المستحيل تقريباً تصميم ردع مناسب قائم على التهديد بعقوبة مؤكدة، أو حتى توجيه المساءلة القانونية والدبلوماسية للطرف المعتدي. هذا الغموض الاستراتيجي لا يعقد آليات الردع القائمة على التصعيد التدريجي والمحاسبة الواضحة فحسب، بل يخلق مناطق رمادية خطيرة يصعب فيها التمييز بين العمليات الاستخباراتية الروتينية والضربات الاستباقية، وبين الاستعداد للدفاع والتهديد بالهجوم. وفي هذه المناطق الرمادية، تصبح الحسابات الخاطئة أكثر احتمالاً، وتصبح فرص التصعيد غير المقصود أكبر، مما يجعل المنطقة برمتها أشبه بقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.

ثالثاً، أثبتت الدراسة أن ليبيا كانت أكثر من مجرد ساحة حرب إقليمية عابرة، بل شكلت مختبراً حقيقياً أسس لنموذج جديد في استخدام التكنولوجيا العسكرية الناشئة كأداة للردع الإقليمي. ففي غضون أسابيع قليلة، تمكنت تركيا من قلب موازين الحرب لصالح حكومة الوفاق الوطني، ليس من خلال نشر قوات برية ضخمة أو استخدام طائرات مقاتلة متطورة، بل عبر تسخير قدرات المسيرات Bayraktar TB2 في استراتيجية متكاملة جمعت بين الضربات الجراحية الدقيقة، والاستطلاع المستمر، والتنسيق المباشر مع القوات البرية. هذا النجاح لم يكن مجرد إنجاز تكتيكي عابر، بل كان بمثابة رسالة واضحة للقوى الإقليمية والدولية مفادها أن التفوق في المعدات التقليدية لم يعد كافياً لضمان النصر، وأن الدول المتوسطة يمكنها الآن تحقيق تأثير استراتيجي غير مسبوق بتكاليف محدودة نسبياً، وبخسائر بشرية أقل بكثير مما كانت ستتكبده في حرب تقليدية. هذا النموذج الجديد في الردع غير المتماثل غير بشكل جذري حسابات المخاطر لدى جميع الأطراف، وأظهر أن الجغرافيا السياسية التقليدية لم تعد وحدها التي ترسم خريطة القوى في المنطقة.

رابعاً، قدمت إسرائيل في سوريا، نموذجاً مختلفاً ومكملاً لاستخدام المسيرات الشبحية، ليس كأداة في معركة مفتوحة، بل كأداة فعالة للردع الاستباقي في حرب الظل المستمرة ضد إيران وحلفائها. فمن خلال تنفيذ مئات الضربات الجراحية في العمق السوري، واستهداف القواعد الإيرانية ومخازن الأسلحة وقوافل الإمداد المتجهة إلى حزب الله، تمكنت تل أبيب من تحقيق عدة أهداف استراتيجية في وقت واحد: منع إيران من ترسيخ وجودها العسكري في سوريا، وإضعاف قدرات حزب الله النوعية، واختبار أنظمة الدفاع الجوي الروسية والسورية المتطورة وجمع معلومات استخباراتية قيمة عنها، وإرسال رسالة واضحة بأن إسرائيل تمتلك القدرة على ضرب أي هدف في أي وقت دون أن تردعها أي دفاعات جوية. هذا النموذج يمثل تطبيقاً عملياً لنظرية الردع بالحرمان في بيئة شديدة التعقيد والتنازع، حيث تسعى الدولة إلى حرمان خصومها من القدرات التي قد تمكنهم من تهديد أمنها القومي، ليس بالدفاع السلبي فقط، بل بالضربات الاستباقية النشطة التي تستغل قدرات المسيرات الشبحية في اختراق الدفاعات وتنفيذ المهام بنجاح.

خامساً، توصلت الدراسة إلى أن شرق المتوسط يشهد اليوم “لعبة كبرى جديدة” تعيد فيها الدول ترتيب تحالفاتها وأولوياتها الأمنية بشكل لم يسبق له مثيل منذ عقود، استجابة لانتشار المسيرات الشبحية والقدرات العسكرية الناشئة. ففي مواجهة النفوذ التركي المتصاعد، تشكل تحالف غير تقليدي جمع بين اليونان وإسرائيل وفرنسا، تجسد في مشروع “أخيل شيلد” الذي يهدف إلى بناء منظومة دفاع جوي متكاملة بالتعاون مع تل أبيب، والتمارين العسكرية المشتركة، وتبادل الاستخبارات، والدعم الدبلوماسي الموحد. في المقابل، تشكل محور أنقرة-الدوحة كقطب منافس، مدعوماً بتحالفات متشعبة مع ليبيا وأذربيجان، وعلاقات معقدة ومتقلبة مع روسيا وإيران. هذا الاستقطاب الحاد لم يقتصر على شرق المتوسط فقط، بل امتد ليشمل مناطق أخرى مثل ليبيا والقرن الأفريقي والساحل والبلقان، مما جعل من الصعب فصل الصراع الإقليمي في المتوسط عن الصراعات الأخرى، وحول المنطقة بأسرها إلى رقعة شطرنج معقدة تتحرك عليها قطع متعددة بألوان وولاءات مختلفة.

سادساً، كشفت الدراسة عن دور حاسم لسلاسل التوريد الدولية في انتشار المسيرات الشبحية، حيث أثبت “محور التهرب” بين الصين وروسيا وإيران قدرته على تجاوز العقوبات الدولية وتزويد طهران بالتكنولوجيا والمكونات الإلكترونية الحيوية اللازمة لتطوير ترسانتها من المسيرات. هذا التعاون لم يقتصر على توريد المكونات فحسب، بل شمل نقل الخبرات الفنية والتدريب، بل وتبادل الخبرات القتالية في ساحات حرب حقيقية كأوكرانيا. هذا المحور يمثل تحديًا وجوديًا للسياسات الغربية، حيث يثبت أن سباق التسلح بالمسيرات لم يعد مقيدًا بالحدود الجغرافية أو العقوبات الاقتصادية، بل أصبح ظاهرة عالمية متشابكة تتحرك فيها التكنولوجيا والأفكار والخبرات عبر قنوات رسمية وغير رسمية، مما يجعل من الصعب على أي قوة مهما كانت عظمتها السيطرة عليه أو احتواؤه.

سابعاً، خلصت الدراسة إلى أن الفترة من مارس إلى أبريل 2026 شهدت تحولاً جوهرياً في طبيعة الصراع اللبناني-الإسرائيلي، حيث أصبحت المسيرات سلاحاً رئيسياً يستخدمه طرفا النزاع بأسلوبين متقابلين. فمن جهة، أثبت حزب الله خلال هذه الفترة قدرته على تنفيذ ما يزيد على 1,400 عملية باستخدام مسيرات انتحارية رخيصة اخترقت المجال الجوي الإسرائيلي ووصلت إلى عمق الأراضي المحتلة، مما خلق حالة من “الردع بالاستنزاف” اليومي أربك القيادة الإسرائيلية. ومن جهة مقابلة، استخدمت إسرائيل مسيراتها المتطورة في تنفيذ اغتيالات دقيقة استهدفت قيادات بارزة في حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، إلى جانب استهداف البنية التحتية للمسيرات والصواريخ في جنوب لبنان. هذا التبادل الهجومي كشف عن مفارقة جوهرية: فبينما تمكنت إسرائيل من تدمير القدرات القيادية والتشغيلية للحزب، عجزت عن وقف وابل العمليات اليومي بالمسيرات الرخيصة، مما أثبت أن التفوق التكنولوجي التقليدي وحده لم يعد كافياً لتحقيق الردع الشامل، وأن معادلة القوى في شرق المتوسط دخلت مرحلة جديدة يعيد فيها الطرف الأضعف تعريف قواعد الاشتباك عبر تكنولوجيا المسيرات غير المتماثلة.

أخيراً، أثبتت الدراسة أن الوجود العسكري الروسي في سوريا، من خلال قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، تجاوز كونه مجرد دعم لنظام سياسي، ليصبح عاملاً رئيسياً في تشكيل بيئة العمليات الجوية في شرق المتوسط بأكمله. فهذه القواعد، المدعومة بأنظمة دفاع جوي متطورة من طراز S-400 و S-300، جعلت من الأجواء السورية واحدة من أكثر الأجواء المحمية في العالم، ووفرت لموسكو قدرة غير مسبوقة على إسقاط القوة في جميع أنحاء المنطقة، ومراقبة تحركات القوات البحرية والجوية لحلف الناتو، والتدخل بسرعة في حالات الطوارئ. هذا الوجود أضاف بعدًا جديدًا للمعادلة، حيث أصبحت موسكو قادرة على فرض منطقة حظر طيران بحكم الأمر الواقع فوق أجزاء واسعة من شرق المتوسط، مما قيد حرية تحرك القوى الأخرى وأعاد تعريف موازين القوى الإقليمية. كما أن استخدام روسيا لهذه القواعد كورقة ضغط قوية في مفاوضاتها مع الغرب حول ملفات أخرى كأوكرانيا والناتو والعقوبات، يظهر أن شرق المتوسط لم يعد مجرد ساحة صراع إقليمي، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من الصراع العالمي على الهيمنة والنفوذ.

سيناريوهات التصعيد المحتملة في شرق المتوسط في ضوء انتشار المسيرات الشبحية

بناءً على التحليل الذي قدمته الدراسة لديناميكيات الصراع في شرق المتوسط، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسية للتصعيد، تتفاوت في احتمالية حدوثها وفي شدتها، لكنها جميعًا تشكل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الإقليمي في ظل انتشار المسيرات الشبحية وتعدد الفاعلين وتشابك التحالفات.

السيناريو الأول: التصعيد التدريجي غير المحسوب

يتمثل هذا السيناريو في أن يؤدي حادث بحري أو جوي عابر، لم يكن مقصودًا من أي طرف، إلى دوامة تصعيد لا يمكن السيطرة عليها بسبب غموض الإسناد وغياب قنوات الاتصال المباشرة. ففي ظل انتشار المسيرات الشبحية، يصبح من المستحيل في كثير من الأحيان تحديد مصدر الضربة بدقة، خاصة إذا تم تنفيذها من مناطق متنازع عليها أو باستخدام تكنولوجيا التخفي. قد تقوم مسيرة شبحية إسرائيلية، على سبيل المثال، باستهداف موقع تابع لحزب الله في جنوب لبنان، لكن المسيرة تُسقط فوق الأراضي السورية أو فوق المياه الإقليمية القبرصية قبل أن تصل إلى هدفها. في هذه الحالة، قد تتهم تركيا إسرائيل بانتهاك مجالها الجوي، وقد تتهم إيران تركيا بالتورط في الضربة، وقد تشعر اليونان أو قبرص بأن سيادتهما انتهكت، وقد تستغل أطراف إقليمية أخرى الحادث لتصفية حساباتها.

مع غياب قنوات اتصال مباشرة وفعالة بين هذه الأطراف، وغياب آليات تحقيق شفافة، قد تتخذ كل دولة إجراءاتها الانتقامية بناءً على تقديراتها الخاصة، مما يخلق دوامة من ردود الفعل المتصاعدة. قد ترد تركيا بإسقاط مسيرة يونانية أو إسرائيلية فوق بحر إيجة بحجة الدفاع عن سيادتها، وقد ترد إسرائيل باستهداف موقع تركي في قبرص الشمالية، وقد ترد اليونان بتحريك قطعها البحرية نحو المنطقة المتنازع عليها. في غضون أيام، قد نجد أنفسنا أمام مواجهة عسكرية مباشرة بين حلفاء في الناتو، وبين دول كانت حتى الأمس على مسافة آمنة من الصراع.

الخطوط الحمراء المحتملة: إسقاط مسيرة فوق أراضٍ ذات سيادة لطرف ثالث، أو استهداف منشآت حيوية (كحقول الغاز أو القواعد العسكرية) بطريقة لا يمكن إنكارها أو تبريرها دفاعياً.

تكون أدوات الردع التقليدية (كالتهديد بعقوبات اقتصادية أو تصعيد عسكري محدود) غير فعالة بسبب غموض الموقف وصعوبة تحديد المعتدي. قد تلجأ الدول إلى خيارات أخرى: نشر مسيرات شبحية إضافية كرسالة ردع، أو تشديد الحظر الجوي، أو اللجوء إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي للوساطة، وهو ما قد يأخذ وقتاً طويلاً ولا يمنع التصعيد على الأرض.

السيناريو الثاني: الصراع بالوكالة خارج الحدود

يتمثل هذا السيناريو في أن تتحول منطقة شرق المتوسط إلى ساحة رئيسية للصراع بالوكالة بين المحور التركي القطري والمحور المصري الإماراتي اليوناني، ليس فقط عبر دعم أطراف داخل ليبيا وسوريا، بل عبر نشر مسيرات شبحية وطائرات مسيرة هجومية في دول ثالثة لاستهداف مصالح الخصم. فتركيا، على سبيل المثال، قد تنشر مسيراتها في قواعد ليبية لاستهداف السفن المصرية أو اليونانية في المياه المتنازع عليها، أو لاستهداف حقول الغاز التي تديرها شركات فرنسية وإيطالية. بالمقابل، قد تستخدم مصر والإمارات مسيراتها الصينية أو محلية الصنع لاستهداف القواعد التركية في قطر، أو الصومال، أو ليبيا، أو لاستهداف السفن التركية في البحر الأحمر أو الخليج العربي.

في هذا السيناريو، لا تعلن أي دولة مسؤوليتها عن الهجمات، ويتم استخدام وكلاء وقواعد في دول ثالثة لتوفير غطاء من الإنكار. هذا النوع من الصراع يحول البحر المتوسط بأكمله، من مضيق جبل طارق إلى السواحل الليبية، إلى ساحة عمليات، ويوسع دائرة التهديد لتشمل ليس فقط الدول المطلة على الحوض الشرقي، بل دول الخليج والقرن الأفريقي أيضًا. كما أن هذا النوع من الصراع يستنزف الدول الكبرى التي قد تجد نفسها مضطرة للتدخل لحماية مصالحها أو حلفائها، مما قد يؤدي إلى تدويل الصراع وزيادة تعقيده.

الخطوط الحمراء المحتملة: استهداف منشآت الطاقة الحيوية (كحقول الغاز أو خطوط الأنابيب)، أو استهداف القواعد العسكرية للقوى الكبرى (كالقواعد الأمريكية في قطر أو الإمارات، أو القاعدة البريطانية في قبرص)، أو استهداف السفن التجارية أو الحربية في الممرات الملاحية الدولية.

تعتمد أطراف النزاع على الردع بالحرمان من خلال نشر أنظمة دفاع جوي متطورة في مواقعها الحيوية، وتطوير قدرات مضادة للمسيرات، وتحسين التنسيق الاستخباراتي مع الحلفاء. كما تعتمد على الردع بالعقاب من خلال توجيه ضربات استباقية لقواعد المسيرات في دول الجوار، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تصعيد إضافي.

السيناريو الثالث: مواجهة مباشرة بين القوى الإقليمية الكبرى

يتمثل هذا السيناريو في أن يؤدي تراكم التوترات والاشتباكات بالوكالة إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا من جهة، واليونان ومصر وإسرائيل من جهة أخرى، بدعم فرنسي وإيطالي متفاوت. قد تبدأ هذه المواجهة بحادث بحري بين سفينة حربية تركية وسفينة حربية يونانية أو مصرية في المياه المتنازع عليها شرق المتوسط، أو باستهداف قاعدة تركية في ليبيا بضربة جوية مصرية أو إماراتية، أو بإسقاط مسيرة تركية قبالة السواحل القبرصية.

في هذا السيناريو، لا تستطيع الأطراف المتحاربة الاكتفاء بالردع بالوكالة، بل تضطر إلى استخدام قوتها العسكرية الوطنية بشكل مباشر. قد تشهد المنطقة حرباً بحرية محدودة، تتركز في البداية في المياه المتنازع عليها، ثم تمتد لتشمل موانئ ومدن ساحلية. قد تستخدم تركيا أسطولها البحري وطائراتها المسيرة لاستهداف القواعد البحرية اليونانية في جزيرة كريت أو في قبرص، وقد ترد مصر واليونان باستخدام طائراتها المقاتلة وصواريخها الباليستية لاستهداف القواعد التركية في ليبيا أو في الأناضول. في هذه المواجهة، قد تدخل القوى الكبرى (كفرنسا والولايات المتحدة) بشكل غير مباشر لدعم حلفائها، مما قد يحول الصراع الإقليمي إلى صراع دولي.

الخطوط الحمراء المحتملة: استهداف القواعد العسكرية للقوى الكبرى (كالقاعدة الفرنسية في الإمارات أو القاعدة الأمريكية في قطر)، أو استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية بشكل متعمد، أو استخدام صواريخ باليستية بعيدة المدى تستطيع الوصول إلى عواصم الدول المتصارعة.

تعتمد الأطراف على الردع بالعقاب بشكل أساسي، من خلال التهديد بتوجيه ضربات موجعة للبنية التحتية للخصم (كالموانئ، المطارات، حقول الغاز، المنشآت النووية). كما تعتمد على التحالفات العسكرية القائمة (كحلف الناتو، والتحالف المصري-اليوناني-الإسرائيلي) لردع الخصم عن التصعيد. لكن في ظل غياب اليقين حول نوايا الأطراف الكبرى (كموقف الولايات المتحدة من صراع بين حليفين في الناتو)، قد لا تكون هذه الردع كافية لمنع التصعيد.

السيناريو الرابع: سباق تسلح مفتوح وتوازن الرعب التكنولوجي

يتمثل هذا السيناريو في ألا تندلع مواجهة عسكرية مباشرة، لكن المنطقة تدخل في سباق تسلح مفتوح وغير مسبوق في مجال المسيرات الشبحية والأنظمة المضادة لها. ففي هذا السيناريو، تشعر جميع الدول الإقليمية بأن أمنها القومي مهدد من قبل جيرانها، فتسارع إلى تطوير أو شراء أحدث أنظمة المسيرات الهجومية والدفاعية، وتضخ أموالاً طائلة في هذا السباق. تتحول المنطقة إلى سوق مفتوح للمسيرات الإسرائيلية والتركية والصينية والإيرانية، ويتحول البحر المتوسط إلى ساحة اختبار لهذه الأنظمة في مناورات عسكرية متكررة واستعراضات للقوة.

في هذا السيناريو، لا يوجد تصعيد عسكري مباشر، لكن التوتر يظل مرتفعًا باستمرار، وتزداد احتمالات الحوادث غير المحسوبة بسبب كثافة الحركة الجوية والبحرية. كما يزداد العبء الاقتصادي على الدول الإقليمية التي تضطر إلى تخصيص أموال طائلة للتسلح على حساب التنمية والخدمات العامة. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا السباق إلى “توازن رعب تكنولوجي”، حيث تمتلك جميع الأطراف القدرة على تدمير بعضها البعض بالمسيرات، لكن لا أحد يجرؤ على بدء الحرب. هذا التوازن قد يحقق استقرارًا هشًا، لكنه يظل عرضة للانهيار في أي لحظة بسبب حادث عابر أو بسبب تغير في موازين القوى العالمية.

تكون الخطوط الحمراء أقل وضوحًا، لكنها تتعلق أساسًا بامتلاك طرف ما لقدرات تكنولوجية تفوق قدرات الأطراف الأخرى بشكل كبير (كمسيرات شبحية قادرة على اختراق جميع أنظمة الدفاع الجوي في المنطقة، أو أنظمة دفاع قادرة على إسقاط جميع المسيرات المعادية). قد يؤدي هذا الخلل في التوازن إلى إغراء الطرف الأقوى بالقيام بضربة استباقية لتحقيق تفوق حاسم.

يعتمد الردع على عاملين رئيسيين: أولهما، التوازن التكنولوجي نفسه، أي قدرة كل طرف على إلحاق أضرار غير مقبولة بالطرف الآخر. ثانيهما، التحالفات الدولية والإقليمية التي تضمن عدم انفراد طرف واحد بتحقيق تفوق حاسم. كما تلعب العوامل الاقتصادية (كقدرة كل طرف على تحمل تكاليف سباق التسلح) دورًا مهمًا في تحديد استدامة هذا التوازن.

تأثير التحولات في موازين القوى العالمية على السيناريوهات

تتأثر جميع السيناريوهات الأربعة بشكل كبير بالتحولات في موازين القوى العالمية، خاصة صعود الصين وتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة.

في حال صعود النفوذ الصيني: قد يميل “محور التهرب” بين الصين وروسيا وإيران إلى تعزيز موقف المحور المناهض للغرب في شرق المتوسط، مما يزيد من جرأة إيران وحلفائها في التصعيد. كما قد تزيد الصين من مبيعاتها للمسيرات والإلكترونيات للدول العربية، مما يوسع نطاق انتشار التكنولوجيا ويزيد من تعقيد المشهد.

في حال تراجع النفوذ الأمريكي: قد تشعر الدول الحليفة للولايات المتحدة (كاليونان وإسرائيل ومصر) بأنها لم تعد تحظى بغطاء أمني كافٍ، مما قد يدفعها إلى تبني سياسات أكثر تشددًا لتعويض هذا النقص، أو قد يدفعها إلى البحث عن تحالفات بديلة مع قوى صاعدة كالصين أو الهند. كما قد يؤدي تراجع الالتزام الأمريكي إلى زيادة جرأة تركيا وإيران في المنطقة، مما يزيد من احتمالات التصعيد.

في حال استمرار حالة الجمود العالمي: قد تفضل القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، الاتحاد الأوروبي) احتواء الصراع في شرق المتوسط ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة، مما قد يدفعها إلى الضغط على حلفائها الإقليميين لضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات. في هذه الحالة، قد نرى محاولات جدية لإنشاء آليات أمنية إقليمية وقنوات اتصال مباشرة، على غرار ما حدث في الحرب الباردة.

في جميع الأحوال، تظل السيناريوهات الأربعة قائمة، ويعتمد أي منها سيتحقق على مجموعة من العوامل: قدرة الدول الإقليمية على ضبط النفس وتطوير آليات للتواصل والتفاهم، وقدرة القوى الكبرى على ممارسة ضغط فعال على حلفائها لخفض التصعيد، وتطور التكنولوجيا العسكرية نفسها (خاصة قدرات الدفاع والهجوم)، والتطورات في الساحات الأخرى المترابطة (كأوكرانيا، سوريا، ليبيا، واليمن).

التوصيات

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات الموجهة لمختلف الفاعلين، سعياً إلى ترجمة الرؤى النظرية والاستنتاجات العملية إلى خطوات ملموسة يمكن أن تسهم في احتواء تداعيات انتشار المسيرات الشبحية، وتحويلها من عامل تصعيد إلى عنصر يمكن التحكم فيه ضمن إطار من القواعد والتفاهمات الإقليمية والدولية.

أولاً: فيما يخص صناع القرار في الدول الإقليمية

تواجه الدول الإقليمية في شرق المتوسط معضلة حقيقية تتعلق بكيفية الموازنة بين ضرورة تطوير قدراتها الدفاعية لمواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، وبين مخاطر الانزلاق إلى سباق تسلح إقليمي مدمر قد لا يحقق الأمن لأي طرف. في هذا السياق، توصي الدراسة بضرورة إعادة النظر في أولويات التسلح، بحيث لا يقتصر الاهتمام على اقتناء المسيرات الهجومية المتطورة، بل يمتد ليشمل الاستثمار الحقيقي في تطوير ونشر أنظمة متكاملة ومتنوعة للدفاع ضد المسيرات (C-UAS). هذه الأنظمة يجب أن تجمع بين الوسائل التقليدية (كالصواريخ قصيرة المدى والمدافع الآلية) والوسائل الحديثة (كالحرب الإلكترونية، وأنظمة التشويش المتطورة، وأسلحة الطاقة الموجهة)، مع التركيز على بناء قدرات محلية للتصنيع والصيانة لتقليل الاعتماد على الاستيراد وضمان استمرارية الإمداد في أوقات الأزمات. فالتجارب الميدانية في أوكرانيا والشرق الأوسط أثبتت أن الدفاع الفعال لا يعتمد على حل واحد، بل على منظومة متكاملة من الوسائل المتنوعة التي تعوض نقاط ضعف بعضها البعض.

كما توصي الدراسة بضرورة تطبيق منهجيات صارمة لتقدير الأضرار الجانبية قبل تنفيذ أي ضربات بالمسيرات، والالتزام بأعلى معايير التحقق من هوية الأهداف، خاصة في ظل قدرة المسيرات الشبحية على تنفيذ ضربات دقيقة دون الحاجة إلى المخاطرة بطواقم جوية. إن الالتزام بهذه المنهجيات ليس مجرد التزام قانوني بموجب القانون الدولي الإنساني، بل هو استثمار في الشرعية الدولية والمصداقية السياسية للدولة، ففقدان هذه الشرعية قد يكون أكثر كلفة من أي مكسب عسكري مؤقت.

أخيرًا، تدعو الدراسة إلى إنشاء قنوات اتصال عسكرية مباشرة وفعالة بين الدول المتخاصمة في المنطقة، على غرار الخطوط الساخنة التي أنشئت خلال الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، لتجنب سوء التقدير والتصعيد غير المحسوب الذي قد ينجم عن حوادث بحرية أو جوية عابرة. هذه القنوات، إذا ما اقترنت بتفاهمات واضحة حول قواعد الاشتباك ومناطق الالتقاء، يمكن أن تشكل شبكة أمان تمنع أي حادث منفرد من التحول إلى أزمة إقليمية شاملة. في ظل غياب الثقة المتبادلة، تصبح هذه الآليات الإجرائية ضرورة ملحة لا غنى عنها للحفاظ على الاستقرار الهش.

ثانيًا: فيما يخص الباحثين والأكاديميين

تؤكد الدراسة على أن الفجوة المعرفية حول الآثار القانونية والأخلاقية والاستراتيجية للمسيرات الشبحية لا تزال كبيرة، وتستدعي تضافر جهود الباحثين في مختلف التخصصات لسدها. فتدعو الدراسة إلى تكثيف الأبحاث المتعلقة بالآثار القانونية لاستخدام هذه الأنظمة، خاصة فيما يتعلق بقضايا الإسناد التي تشكل العقدة الأصعب في تطبيق القانون الدولي الإنساني. كيف يمكن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية أو الدولية عن ضربة نفذتها مسيرة شبحية عبرت حدودًا دولية وانطلقت من موقع لا يمكن تحديده بدقة؟ هل يتحمل القائد العسكري المسؤولية، أم المبرمج الذي صمم نظام الاستهداف، أم الدولة التي وفرت الدعم اللوجستي؟ هذه الأسئلة تتطلب إجابات واضحة في إطار القانون الدولي، وهي مهمة تقع على عاتق الباحثين.

كما توصي الدراسة بإجراء أبحاث حول تأثير دمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية التشغيل في المسيرات على ديناميكيات الردع والتصعيد. إن تسريع دورات اتخاذ القرار (OODA Loop) إلى سرعات تفوق القدرات البشرية، وإمكانية فقدان السيطرة البشرية على الأنظمة القاتلة في لحظة حرجة، كلها متغيرات جديدة قد تجعل النظريات الكلاسيكية للردع غير قادرة على تفسير السلوك الاستراتيجي للدول. هناك حاجة ملحة لنماذج نظرية جديدة تتجاوز الانقسام التقليدي بين الردع بالعقاب والردع بالحرمان، لتأخذ في الاعتبار متغيرات الغموض الاستراتيجي، ومنحنى التكلفة، وسلاسل التوريد الدولية، والتحالفات التكنولوجية العابرة للحدود.

وأخيرًا، تدعو الدراسة الباحثين إلى الاهتمام بالجوانب الأخلاقية والنفسية لاستخدام المسيرات الشبحية، سواء على الطواقم الجوية التي أصبحت تعمل من غرف تحكم بعيدة عن ساحة المعركة، أو على المجتمعات المستهدفة التي تعيش تحت تهديد دائم من ضربات لا ترى مصدرها ولا يمكن التنبؤ بها. وكيف يؤثر هذا النوع من الحرب على مفهوم المخاطرة والمسؤولية لدى الطواقم؟ وكيف يؤثر على الصحة النفسية للسكان المدنيين؟ هذه القضايا الإنسانية لا تقل أهمية عن القضايا العسكرية والتقنية، ويجب أن تحظى باهتمام أكبر من الباحثين.

ثالثًا: فيما يخص المنظمات الإقليمية والدولية

تقع على عاتق المنظمات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والأمم المتحدة، مسؤولية تاريخية في احتواء تداعيات انتشار المسيرات الشبحية ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة. في هذا السياق، توصي الدراسة بالعمل العاجل على صياغة مدونة سلوك إقليمية لتنظيم استخدام الطائرات بدون طيار المسلحة في شرق المتوسط، على غرار اتفاقيات منع الحوادث البحرية والجوية التي أبرمت خلال الحرب الباردة. هذه المدونة يجب أن تتضمن قواعد واضحة للاشتباك، وآليات إلزامية للإبلاغ عن الضربات، وإجراءات لخفض التصعيد في حال وقوع حوادث عابرة، ومناطق محظورة للتحليق، وترددات اتصال موحدة للطوارئ.

كما توصي الدراسة بتعزيز التعاون والتنسيق بين الناتو والاتحاد الأوروبي في مجال مواجهة تهديد المسيرات، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية حول قدرات المسيرات الشبحية لدى الدول غير الأعضاء، وتطوير معايير مشتركة لأنظمة الدفاع الجوي المضادة للمسيرات، وإجراء تمارين عسكرية مشتركة لمواجهة سيناريوهات الهجمات الكبيرة بالمسيرات. إن الانقسام الحالي بين الحلفاء حول كيفية التعامل مع التهديد التركي أو الإيراني يضعف قدرة هذه المؤسسات على لعب دور فعال في إدارة الأزمة، ويترك الدول الأعضاء فريسة لحساباتها الوطنية الضيقة.

أخيرًا، توصي الدراسة بتشديد الرقابة على سلاسل التوريد الدولية لمنع نقل التكنولوجيا الحيوية والمكونات الإلكترونية المتطورة إلى دول مثل إيران، التي تستخدمها لتطوير برامجها الصاروخية والمسيرات رغم العقوبات الدولية. هذا التشديد يجب أن يقترن بحوار جاد مع الصين، التي تشكل المصدر الرئيسي لهذه المكونات، لإقناعها بالانضمام إلى الجهود الدولية لمنع انتشار هذه التكنولوجيا. في غياب تعاون صيني جاد، ستظل العقوبات الغربية ثغرات يمكن تجاوزها بسهولة، وسيستمر “محور التهرب” في تغذية سباق التسلح الإقليمي.

الدراسات المستقبلية

تفتح هذه الدراسة آفاقاً واسعة للباحثين الراغبين في مواصلة استكشاف العلاقة المعقدة بين تكنولوجيا المسيرات الشبحية وتوازن الردع الإقليمي، وتقترح عددًا من المحاور البحثية التي ترى فيها إضافة حقيقية للمعرفة في هذا المجال الحيوي.

أولاً: تعد العلاقة بين انتشار المسيرات الشبحية والأنظمة الذاتية التشغيل من جهة، واستقرار الردع النووي بين القوى الكبرى من جهة أخرى، من أكثر المجالات البحثية إلحاحاً وأقلها دراسة.

ثانياً: تدعو الدراسة إلى إجراء أبحاث حول كيفية تكيف العقائد العسكرية للقوى الكبرى والمتوسطة مع انتشار المسيرات الشبحية.

ثالثاً: هناك حاجة ملحة لإجراء دراسات تقييمية مستقلة لفعالية أنظمة الدفاع الجوي التقليدية (مثل S-400، Patriot، THAAD، Sky Sabre) في مواجهة التهديدات المتطورة من المسيرات الشبحية والطائرات المسيرة الهجومية.

رابعاً: تدعو الدراسة إلى إجراء بحوث استشرافية حول تأثير التطورات المستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي على قدرات المسيرات الشبحية، وكيف سيتغير مفهوم الردع في ظل أنظمة قادرة على التعلم والتكيف واتخاذ القرارات بشكل ذاتي. كيف ستؤثر المسيرات القادرة على العمل في أسراب ذكية ومنسقة على معادلات الردع التقليدية؟ وهل ستصبح السيطرة البشرية على الأنظمة القاتلة ممكنة في ظل سباق تسلح تسيطر عليه سرعة رد الفعل الآلي؟

المراجع:

  • Badarin Emile & Schumacher Tobias, 2022. “The Eastern Mediterranean Energy Bonanza: A Piece in the Regional and Global Geopolitical Puzzle, and the Role of the European Union,” Comparative Southeast European Studies, De Gruyter, vol. 70(3), pages 414-438, September.
  • Soyaltin-Colella, D., & Demiryol, T. (2023). Unusual middle power activism and regime survival: Turkey’s drone warfare and its regime-boosting effects. Third World Quarterly, 44(4), 724–743. https://doi.org/10.1080/01436597.2022.2158080
  • Rudys, S., Laučys, A., Ragulis, P., Aleksiejūnas, R., Stankevičius, K., Kinka, M., Razgūnas, M., Bručas, D., Udris, D., & Pomarnacki, R. (2022). Hostile UAV Detection and Neutralization Using a UAV System. Drones, 6(9), 250. https://doi.org/10.3390/drones6090250
  • International Institute for Strategic Studies (IISS). (2020). Defeating Threat Air Defences: The Return of the DEAD. London: IISS. https://www.iiss.org/globalassets/media-library—content–migration/files/research-papers/iad-report.pdf
  • Tanchum, M. (Ed.). (2021). Eastern Mediterranean in Uncharted Waters: Perspectives on Emerging Geopolitical Realities. Ankara: Konrad-Adenauer-Stiftung. https://www.kas.de/documents/283907/10938219/Publikation+Eastern+Mediterranean+in+Uncharted+Waters.pdf/4722827e-1091-bb20-5bdf-d9cb45734e34?version=1.0&t=1610526219923
  • Hoffman, F. G. (2009). Hybrid Warfare and Challenges. In The Conduct of War in the 21st Century. https://apps.dtic.mil/sti/pdfs/ADA516871.pdf
  • Fuhrmann, Matthew & Horowitz, Michael C., 2017. “Droning On: Explaining the Proliferation of Unmanned Aerial Vehicles,” International Organization, Cambridge University Press, vol. 71(2), pages 397-418, April.
  • Piątkowski, M., & Goździewicz, W. (2024, June 5). Precautions and Aerial Superiority or Supremacy. Articles of War, Lieber Institute for Law and Warfare, United States Military Academy West Point. https://lieber.westpoint.edu/precautions-aerial-superiority-supremacy/
  • Gürzel Aka, A. G., Engin Bozoglu, A., Hashimov, I., & Pulhan, A. (2022). The ‘new great game’ in the Eastern Mediterranean. Israel Affairs, 28(1), 16–27. https://doi.org/10.1080/13537121.2022.2017133
  • Gasimov Zaur, 2022. “Russia under Putin in the Eastern Mediterranean: The Soviet Legacy, Flexibility, and New Dynamics,” Comparative Southeast European Studies, De Gruyter, vol. 70(3), pages 462-485, September.
  • Borshchevskaya, A., & Eljarh, M. (2018). Russia in the Mediterranean: Strategies and Aspirations. Mediterranean Dialogue Series, 12, 1–11. https://www.kas.de/c/document_library/get_file?uuid=f510b082-2ea7-28c3-2a8d-bcf53bc06a6e&groupId=252038
  • الفارسي، يوسف عبدالكريم محمد. (2023). تداعيات الصراع التركي اليوناني على الأمن الإقليمي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. مجلة البحوث العلمية، مج8, ع16 ، 95 – 103. مسترجع من http://search.mandumah.com/Record/1436732
  • Donovan, K., & Ezratty, E. (2026, March 25). From drones to rocket fuel, China and Russia are helping Iran through supply chains. Atlantic Council. https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/
  • Massicot, D. (2026). [Interview/Commentary on drone warfare and lessons from Ukraine]. Carnegie Endowment for International Peace.
  • Levaton, S. (2026, March 27). ‘Modern armies have never faced this kind of threat before’: Cheap and elusive, drones put incessant pressure on Israel’s evolving air defenses. The Times of Israel.
  • Boratov, Sardor, AI, Autonomy, and the New Security Dilemma: Deterrence, Escalation, and Strategic Ambiguity in the Algorithmic Age (September 07, 2025). Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=5452734 or http://dx.doi.org/10.2139/ssrn.5452734
  • Stephen M. Walt. (1985) Alliance Formation and the Balance of World Power Author(s): Source: International Security, Vol. 9, No. 4, pp. 3-43 Published by: The MIT Press Stable URL: http://www.jstor.org/stable/2538540 .
  • Aslan, M. (2026, March 19). The Greek Achilles Shield Project in the Shadow of Israel. SETA | Foundation for Political, Economic and Social Research. https://www.setav.org/en/the-greek-achilles-shield-project-in-the-shadow-of-israel
  • Tollast, R. (2026, March 25). A decade-long struggle to thwart Iran’s drones carries warnings for the UK. Royal United Services Institute (RUSI)
  • Al Jazeera. (2026, March 2). Israel intensifies war on Lebanon after Hezbollah attack. Al Jazeera. https://www.aljazeera.com/news/2026/3/2/israel-intensifies-war-on-lebanon-after-hezbollah-attack
  • org. (2026, March 8). Hezbollah drone strikes draw Lebanon into potential confrontation with NATO and EU states. Kataeb Partyhttps://en.kataeb.org/articles/hezbollah-drone-strikes-draw-lebanon-into-potential-confrontation-with-nato-and-eu-states
  • L’Orient Today. (2026, April 3). Israeli army demolishes houses in Lebanon while Hezbollah claims 49 attacks against Israel. L’Orient Today. https://today.lorientlejour.com/article/1502092/israeli-army-demolishes-houses-in-lebanon-while-hezbollah-claims-49-attacks-against-israel.html
  • AFP via Ahram Online. (2026, April 2). Lebanon’s Hezbollah claims drone, rocket attacks on northern Israel. Ahram Online. https://english.ahram.org.eg/NewsContentP/2/565161/World/Lebanon;s-Hezbollah-claims-drone,-rocket-attacks-o.aspx
  • Saba Net. (2026a, April 1). Lebanese resistance downs drone and targets several Israeli army positions. Yemen News Agency (SABA). https://www.saba.ye/en/news3676768.htm
  • Saba Net. (2026b, April 3). Lebanese resistance strikes Israeli army & settlements. Yemen News
  • İLKHA. (2026, April 4). Hezbollah intensifies daily operations against Israeli targets in southern Lebanon. İlke Haber Ajansı. https://ilkha.com/english/world/hezbollah-intensifies-daily-operations-against-israeli-targets-in-southern-lebanon-522462
  • Middle East Monitor. (2026, April 4). Hezbollah says it conducted 6 attacks on Israeli settlement, forces. Middle East Monitor. https://www.middleeastmonitor.com/20260404-hezbollah-says-it-conducted-6-attacks-on-israeli-settlement-forces/
أثر مشروعات الطاقة النظيفة في مصر على تعميق الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي
مستقبل سيطرة الجزائر على سوق الطاقة في غرب المتوسط…. في ظل مشاريع الاستفادة من احتياطات الغاز الطبيعي في نيجيريا
أزمة الطاقة وأثرها على الأمن الإقليمي في دول شمال المتوسط:فرنسا نموذجًا
مشروعات خطوط الأنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا: الفرص والتحديات
تقرير تحليلي حول محاضرة “Mediterranean Geopolitics Outlook” قدمها Dr. John Nomikos يوم الخميس الموافق 12 مارس 2026 ضمن فعاليات MEGAS Ramadan Strategic Series 2026
Share This Article
Facebook Email Print
Previous Article Mediterranean Geopolitics Outlook
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تقييم الوصفة




تابعنا

اعثر علينا على الوسائط الاجتماعية
FacebookLike
XFollow
YoutubeSubscribe
TelegramFollow

النشرة الأسبوعية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على أحدث مقالاتنا على الفور!
[mc4wp_form]
أخبار شعبية
الاخبار

شراكة استراتيجية نوعية مع (CEMMIS)

Sponsored by
Bstore
مشروعات خطوط الأنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا: الفرص والتحديات
جيوبوليتيك الممرات البديلة : دراسة حالة الممر الأوسط والربط عبر المتوسط
أثر مشروعات الطاقة النظيفة في مصر على تعميق الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي
Mediterranean Geopolitics Outlook
- الإعلانات -
Ad imageAd image
حالات فيروس كورونا العالمية

Confirmed

0

Death

0

معلومات اكثر: إحصائيات كوفيد -19

مركز الدراسات الجيوبوليتيكية والاستراتيجيه للبحر المتوسط Mediterranean Geopolitics and Strategy Institute

مركز بحثي مستقل يعني بدراسات البحر المتوسط في الشئون السياسية / الجيوبوليتيكية / الاستراتيجيه.

الصفحات الرئيسية

  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا

روابط هامة

  • سياسة الخصوصية
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الاستبدال والاسترجاع

تجدنا على مواقع التواصل الاجتماعي

جميع الحقوق محفوظة © MEGAS .
انضم إلينا!
اشترك في النشرة الإخبارية لدينا ولا تفوت آخر الأخبار والبودكاست وما إلى ذلك.
[mc4wp_form]
صفر بريد مزعج ، إلغاء الاشتراك في أي وقت.
Welcome Back!

Sign in to your account

Username or Email Address
Password

Lost your password?