باستخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية و شروط الاستخدام .
Accept
MEGASMEGASMEGAS
  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا
Reading: جيوبوليتيك الممرات البديلة : دراسة حالة الممر الأوسط والربط عبر المتوسط
Share
0

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

Notification Show More
Font ResizerAa
MEGASMEGAS
0
Font ResizerAa
  • الصفحة الرئيسية
  • الفعاليات
  • دراسات
  • دورات تدريبية
  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا
Have an existing account? Sign In
Follow US
  • اتصل
  • مقالات
  • شكوى
  • يعلن
© 2022 Foxiz News Network. Ruby Design Company. All Rights Reserved.
MEGAS > فعاليات > دراسات > جيوبوليتيك الممرات البديلة : دراسة حالة الممر الأوسط والربط عبر المتوسط
دراسات

جيوبوليتيك الممرات البديلة : دراسة حالة الممر الأوسط والربط عبر المتوسط

megas-eg.com
Last updated: فبراير 2, 2026 7:07 م
megas-eg.com
شهرين ago
Share
SHARE

كنب: الدكتورة / مايسة خليل حسن

ملخص الدراسة

تسعى هذه الدراسة لبحث وتحليل التحول الجيوسياسي الاستراتيجي للممرات التجارية البديلة، مع التركيز على الممر الأوسط والربط عبر المتوسط كاستجابة عملية للأزمات المتتالية التي عطلت الممرات التقليدية، لاسيما اضطرابات البحر الأحمر والحرب في أوكرانيا. اعتمدت الدراسة منهجية تحليلية تجمع بين تحليل النظم ودراسة الحالة الممتدة والتحليل المقارن. وكشفت النتائج عن تحول بنيوي دائم في أنماط التجارة العالمية، حيث تحول ما يقارب 15-20% من التدفقات التجارية الأوروبية الآسيوية نحو المسارات البديلة، كما أبرزت وجود اختناقات هيكلية حادة في الممر الأوسط، خاصة في نقطة عبور بحر قزوين التي تعاني من محدودية القدرة الاستيعابية. أيضاً بينت النتائج وجود صراع جيوسياسي ثلاثي الأبعاد بين النماذج التنافسية المتمثلة في النموذج الصيني الذي يتمثل في مبادرة الحزام والطريق، والنموذج الأوروبي كممثل البوابة العالمية، والنموذج التركي القائم على المركزية الجغرافية، أيضاً يبرز تحول حوض المتوسط جذرياً من مجرد ممر طاقي تقليدي إلى ساحة تنافسية إستراتيجية لمشاريع الهيدروجين الأخضر الطموحة، بينما تتحول الرقمنة نفسها إلى مجال ناشئ للصراع على السيادة التكنولوجية والمعايير الرقمية الحاكمة.

الكلمات المفتاحية: الممرات البديلة، الجيوبوليتيك، الهيدروجين الأخضر، التحول الرقمي، التنافس الدولي، التكامل الإقليمي، الاستدامة.

Abstract

This study investigates and analyzes the strategic geopolitical shift of alternative trade corridors. It focuses on the Middle Corridor and trans-Mediterranean connectivity as a practical response to the successive crises that have disrupted traditional routes, particularly the disturbances in the Red Sea and the war in Ukraine. The study employed an analytical methodology combining systems analysis, extended case study, and comparative analysis.

The findings reveal a permanent structural transformation in global trade patterns, with an estimated 15-20% of Euro-Asian trade flows shifting towards alternative routes. The results also highlight severe structural bottlenecks within the Middle Corridor, particularly at the Caspian Sea crossing point, which suffers from limited throughput capacity. Furthermore, the study identified a three-dimensional geopolitical competition among rival models: the Chinese model represented by the Belt and Road Initiative, the European model exemplified by the Global Gateway, and the Turkish model based on geographical centrality. Additionally, the research demonstrates a radical transformation of the Mediterranean Basin from a mere traditional energy transit route into a strategic arena for ambitious green hydrogen projects. Concurrently, digitalization itself is evolving into an emerging domain of contestation for technological sovereignty and governing digital standards.

Keywords: Alternative Corridors, Geopolitics, Green Hydrogen, Digital Transformation, International Competition, Regional Integration, Sustainability.

 

المقدمة

شهد العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تحولاً جذرياً في معادلات التجارة والاقتصاد العالمي، حيث تزايد التداخل بين الجيوسياسة والاقتصاد ليصبح سمة أساسية للنظام الدولي المتعدد الأقطاب (1). في هذا المشهد المعقد، لم تعد الممرات البديلة مجرد خيارات لوجستية احتياطية، بل تحولت إلى أدوات جيوسياسية استراتيجية تستخدم لتعزيز الأمن الاقتصادي، وإدارة المخاطر الجيوسياسية، وإعادة تشكيل التحالفات الدولية. يشير مفهوم الجيو-اقتصاد إلى الاستخدام الاستراتيجي للسياسات الاقتصادية – بما في ذلك التجارة والاستثمار والتمويل – لتحقيق أهداف جيوسياسية، وهو ما يتجلى بوضوح في السباق العالمي على تأمين سلاسل الإمداد للسلع الاستراتيجية مثل الطاقة والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة (2).

يعد اضطراب الممرات التقليدية، وخاصة طريق البحر الأحمر وقناة السويس، المحفز الأبرز لهذا التحول الاستراتيجي. فقد تحول البحر الأحمر من ممر ملاحي دولي إلى ساحة صراع جيوسياسي مفتوحة، حيث تتقاطع فيه مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة، وتتصاعد فيه التهديدات الأمنية من القرصنة إلى الهجمات الصاروخية والمسيّرة على السفن التجارية (3). تؤكد التطورات المتلاحقة في هذه المنطقة أن استقرار الممر الملاحي مرهون باستقرار الحاضنة الجيوسياسية والأمنية المحيطة به، وهو ما يتطلب رؤية شاملة تتجاوز التعاون العسكري والأمني الضيق لتبني مفهوم الاستثمار في الحاضنة الجيوسياسية والأمنية للبحر الأحمر، الذي يجمع بين الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية (3).

في قلب هذا التحول، برزت أزمتان رئيسيتان أعادتا رسم خريطة الطرق التجارية العالمية: الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، وأزمة البحر الأحمر المستمرة منذ عام 2023 بسبب هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية (4). أدت هذه الأزمات إلى تعطيل الممرات التجارية التقليدية، لا سيما الممر الشمالي (عبر روسيا) والطريق البحري عبر قناة السويس والبحر الأحمر، مما دفع الدول والشركات العالمية إلى البحث بشكل عاجل عن بدائل أكثر أماناً واستقراراً (5). هنا، يأتي الممر الأوسط أو الطريق الناقل عبر بحر قزوين ليمثل استجابة عملية لهذا التحدي، حيث يوفر مساراً برياً وبحرياً متعدد الوسائط يربط آسيا بأوروبا عبر دول القوقاز وآسيا الوسطى، متجنباً بذلك المناطق المضطربة جيوسياسياً (6).

يقع البحر المتوسط في صميم هذه الشبكة المعقدة، ليس فقط كمسطح مائي للعبور، بل كـحلقة وصل جيواستراتيجية حيوية تربط بين الممر الأوسط القادم من الشرق والأسواق الأوروبية في الغرب. لطالما كان المتوسط مسرحاً للتفاعل والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، ولكن دوره يتعزز اليوم كمحور للربط بين المبادرات الكبرى مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية واستراتيجية البوابة العالمية للاتحاد الأوروبي (7). يشهد المتوسط تحولاً من مجرد ممر للطاقة التقليدية (النفط والغاز) إلى منصة متكاملة للطاقة الخضراء والربط الرقمي، مدفوعاً بأجندة التحول الأخضر والأمن الطاقي الأوروبي في أعقاب الحرب في أوكرانيا (8).

أولاً: المشكلة البحثية.

على الرغم من الزخم السياسي والاهتمام الإعلامي الكبير بهذه الممرات، تواجه الأدبيات الأكاديمية فجوة بحثية في فهم التفاعل المعقد بين ثلاثية: الجيوسياسة، والبنية التحتية المادية، والتحول الرقمي/الأخضر. حيث تفتقر معظم الدراسات إلى إطار تحليلي يجمع بين تحليل القدرة الاستيعابية والاختناقات التقنية للممر الأوسط (9)، والتحديات الجيوسياسية والقانونية في بحر قزوين (10)، والمخاطر البيئية طويلة المدى الناجمة عن تغير المناخ (11). علاوة على ذلك، غالباً ما يتم تناول موضوع الممرات الخضراء والتحول الرقمي (مثل التوائم الرقمية) بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع والتنافس على المعايير والحوكمة الذي يحدد معالم هذه التحولات (12).

لذا يتعين على البحث مواجهة إشكالية مركزية وهي التفاعل المعقد والمتسارع بين أربع قوى رئيسية تحدد مستقبل الممرات التجارية البديلة. أولاً، يتصاعد صراع جيوسياسي غير مسبوق، لم يعد محصوراً بين العملاقين التقليديين فحسب، بل انضمت إليه قوى إقليمية طامحة مثل تركيا التي تسعى لتحويل جغرافيتها إلى مركز إجباري، وإسرائيل التي تعمل على تحويل موقعها الاستراتيجي إلى قوة ناعمة عبر ريادة تقنيات الهيدروجين الأخضر، مما يضع دول العبور في موقف بالغ التعقيد بين هذه المحاور المتعددة. ثانياً، هناك تحول جذري في طبيعة البضائع المنقولة عبر هذه الممرات، حيث تتحول من سلع تقليدية إلى ناقلات للطاقة المستقبلية، في سباق محتدم عبر البحر المتوسط بين مشاريع هيدروجين عملاقة في السعودية وعمان ومصر ومشروع إسرائيل الناشئ في النقب، وهو سباق تحكمه معركة موازية حول من يضع المعايير الخضراء المعترف بها عالمياً.

ثالثاً، تمتد ساحة الصراع إلى الفضاء الرقمي، حيث لم تعد المنصات الإلكترونية مجرد أدوات لتحسين الكفاءة، بل أصبحت ساحات للتنافس على السيادة التكنولوجية، مع خطر حقيقي بأن تؤدي المنصات المتضاربة من الصين والاتحاد الأوروبي ودول أخرى إلى أنظمة غير متوافقة تعيد إنتاج التعقيد الذي سعت لحله. رابعاً، ورغم كل هذه التحولات الكبرى على المستوى الاستراتيجي، تبقى العقبات التشغيلية الملموسة قائمة وحادة، حيث تقيد سعة بحر قزوين المحدودة وتباين البنى التحتية البرية قدرة هذه الممرات على استيعاب حتى جزء بسيط من التحول التجاري المنشود، مما يخلق فجوة خطيرة بين الطموح السياسي والواقع اللوجستي.

وبذا يمكن بلورة المشكلة البحثية في التساؤل الرئيس التالي:

كيف يمكن للبحر المتوسط، في ظل تدهور الأوضاع الجيوسياسية في البحر الأحمر، أن يحوِّل الممر الأوسط إلى بديل استراتيجي متكامل لسلاسل الإمداد العالمية، من خلال تعزيز أدواره كحلقة وصل لوجستية وحاضنة للتحول نحو الطاقة الخضراء والرقمنة؟

التساؤلات البحثية الفرعية

  1. كيف تحدد الديناميكيات الجيوسياسية واللوجستية في حوض المتوسط مدى فعاليته في تعزيز القدرة التنافسية للممر الأوسط كبديل عملي للممرات البحرية المضطربة؟
  2. ما هي أبرز الاختناقات البنيوية والتشغيلية في الربط بين الممر الأوسط والمتوسط، وكيف يمكن لتطوير البنى التحتية والأنظمة أن يحوِّلها إلى شبكة متكاملة قادرة على استيعاب تحولات التجارة العالمية؟
  3. ما هي آليات تحويل البنى التحتية الناشئة للممر الأوسط والربط المتوسطي إلى ممرات رائدة لنقل الطاقة النظيفة (كالهيدروجين الأخضر) في إطار المنافسة على وضع المعايير العالمية؟
  4. كيف يمكن للحلول الرقمية المتقدمة أن تعالج تعقيدات التشغيل متعدد الوسائط عبر هذا المسار، وما تأثير التنافس الجيوسياسي-التقني على استدامة هذا التحول الرقمي؟

ثانياً: أهداف الدراسة

تهدف الدراسة إلى تحليل تحول البحر المتوسط إلى محور استراتيجي رئيسي، يمكن من تحويل الممر الأوسط إلى بديل عملي ومستدام لسلاسل الإمداد العالمية المضطربة. وتسعى إلى بناء إطار تحليلي متكامل لدراسة وتحليل التفاعل المعقد بين العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية التي تحدد مستقبل هذه الشبكة، وتقييم قدرتها على تقديم حلول دائمة لأزمات التجارة العالمية الناجمة عن الصراعات الإقليمية.

تسعى الدراسة إلى تحليل التأثير الناتج عن اضطرابات البحر الأحمر على شبكات التجارة العالمية وتقييم استجابات الفاعلين الدوليين. كما تهدف إلى تشخيص نقاط القوة والضعف في الممر الأوسط، مع تركيز خاص على العقد الحرجة مثل بحر قزوين ومنافذ الربط في المتوسط. بالإضافة إلى ذلك، تهدف إلى تحليل التنافس الجيوسياسي في حوض المتوسط وتأثير تحالفات القوى الإقليمية (مثل تركيا ومصر وإسرائيل) والدولية (مثل الاتحاد الأوروبي والصين) على تشكيل مستقبل هذه الشبكة البديلة.

تهدف الدراسة إلى استكشاف كيفية تحويل بنية الممر الأوسط والربط المتوسطي إلى قنوات متقدمة لنقل الطاقة النظيفة، مع تركيز خاص على الهيدروجين الأخضر. كما تهدف إلى دراسة دمج الحلول الرقمية المتطورة، مثل المنصات الموحدة والتوائم الرقمية، لمعالجة تعقيدات النقل متعدد الوسائط عبر هذه المسارات الطويلة والمتعددة الحدود.

ثالثاً: أهمية الدراسة

تسهم الدراسة في سد فجوة واضحة في الأدبيات المتخصصة في مجال الجيواقتصاد وعلاقات التجارة الدولية. حيث تقدم الدراسة إطاراً تحليلياً يجمع بين نظريات العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي والدراسات اللوجستية المتقدمة، مما يطور مفهوم الممرات البديلة من مجرد فكرة عملية في إدارة السلاسل الإمدادية إلى مفهوم جيواستراتيجي متعدد الأبعاد يعكس التفاعل العميق بين التحولات السياسية والاستجابات الاقتصادية والثورات التكنولوجية.

تكمن الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية للدراسة في توقيتها وتحليلها الراهن للتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، حيث تقدم بحثاً للاستراتيجيات التنافسية للقوى الكبرى، مثل الاتحاد الأوروبي من خلال بوابته العالمية والصين عبر مبادرة الحزام والطريق، في سعيها لإعادة تشكيل خريطة الممرات التجارية والنفوذ الاقتصادي. كما تسلط الضوء على الدور المحوري المتجدد لمنطقة البحر المتوسط، ليس فقط كمسار نقل، بل كساحة رئيسية لهذا التنافس وحلقة وصل استراتيجية بين مشاريع الربط القارية. لذا قد تساعد هذه الرؤية صانعي القرار في الدول العربية والإقليمية، وخاصة تلك المطلة على البحر الأحمر والمتوسط، على فهم أفضل للتداعيات الاستراتيجية لاضطرابات الممرات التقليدية، وتمكنهم من صياغة سياسات خارجية واقتصادية استباقية لحماية مصالحهم وتعزيز مواقعهم في هذا المشهد المتغير، والتحول من دول مجاورة للأزمات إلى فاعلين أساسيين في صياغة البدائل.

تحمل الدراسة أهمية اقتصادية وتنموية كبيرة، حيث تقدم تحليلاً للجدوى الاقتصادية والآثار التنموية لتطوير الممرات البديلة. حيث تفحص الدراسة تأثير هذه الشبكات على تكاليف التجارة العالمية، وأوقات العبور، وحجم الاستثمارات المطلوبة في البنية التحتية عبر عدة دول. وتسلط الضوء على الفرص الاقتصادية الهائلة التي يمكن أن تخلقها لمجتمعات الدول الواقعة على مسار الممر الأوسط وحوض المتوسط، لا سيما في مجالات تشغيل الموانئ، والنقل متعدد الوسائط، والخدمات اللوجستية المتكاملة، وصناعات الطاقة المتجددة المصاحبة.

تتميز الدراسة بأهمية عملية وتطبيقية، حيث تتطور بنتائجها من التحليل النظري إلى تقديم أدوات ومقترحات عملية. حيث تقدم تحليلاً تفصيلياً للتحديات التشغيلية على الأرض، مثل اختلاف مقاييس السكك الحديدية، ونقص سفن العبار في بحر قزوين، واختلاف الأنظمة الجمركية.

تحظى الدراسة بأهمية إقليمية وعربية خاصة ومتزايدة، نظراً للموقع الحيوي للدول العربية في قلب الأزمات والبدائل المطروحة. حيث تقدم الدراسة تحليلاً مفصلاً لكيفية تأثير الاضطرابات في البحر الأحمر، كممر حيوي لتجارة العديد من الدول العربية، على أمنها الاقتصادي، وتستكشف كيفية تحويل هذا التحدي إلى فرصة لتعزيز دورها في الممرات البديلة. حيث تبرز الدراسة الدور المحوري الذي يمكن لدول مثل مصر والمملكة العربية السعودية والأردن أن تلعبه ليس فقط في استقرار الممرات القائمة، بل أيضاً في قيادة وتطوير البدائل الإقليمية، والتحول من دول تعاني من تداعيات عدم الاستقرار في جوارها إلى مراكز لوجستية وطاقية إقليمية فاعلة.

رابعاً: منهجية الدراسة وحدودها

  • منهجية الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على منهجية تحليلية استقرائية تهدف إلى تفسير ظاهرة معقدة بجوانبها الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية. يستند المنهج إلى تحليل النظم حيث يتم النظر إلى الممرات البديلة كنظام فرعي متكامل داخل النظام الاقتصادي الدولي الأوسع، يتكون من عناصر متفاعلة تشمل الدول، والبنى التحتية، والمؤسسات، والأسواق، والتقنيات. حيث يتم تحليل التفاعلات بين هذه العناصر وأثرها على سلوك النظام ككل.

يتم تطبيق منهج دراسة الحالة على الممر الأوسط كحالة رئيسية، مع تحليل دور البحر المتوسط كحالة فرعية مترابطة. حيث يسمح هذا المنهج بالجمع بين البحث النوعي والكمي. يستخدم البحث أيضاً التحليل النوعي في فحص الوثائق والسياسات والتقارير المؤسسية (مثل وثائق الاتحاد الأوروبي، تقارير البنك الدولي). ويستكمل هذا بالبحث الكمي من خلال تحليل البيانات الثانوية المتاحة حول أحجام التجارة، وتكاليف الشحن، وأحجام الاستثمارات، وزمن العبور عبر الممرات المختلفة، وذلك لمقارنة جدوى المسارات البديلة وتتبع التغيرات الزمنية فيها.

تعتمد الدراسة كذلك على التحليل المقارن بين أداء واستراتيجيات الفاعلين الرئيسيين (الاتحاد الأوروبي، الصين، تركيا)، وبين القدرات والتحديات في نقاط العبور المختلفة (مثل بحر قزوين مقابل مضيق البوسفور).

  • حدود الدراسة
  • الحدود الموضوعية:

تتركز الدراسة على التحليل الاستراتيجي والتشغيلي للممر الأوسط والربط عبر المتوسط كبديل لسلاسل الإمداد العالمية. حيث تركز على التحليل الكلي للفرص والتحديات. بينما تتعرض الدراسة أيضاَ للتحول الأخضر والرقمي، عبر دراسة إمكانات وأثر دمج هذه التقنيات في النظام اللوجستي.

  • الحدود المكانية:

تركز الدراسة جغرافيا على مسارين رئيسيين:

  1. الممر الأوسط: ويشمل الدول الواقعة على مساره الرئيسي من الصين إلى أوروبا، مع تركيز خاص على دول العبور الأساسية: كازاخستان، أذربيجان، جورجيا، وتركيا.
  2. حوض البحر المتوسط: كمحطة ربط حاسمة، مع الاهتمام بالدول المطلة عليه والتي تلعب دوراً محورياً في الربط مع أوروبا، وخاصة تركيا واليونان وإيطاليا. بينما تذكر دول البحر الأحمر (مصر، السعودية، اليمن) في سياق تحليل الأزمة الدافعة للبحث عن بدائل.
  • الحدود الزمنية:

تركز الدراسة على الفترة الزمنية التي شهدت تصاعد الاهتمام بالممرات البديلة بشكل مكثف، وهي الفترة من عام 2022 حتى أوائل عام 2026. حيث يمثل عام 2022 نقطة تحول رئيسية مع الحرب في أوكرانيا وبداية التحول الجدي عن الممر الشمالي عبر روسيا.

خامساً: الإطار النظري

تنطلق الدراسة من الأساس الصلب للفكر الجيوبوليتيكي الكلاسيكي الذي يرى في الجغرافيا عاملاً حاسماً ومحدداً للقوة السياسية. حيث تستند على أفكار هالفورد ماكيندر (13) حول منطقة القلب وأهمية السيطرة على الكتلة الأرضية الأوراسية، ولكنها تعيد قراءتها في سياق معاصر حيث لم تعد السيطرة العسكرية المباشرة على الأرض هي الهدف الوحيد، بل السيطرة على شبكات الربط والتدفقات التي تمر عبر هذه الأرض. هنا، تتبنى الدراسة منظور جيوبوليتيك التدفقات الذي طوره علماء مثل جون أغنيو (14) وسيمون دالبي (15) حيث لا ينظر إلى الدول ككائنات ثابتة ذات حدود صلبة، بل كعقد في شبكات عالمية متحركة للسلع، ورأس المال، والمعلومات، والطاقة. بناءً عليه، فإن الممر الأوسط ليس مجرد خط على الخريطة، بل هو مشروع لإنشاء وإعادة توجيه شبكة تدفقات استراتيجية بعيداً عن نقاط الاختلال والصراع. تفسر هذه العدسة السباق على الممرات البديلة كصراع على السيادة على الشبكات، حيث تسعى القوى إلى تحصين سلاسل إمدادها الحيوية من خلال التحكم في مسارات بديلة، وبالتالي تحقيق درجة من السيادة اللوجستية التي تعزز استقلاليتها الاستراتيجية في نظام عالمي متشابك لكنه هش.

يستند الإطار النظري أيضاً على نظرية الاقتصاد السياسي ونظرية الهيمنة والتبعية لفهم الدوافع الاقتصادية والبنى الهيكلية الكامنة وراء مشاريع الممرات. حيث تستخدم الدراسة تحليلاً مستوحى من مدرسة النظام العالمي ، لكنها تطبقه على ديناميكيات النظام متعدد الأقطاب الناشئ. في هذا السياق، لا ينظر إلى مشاريع مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية أو البوابة العالمية الأوروبية على أنها مجرد بنى تحتية اقتصادية، بل كأدوات لـ إعادة هيكلة العلاقات المركزية-الهامشية على المستوى الإقليمي والعالمي. فتهدف الصين، عبر استثماراتها في البنى التحتية عبر أوراسيا، إلى دمج دول آسيا الوسطى والقوقاز بشكل أعمق في شبكتها الاقتصادية، مما يخلق علاقات تبعية جديدة ويوسع نطاق هيمنتها الاقتصادية. في المقابل، تسعى استراتيجية الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز التوصيلية المستدامة كبديل لنموذج الصين، بهدف جذب الدول الشريكة إلى مداره التنظيمي والقيمي. وبالتالي تتفاعل النظرية مع مفهوم القوة البنيوية لسوزان سترينج (16) ، حيث يتم اختبار قدرة القوى العظمى على تشكيل الأطر الهيكلية التي تعمل فيها الدول الأخرى – في هذه الحالة، أطر النقل، والطاقة، والرقمنة. حيث يصبح التنافس على الممرات البديلة، إذن، تنافساً على من سيحدد قواعد وشكل العولمة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.

كما تساهم نظرية الأمننة في تفسير الزخم السياسي المفاجئ والدعم الاستثنائي الذي تحظى به مشاريع الممرات البديلة في أعقاب الأزمات، وتستعين الدراسة بـنظرية الأمننة كما صاغها باري بوزان وأول ويفر (17) حيث تفترض هذه النظرية أن القضايا ترفع من المجال السياسي العادي إلى المجال الأمني الاستثنائي من خلال خطاب أمنني ناجح، يصور التهديد على أنه وجودي وملح، وبالتالي يبرر اتخاذ إجراءات غير عادية وتخصيص موارد هائلة. تطبق الدراسة هذا الإطار لتحليل كيف تمت أمننة أزمة سلاسل الإمداد العالمية بعد جائحة كوفيد-19، ثم تصعيدها بعد الحرب في أوكرانيا وهجمات البحر الأحمر. حيث تم تصوير اعتماد أوروبا على الممرات الروسية أو الممرات البحرية الهشة على أنه تهديد للأمن القومي والرفاه الاقتصادي، مما حول مشروع الممر الأوسط من مجرد خيار اقتصادي إلى ضرورة أمنية استراتيجية.

تساهم أيضاً نظريات الابتكار والانتقال الاجتماعي-التقني في استكشاف الأبعاد المستقبلية للممرات البديلة، يدمج الإطار نظريات من دراسات العلوم والتكنولوجيا والمجتمع والانتقال الاجتماعي-التقني. فتستخدم الدراسة نموذج المجالات المتعددة لفرانك جيل (18) للوقوف على ديناميكيات التحول نحو أنظمة نقل وطاقة أكثر خضرة وذكاءً. فيرى هذا النموذج أن التغيير ينتج عن التفاعل بين ثلاثة مستويات:

  • المشهد الخارجي من الضغوط العالمية مثل تغير المناخ والأزمات الجيوسياسية
  • النظام السائد المتمثل في البنى التحتية والقواعد والممارسات المؤسسية الحالية للنقل القائم على الوقود الأحفوري
  • الحاضنات التكنولوجية حيث تتطور وتختبر الابتكارات مثل الهيدروجين الأخضر والتوائم الرقمية.

في هذا السياق، تمثل الممرات البديلة نافذة فرصة أطلقتها أزمات المشهد الخارجي (الجيوسياسية) لهز استقرار النظام السائد وخلق مساحة للحلول المبتكرة في الحاضنات للتسلل والانتشار. يتقاطع هذا مع مفهوم الجيو-تقنيات . حيث تصبح السيطرة على التقنيات الحاسمة للتحول الأخضر والرقمي (مثل تحليل الكهرباء، تقنيات احتجاز الكربون، منصات البيانات) بحد ذاتها ساحة للتنافس الجيوسياسي، وتستخدم كأدلة للقوة الناعمة والصلبة.

هيكل الدراسة

القسم الأول: المقدمة العامة

القسم الثاني: السياق الجيوسياسي والتحول الاستراتيجي

القسم الثالث: تحليل الممر الأوسط والربط المتوسطي

القسم الرابع: التحول المستقبلي والتنافس الدولي

القسم الخامس: النتائج والتوصيات والسيناريوهات المتوقعة

القسم الثاني: السياق الجيوسياسي والتحول الاستراتيجي

شهدت الفترة من 2023 إلى 2026 تصعيداً نوعياً في أزمات البحر الأحمر، حيث تحول من ممر تجاري عالمي إلى ساحة صراع مفتوحة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية متضاربة. فلم تكن الهجمات على السفن التجارية حدثاً عارضاً، بل تعبيراً عن انهيار شامل لما يمكن تسميته الحاضنة الجيوسياسية والأمنية للبحر الأحمر، أي تلك الشبكة المعقدة من الاستقرار السياسي الداخلي للدول المطلة، والعلاقات الإقليمية السلمية، والفاعلية المؤسسية لأطر التعاون المشترك (3). لقد كشفت هذه الأزمة عن خلل هيكلي يتجاوز التهديدات الأمنية المباشرة، حيث أدى تراكم الصراعات المسلحة المحلية في اليمن وإثيوبيا والسودان، والتنافس الحاد على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، إلى تآكل القدرة الجماعية على ضمان الأمن الملاحي. يتمثل جوهر الأزمة في تحول الاستراتيجيات الأمنية من كونها استباقية تعاونية إلى ردود فعل انفرادية وقصيرة المدى، مما قوض الثقة الأساسية في استقرار وموثوقية هذا الممر الحيوي ككل.

أدت كل الشواهد السابقة إلى ظهور ديناميكية جيوبوليتيكية مضادة متجذرة في قلب هذه الأزمة. ففي اليمن، الذي يشكل الحلقة الأضعف في الحاضنة الجيوسياسية للبحر الأحمر، تتعرض المشاريع الرامية إلى تفكيك الدولة وتوظيفها كأداة في صراع نفوذ إقليمي لهزيمة استراتيجية. فالمشروع الذي سعى إلى تحويل جنوب اليمن إلى كيان عتبي وظيفي، مشابه لنموذج صومالاند، قابل للتدويل والاستخدام كورقة ضغط في معادلات النفوذ الكبرى، يواجه تراجعاً حاسماً (19). ويرتبط هذا الفشل بمشروع إقليمي أوسع، يهدف إلى إعادة تعريف جيوبوليتيك البحر الأحمر والجزيرة العربية من خلال خلق كيانات هشة قابلة للتأثير الخارجي. إن تراجع هذا المشروع التفكيكي ليس حدثاً يمنياً داخلياً فحسب، بل هو مؤشر على تحول بنيوي في منطق التعامل مع الجغرافيا الحيوية للمنطقة. فبدلاً من اعتبارها مساحة رمادية مفتوحة للاختراق، تعاد صياغتها كفضاء سيادي تزداد الحاجة إلى استقراره ووحدته. تدعم هذا التحول عوامل متعددة: موقف سعودي ثابت رافض للتقسيم ولديه رؤية لتحويل اليمن من عبء أمني إلى رافعة استقرار، وإدراك دولي متزايد – خاصة من قبل القوى الاقتصادية الكبرى المعتمدة على الممر مثل الصين – بأن الفوضى في اليمن تهدد مصالحها الحيوية، ورفض داخلي يمني واسع لتحويل القضية الجنوبية العادلة إلى أداة لمشروع خارجي.

 

كان التأثير المباشر لهذا الانهيار الأولي للحاضنة الجيوسياسية على سلاسل الإمداد العالمية سريعاً وعميقاً. حيث تسببت الهجمات في إعادة توجيه جزء كبير من الشحنات التجارية حول رأس الرجاء الصالح في إفريقيا، مما أدى إلى زيادة كبيرة في وقت العبور والتكاليف التشغيلية، حيث أدت الاضطرابات إلى ارتفاع أسعار الشحن البحري بشكل حاد، مع تضاعف التكاليف على بعض المسارات أكثر من خمسة أضعاف في أوائل عام 2024 (4). وامتدت التداعيات لتشمل قطاعات الطاقة والسلع الأساسية والسلع المصنعة، مما هدد بخلق ضغوط تضخمية جديدة في الاقتصادات المستوردة، وخاصة في أوروبا. يمكن رصد حجم هذا التأثير من خلال البيانات التالية:

الجدول (1): تأثير أزمة البحر الأحمر على مؤشرات النقل البحري

المؤشرقبل الأزمة (معدل 2023)أثناء الأزمة (ذروة 2024)نسبة التغير
زمن الرحلة (آسيا-أوروبا)~35 يوم عبر قناة السويس~45-50 يوم عبر رأس الرجاء الصالح+30% إلى +40%
تكلفة النقل (حاوية 40 قدم)800 – 1500 دولار أمريكي4000 – 6000 دولار أمريكي+400% إلى +500%
أقساط التأمين الحربي0.02% – 0.05% من قيمة الشحنةوصلت إلى 1% أو أكثرزيادة هائلة
نسبة السفن المعادة التوجيهأقل من 5%تجاوزت 50% على بعض المساراتزيادة كاسحة

الجدول من اعداد الباحثة بناءً على المصدر: استناداً إلى بيانات وتقارير من (4) وتحليل تقارير السوق البحري.

يظهر الجدول بوضوح حدة الصدمة التي تعرضت لها سلاسل الإمداد العالمية حيث إن الزيادة التي تتراوح بين 30% إلى 40% في زمن الرحلة لا تعني مجرد تأخير، بل تعطيلاً كاملاً لدورة الإنتاج والتوزيع للعديد من الصناعات التي تعتمد على التوقيت الدقيق، مثل صناعة السيارات والإلكترونيات. كما يظهر الارتفاع غير المسبوق في تكاليف النقل بنسبة تصل إلى 500%، وهو ما يمثل عبئاً مالياً يمتص هوامش الربح ويدفع نحو ارتفاع أسعار المستهلك النهائية. أما ارتفاع أقساط التأمين الحربي إلى نحو 1% من قيمة الشحنة، فيعني أن المخاطرة الجيوسياسية نفسها قد تحولت إلى سلعة باهظة الثمن، مما يجعل التجارة عبر هذا المسار غير مجدية اقتصادياً للعديد من السلع منخفضة القيمة. أخيراً، تحوّل أكثر من نصف السفن عن المسار الطبيعي، وهو مؤشر قوي على فقدان الثقة في سلامة وقابلية التنبؤ بالممر، مما أدى إلى ازدحام غير متوقع في المسار البديل حول أفريقيا وخلق اختناقات جديدة.

دفع هذا الاضطراب غير المسبوق والهزات الجيوبوليتيكية المصاحبة في اليمن إلى تسليط الضوء على هشاشة الاعتماد المفرط على مسارات بحرية أحادية ومعرضة للخطر، مما حفز استجابات دولية متعددة المستويات. واتخذت هذه الاستجابة شكلاً مزدوجاً: عسكرياً ردياً من خلال تشكيل تحالفات مثل العملية الأمريكية حارس الازدهار وعملية الاتحاد الأوروبي أسبيدوس، واستراتيجياً طويل المدى من خلال تسريع البحث والاستثمار في ممرات بديلة تقلل من الاعتماد على البحر الأحمر. لقد تحول هذا البحث من خيار تكتيكي إلى أولوية استراتيجية ضمن إطار أوسع من تفتيت أو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية استجابة لعصر من عدم اليقين الجيوسياسي (1) فلم تعد الحكومات والمؤسسات المالية الدولية تبحث فقط عن طرق أرخص، بل عن طرق أكثر أماناً وسيطرة، حتى لو كانت تكلفتها الأعلى في الأمد القصير. إن فشل المشاريع التفكيكية في اليمن(19)، لا يلغي هذه الحاجة بل يعززها؛ فهو يقلل من خطر تفاقم الفوضى طويلة الأمد في أحد أهم الممرات، لكنه لا يمحو ذكرى الصدمة أو يزيل المخاطر الأخرى. لذلك، فإن السعي نحو بدائل يظل استراتيجية دفاعية أساسية.

في هذا المشهد الجيوسياسي المضطرب والمتغير، برز الممر الأوسط كأهم استجابة استراتيجية عملية على الأرض. حيث يشكل تزامن أزمتي أوكرانيا والعقوبات على الممر الشمالي عبر روسيا والبحر الأحمر نافذة فرصة غير مسبوقة للممر الأوسط. حيث حولته من مجرد خيار لوجستي من بين عدة خيارات، غالباً ما كان يعتبر أقل كفاءة، إلى مشروع ذي أولوية سياسية وأمنية عليا للعديد من الدول. يقدم الممر حلاً جاذباً لأنه يتجنب تماماً المناطق الساخنة في البحر الأحمر وأوكرانيا، ويوفر اتصالاً برياً-بحرية مباشراً بين الصين وأوروبا عبر دول القوقاز وآسيا الوسطى التي تسعى للاستقرار والاندماج الاقتصادي. لقد حولته الأزمة من مشروع اقتصادي إلى أصل استراتيجي له قيمة تتجاوز مجرد حسابات الربح والخسارة التجارية البحتة، وأصبح ينظر إليه على أنه عنصر حيوي في سيادة اللوجستيات للدول المستوردة، وخاصة في أوروبا.

أدى هذا التحول في النظرة الاستراتيجية إلى تسريع ملموس في تطوير الممر الأوسط وتغيير في ديناميكيات أدائه. وفقاً لتقرير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، شهد الممر قفزة في حجم الشحنات بنسبة 89% على أساس سنوي في الأشهر التسعة الأولى من عام 2023 (6). كما أطلقت الدول الواقعة عليه مبادرات تعاونية جديدة لمعالجة الاختناقات، مثل الاتفاق الثلاثي بين أذربيجان وكازاخستان وجورجيا لتوحيد التعريفات وتبسيط الإجراءات. يمكن ملاحظة هذا التحول من خلال تطور مؤشراته الرئيسية:

الجدول (2): تطور أداء الممر الأوسط (مقارنة بين ما قبل وبعد تصاعد أزمات 2022-2023)

معيار الأداءفترة ما قبل الأزمات (مثل 2021)فترة ما بعد الأزمات (2023-2024)
الحجم السنوي (تقريبي)~20,000 – 30,000 حاوية مكافئة (TEU)تجاوز 100,000 حاوية مكافئة (TEU) في بعض التقديرات
الاهتمام السياسيمتواضع، يركز على المشاريع الثنائية.عالي المستوى، مع قمم واتفاقيات متعددة الأطراف.
التدفق الاستثماريبطيء ومتقطع.متسارع، مع إعلانات عن استثمارات بمليارات الدولارات.
نسبة الاعتماد على النفط/الغازعالية (معظم الشحنات).متنوعة بشكل متزايد (سلع مصنعة، مواد أولية).

الجدول من اعداد الباحثة بناءً على المصدر: استناداً إلى بيانات من (6) وتقارير رابطة الطريق الناقل عبر بحر قزوين الدولية (TITR).

يكشف الجدول السابق عن تحول جذري في طبيعة الممر الأوسط. فالزيادة الحادة في حجم الشحنات، التي تجاوزت 300%، ليست مجرد نمواً طبيعياً بل هي مؤشر على الهجرة القسرية للسلع من المسارات المعطلة. حيث كشف هذا الطلب المفاجئ بسرعة عن محدودية القدرة الاستيعابية الحالية للممر، خاصة في قطاعي العبارات عبر بحر قزوين والسكك الحديدية في القوقاز، مما خلق ضغوطاً جديدة على البنية التحتية. والأهم من ذلك، أن الارتفاع الكبير في الاهتمام السياسي والاستثماري يؤكد أن الممر قد تجاوز مرحلة المشروع الاقتصادي ليدخل مرحلة المشروع الجيوسياسي. تحولت اجتماعات وزراء النقل إلى اجتماعات وزراء خارجية، وظهرت تمويلات من بنوك التنمية الدولية لمشاريع كانت تنتظر لسنوات. أخيراً، يشير تنويع الشحنات ليشمل سلعاً مصنعة ومواد أولية، وليس فقط النفط والغاز، إلى أن الممر بدأ يكتسب مصداقية كمسار تجاري عام، مما يوسع من آفاقه المستقبلية ويخرجه من كونه قناة متخصصة للطاقة فقط.

إن تصاعد أهمية الممر الأوسط أعاد رسم الخريطة الجيوسياسية لمنطقة القوقاز وآسيا الوسطى، حيث وجدت دول المنطقة نفسها في مركز لعبة جيوسياسية كبرى. فمن ناحية، عزز هذا الأمر من سيادتها وقدرتها التفاوضية، حيث أصبحت بنيتها التحتية أصولاً استراتيجية مرغوبة للغاية. ومن ناحية أخرى، زاد من حدة التنافس بين القوى الخارجية على النفوذ فيها. برزت منظمة الدول التركية كإطار إقليمي فاعل لتنسيق الجهود، حيث تسعى دولها الأعضاء لتوحيد المواصفات وتسهيل العبور (5). في الوقت نفسه، تسعى الصين إلى ضمان توافق تطور الممر مع أجندة مبادرة الحزام والطريق، بينما يدفع الاتحاد الأوروبي من خلال بوابته العالمية لتطوير الممر وفق معاييره الخاصة في مجال الاستدامة والحوكمة، وهو ما يتجلى في التركيز على المعايير الرقمية والبيئية في المشاريع الممولة من قبل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والاتحاد الأوروبي (6). كما أن التوترات الإقليمية المستمرة، مثل تلك بين أرمينيا وأذربيجان، تشكل تهديداً دائماً لسلاسة وموثوقية التدفقات عبر الممر، وتذكر بأن الجدوى الاقتصادية للمشروع لا تزال رهينة بالاستقرار السياسي المحلي.
مع دخول عام 2026، تتعقد الصورة الاستراتيجية أيضاً. فمن ناحية، هناك مؤشرات على عودة تدريجية للسفن إلى البحر الأحمر مع اختبار بعض شركات الملاحة للمياه، مما قد يوحي بتهدئة مؤقتة. ومن ناحية أخرى، تستمر التحولات الجيوبوليتيكية العميقة، حيث تشير التطورات نحو نهاية مشاريع التفتيت في اليمن إلى ترسيخ منطق الدولة السيادية والاستقرار كخيار إقليمي ودولي مفضل (19).

لذا فقد تركت التطورات المتزامنة أثراً دائماً في العقلية الاستراتيجية للأطراف الفاعلة. ففشل المشاريع التفكيكية يقلل من خطر انفجار فوضى دائمة في الممر التقليدي، ولكنه لا يلغي الهشاشة الهيكلية أو يمحو ذاكرة الصدمة اللوجستية. حتى مع عودة جزئية للملاحة عبر البحر الأحمر، فقد تأكدت الحاجة المطلقة إلى وجود خيارات احتياطية قابلة للتطوير السريع. بمعنى آخر، لم يعد الممر الأوسط مشروعاً طارئاً فحسب، بل تحول إلى بوليصة تأمين لوجستية دائمة وأصل استراتيجي متنوع ضمن محفظة خيارات النقل العالمية. الاستثمارات الضخمة التي ضخت خلال 2024-2025 في بنيته التحتية والتكامل الرقمي لن تتبخر؛ بل ستعمل على تحسين قدرته التنافسية على المدى الطويل. وبالتالي، فإن عام 2026 قد يمثل بداية مرحلة جديدة أكثر دقة، حيث يتحول التركيز من تطوير الممر كرد فعل وحيد للأزمة إلى دمجه واستثماره كأحد الأصول الدائمة في شبكة تجارية متعددة المسارات وأكثر مرونة وقدرة على الصمود. حيث ان المستقبل لا ينتمي إلى مسار واحد مهيمن، بل إلى شبكة من المسارات المترابطة، حيث يلعب الممر الأوسط دوره ليس فقط عندما تغلق الطرق الأخرى، بل كقناة مستدامة للسلع ذات القيمة العالية والطلب الزمني الحساس، مكملة – وليس بالضرورة منافسة – للممرات البحرية التقليدية التي قد تستعيد بعض زخمها ولكن ضمن بيئة جيوسياسية أعيد تعريفها.

القسم الثالث: تحليل الممر الأوسط والربط المتوسطي

يمتد الممر الأوسط، المعروف رسمياً باسم الطريق الناقل عبر بحر قزوين الدولي (TITR)، على مسار معقد يتجاوز 6,500 كيلومتر من الحدود الصينية إلى بوابات أوروبا عبر مزيج دقيق من وسائط النقل البرية والبحرية. في جوهره، يبدأ المسار من محطتي عبور رئيسيتين على حدود الصين، وهما داستيك وخورغوس (ألتينكول)، في كازاخستان. من هناك، تتحرك الشحنات بالسكك الحديدية غرباً عبر الأراضي الكازاخستانية الشاسعة، حيث تشكل شبكة السكك الحديدية المتأثرة بالمعيار الروسي ذي المقياس العريض (1,520 مم) العمود الفقري البري الأول. حيث يصل القطار إلى الساحل الكازاخستاني لبحر قزوين في مينائي أكتاو أو كوريك، حيث يواجه أول عملية نقل حرجة: التفريغ من القطار إلى عبارة بحرية لعبور بحر قزوين. تمثل هذه الرحلة البحرية، التي قد تستغرق ما بين 12 إلى 36 ساعة حسب الظروف والوجهة، عقدة جغرافية محورية تحول المسار من بري بحت إلى نظام متعدد الوسائط. على الضفة الغربية للبحر، تستقبل موانئ أذربيجان، ولا سيما ميناء آلاط الجديد، الشحنات. تنقل البضائع بعد ذلك عبر أذربيجان باتجاه الغرب، إما عبر خط سكك حديد باكو-تبليسي-قارص (BTK) الذي تم افتتاحه عام 2017، أو عبر الطرق البرية إلى جورجيا. في جورجيا، يواجه الممر خياراً استراتيجياً: متابعة الرحلة براً عبر تركيا عبر خط BTK نحو إسطنبول وموانئ البحر المتوسط التركية مثل مرسين وإسكندرون، أو التحول شمالاً إلى الموانئ الجورجية على البحر الأسود، مثل بوتي وباطومي، للشحن البحري عبر البحر الأسود ومضيق البوسفور إلى البحر المتوسط ثم الموانئ الأوروبية.

يعتبر بحر قزوين، باعتباره أكبر مسطح مائي داخلي في العالم، اختناقاً جغرافياً وهيكلياً بالغ الأهمية في هذا المسار. لا تقتصر التحديات على مجرد عبور مائي، بل تتعلق بطبيعة البحر نفسه: مياه ضحلة نسبياً (خاصة في جزئه الشمالي)، وتقلبات موسمية في درجات الحرارة تؤدي إلى تكوّن جليد في الشتاء يعيق الملاحة، وانخفاض مستمر في منسوب المياه بفعل تغير المناخ والاستهلاك البشري، مما يهدد عمق الممرات الملاحية ومداخل الموانئ (11). علاوة على ذلك، فإن أسطول العبارات المتخصصة (الرو-رو واللو-لو) في بحر قزوين محدود العدد وغير كافٍ لمواكبة الطلب المتزايد، حيث يسيطر عدد قليل من المشغلين، مما يؤدي إلى تكاليف انتظار باهظة وتأخيرات قد تمتد لأيام. تتفاقم هذه المشكلة بسبب عدم وجود تنسيق في جداول الإبحار بين الموانئ الكازاخستانية والأذرية، مما يحول دون تحقيق خدمة منتظمة ومتكاملة تشبه الخط الملاحي.

تشكل البنية التحتية للسكك الحديدية، رغم الاستثمارات الكبيرة، مصدراً آخر للاختناقات. وتكمن المشكلة الرئيسية في اختلاف مقاييس السكك الحديدية، وهو إرث تاريخي للحدود الإمبراطورية. تستخدم كازاخستان وأذربيجان وجورجيا المقياس العريض الروسي (1,520 مم)، بينما تستخدم تركيا ومعظم أوروبا المقياس القياسي العالمي (1,435 مم). يتطلب هذا الاختلاف عمليتي تغيير للعجلات أو نقل للبضائع على الحدود: الأولى عند مدخل الممر من الصين إلى كازاخستان، والثانية عند الانتقال من خط BTK في جورجيا إلى الشبكة التركية. كل عملية من هذه العمليات تستغرق وقتاً (ما بين 2 إلى 8 ساعات للحاوية الواحدة) وتضيف تكاليف تصل إلى مئات الدولارات لكل حاوية، مما يقوض الكفاءة التنافسية للممر مقابل الطرق البحرية المباشرة التي لا تعرف مثل هذه العوائق.

الجدول (3): الاختناقات التشغيلية الرئيسية في الممر الأوسط

الاختناقالموقعالتأثير على الأداء
اختلاف مقاييس السكك الحديديةحدود الصين-كازاخستان؛ حدود جورجيا-تركيا (على خط BTK).تأخير 2-8 ساعات لكل حاوية. مالي: تكلفة إضافية 200-800 دولار للحاوية.
القدرة المحدودة للعبّارات في بحر قزوينبين موانئ أكتاو/كوريك (كازاخستان) وآلاط/باكو (أذربيجان).أوقات انتظار تصل إلى 5 أيام في الذروة

ارتفاع أسعار الشحن بنسبة تصل إلى 40% خلال الأزمات.

الإجراءات الجمركية والحدودية غير المنسقةجميع المعابر بين دول الممر (مثلاً: كازاخستان-أذربيجان، أذربيجان-جورجيا).تعقيدات وتباين في وقت الإفراج. لوجستي: نقص في الشفافية وصعوبة التتبع.
التحديات البيئية في بحر قزوينمستوى سطح البحر المتدهور، وجود جليد موسمي.إبطاء أو إيقاف الملاحة في الشتاء. هيكلي: تقييد حمولة السفن وتهديد الاستثمارات الساحلية.

الجدول من اعداد الباحثة بناءً على المصدر: تجميع من (6 ؛9 ؛ 11).

يتطلب اكتمال رحلة الممر الأوسط اتصاله الحيوي بشبكة النقل والخدمات اللوجستية في حوض البحر المتوسط، الذي يعمل كمحطة نهائية ومنصة إعادة توزيع نحو الأسواق الأوروبية. تتركز العقد اللوجستية المتوسطية الرئيسية التي تخدم الممر في منطقتين: الأولى في شرق المتوسط، وتتمحور حول الموانئ التركية مثل إسكندرون ومرسين، والتي تستقبل الشحنات القادمة براً عبر خط. والثانية في جنوب شرق أوروبا عبر الموانئ اليونانية، ولا سيما ميناء بيرايوس، الذي أصبح تحت إدارة المجموعة الصينية مركزاً رئيسياً لإعادة توزيع الشحنات القادمة بحراً من موانئ البحر الأسود (بوتي، باطومي) أو مباشرة عبر خطوط ملاحية من البحر الأسود. وتعتمد قدرة الموانئ المتوسطية على استيعاب التدفقات المتزايدة من الممر الأوسط على جاهزية بنيتها التحتية الداخلية (الأرصفة، معدات مناولة الحاويات) وعلى كفاءة روابطها النقلية الداخلية (الطرق الأخيرة) بالسكك الحديدية والطرق السريعة نحو مراكز الاستهلاك والتوزيع في أوروبا الوسطى والغربية. هنا، تظهر إحدى نقاط الضعف، حيث أن شبكة النقل بين دول البلقان لا تزال أقل تطوراً مقارنة ببقية أوروبا، مما قد يخلق اختناقاً جديداً حتى بعد وصول البضائع إلى الميناء المتوسطي.

لكن يؤدي تقييم التكامل بين الممر الأوسط والشبكات المتوسطية إلى وجود فجوة حوكمية وتقنية مهمة. فالممر الأوسط هو نتاج اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف بين دول آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا، بينما تخضع عمليات الموانئ والروابط الأوروبية للتنظيم الموحد للاتحاد الأوروبي وسياساته المشتركة في مجال النقل. ويشكل هذا الاختلاف في الأطر التنظيمية والمعايير الفنية (مثل تلك المتعلقة بالأمن والبيئة والبيانات) عائقاً أمام إنشاء ممر سلس حقيقي. يجب أن يعمل التكامل الناجح على سد هذه الفجوة من خلال اعتماد أنظمة معلومات لوجستية متوافقة وبروتوكولات أمنية معترف بها بشكل متبادل، وهي عملية معقدة تتطلب إرادة سياسية ومستوى عالٍ من الثقة بين جميع الأطراف المعنية.

الجدول (4): مؤشرات الأداء بين الممر الأوسط والمسارات البديلة (بيانات متوسطة لـ 2024-2025)

المؤشرالممر الأوسطالممر البحري التقليدي (قبل الأزمة)الملاحظات
زمن العبور (الصين-أوروبا)18 – 25 يوم35 – 45 يومميزة نسبية للممر الأوسط في الزمن. يعتمد على التنسيق وتجنب الاختناقات.
التكلفة (حاوية 40 قدم)6,000 – 8,500 دولار4,000 – 6,000 دولار (في الذروة: >10,000)عائق رئيسي. التكلفة الأعلى تعكس تعدد الوسائط والرسوم.
القدرة السنوية القصوى الحالية~ 150,000 – 200,000 TEUلا مقارنة (ملايين TEU)فجوة هائلة في الحجم. تمثل الحد الرئيسي للتوسع السريع.
مؤشر الثبات/الموثوقيةمتوسط إلى منخفضمرتفع جداً (في الأوقات العادية)يعتمد على الاستقرار الجيوسياسي الداخلي (القوقاز) والأوضاع في المتوسط.
البصمة الكربونيةأقل نسبياًأعلىميزة خضراء محتملة. النقل بالسكك الحديدية أكثر كفاءة من السفن التي تعمل بالوقود الثقيل، لكن الصورة غير مكتملة دون حساب النقل البحري عبر قزوين.

الجدول من عمل الباحثة بناءً على المصادر: (6؛ 5؛ بيانات من تقارير TITR Association).

يكشف الجدول عن وضعية متناقضة للممر الأوسط فمن ناحية، يتمتع بميزة زمنية واضحة وقابلة للتحسين أمام المسار البحري، مما يجعله خياراً جاذباً للسلع ذات القيمة العالية والحساسة للوقت. ومن ناحية أخرى، تظل التكلفة العالية والطاقة الاستيعابية المحدودة عائقين جوهريين. وتشير القدرة القصوى الحالية البالغة نحو 200,000 حاوية مكافئة إلى أنه حتى لو عمل الممر بكامل طاقته، فلن يستطيع استيعاب سوى جزء ضئيل (أقل من 1%) من التدفق التجاري عبر قناة السويس، مما يحدد دوره الحالي كبديل متخصص ومكمل وليس بديلاً شاملاً. ومع ذلك، فإن البصمة الكربونية المنخفضة نسبياً تعطيه ميزة استراتيجية في سياق التحول الأخضر وتفضيلات السياسة الأوروبية، حيث يمكن تسويقه كـ ممر تجاري أخضر في إطار استراتيجية البوابة العالمية للاتحاد الأوروبي (20؛21).

رغم هذه التحديات، فإن تطوير الممر الأوسط يخلق فرصاً اقتصادية وتحويلية عميقة للدول الواقعة على مساره. بالنسبة لدول مثل كازاخستان وأذربيجان وجورجيا، لا يمثل الممر مجرد مصدر للإيرادات العابرة، بل هو مشروع وطني لتعزيز السيادة اللوجستية وتحفيز التحول الاقتصادي. فهو يخلق فرص عمل في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والبناء، ويجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البنية التحتية والمجمعات الصناعية المرتبطة بالموانئ والطرق، مثل المنطقة الاقتصادية الحرة في ميناء آلاط في أذربيجان. كما يدفع نحو التكامل الإقليمي، حيث تعمل الدول المعنية على تنسيق سياساتها وتوحيد إجراءاتها، كما يظهر في مبادرات مثل المنصة الرقمية الموحدة التي تدعمها استراتيجية البنك الدولي لرقمنة القوقاز (5). علاوة على ذلك، فإن الممر يعيد تعريف دور هذه الدول في الاقتصاد العالمي، من دول هامشية تعتمد على تصدير المواد الخام إلى دول تعمل كعقَد نشطة في سلاسل القيمة العالمية، مما يعزز مكانتها الجيوسياسية ويوفر حافزاً للإصلاحات الداخلية لتحسين بيئة الأعمال والشفافية.

يظل الممر الأوسط عملاً تحت الإنشاء، وهو مزيج معقد من الفرص الاستراتيجية والتحديات التشغيلية الصعبة. إن قدرته على التحول إلى بديل موثوق ومستدام لسلاسل الإمداد العالمية لا تعتمد فقط على الاستثمار في الأسمنت والفولاذ للسكك الحديدية والموانئ، بل تعتمد بشكل حاسم على الاستثمار في البنية التحتية الناعمة: التنسيق المؤسسي، والتكامل الرقمي، والثقة بين الشركاء، والحلول المبتكرة للتغلب على الاختلافات الفنية والجغرافية. إن مستقبله مرتبط بقدرة أصحاب المصلحة على تحويله من مجرد مسار إلى نظام إيكولوجي لوجستي متكامل، يوفر قيمة مضافة تتجاوز مجرد تجاوز منطقة مضطربة، ليشمل الموثوقية والسرعة والشفافية والاستدامة.

القسم الرابع: التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية في عصر الممرات البديلة

4.1. استراتيجيات القوى الكبرى

4.1.1 الصين

تشكل الصين القوة الدافعة الأكثر تأثيراً في تطوير الممرات البرية عبر أوراسيا في العقد الحالي، حيث تعيد بكين تعريف أولوياتها الجيوسياسية والاقتصادية في أعقاب التحولات الجذرية التي شهدها النظام الدولي منذ عام 2022. تستند استراتيجية الصين إلى تحول نوعي من النموذج التقليدي لمبادرة الحزام والطريق إلى نموذج أكثر مرونة وتركيزاً على الممرات البديلة، خاصة بعد تعطيل الممر الشمالي عبر روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا. وتكمن الرؤية الصينية في خلق نظام اقتصادي أوراسي متكامل يتمحور حول شبكات النقل والطاقة والاتصالات التي تربط الصين بأسواق أوروبا عبر مسارات متعددة، مع التركيز بشكل خاص على الممر الأوسط كبديل استراتيجي للممرات البحرية المعرضة للخطر (9).

يتميز النهج الصيني بتقديم حزمة استثمارية متكاملة تجمع بين التمويل السريع عبر بنوك التنمية الصينية، والخبرات التقنية في إنشاء البنى التحتية، والضمانات السياسية طويلة الأمد. تشير البيانات الصادرة عن البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية إلى أن استثمارات الصين في دول الممر الأوسط (كازاخستان، أذربيجان، جورجيا) قد تجاوزت 50 مليار دولار خلال الفترة 2020-2025، مع تركيز خاص على مشاريع السكك الحديدية والموانئ ومشاريع الطاقة المتجددة (6). لكن هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة على مستويين: الأول يتعلق بمخاوف مصيدة الديون التي تعبر عنها دول مثل كازاخستان التي تبلغ ديونها للصين حوالي 45% من إجمالي ديونها الخارجية، والثاني يتعلق بالمقاومة الجيوسياسية من قبل القوى المنافسة، خاصة الاتحاد الأوروبي الذي يرى في التوسع الصيني تهديداً لنفوذه التقليدي في منطقة القوقاز وأوروبا الشرقية.

4.1.2 الاتحاد الأوروبي

يمثل الاتحاد الأوروبي القوة المضادة الأكثر تنظيماً وتماسكاً في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد، حيث تبلور رؤيته الاستراتيجية في إطار مبادرة البوابة العالمية التي أطلقها في عام 2021 كرد مباشر على مبادرة الحزام والطريق الصينية. يخصص الاتحاد الأوروبي 300 مليار يورو حتى عام 2027 لتمويل مشاريع البنية التحتية في الدول النامية، مع التركيز على ثلاثة مبادئ أساسية: الاستدامة البيئية، والشفافية المالية، والتوافق مع المعايير الدولية (7). ويختلف النهج الأوروبي جوهرياً عن النموذج الصيني من حيث التركيز على جودة الاستثمارات بدلاً من كميتها، وعلى شراكة بين الأنداد بدلاً من علاقة المقرض بالمقترض، وعلى الامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية بدلاً من سرعة التنفيذ.

يولي الاتحاد الأوروبي أولوية قصوى لربط شبكة النقل الأوروبية المتعددة الوسائط بالبنى التحتية الناشئة في دول القوقاز، حيث تبلغ استثماراته في تحديث وتوسعة الموانئ والمطارات والطرق في جورجيا وأذربيجان حوالي 5 مليارات يورو للفترة 2023-2027. تشمل هذه الاستثمارات تحديث ميناء باتومي الجورجي، وتطوير خط سكة حديد باكو-تبيليسي-كارس، وإنشاء مراكز لوجستية متعددة الوسائط في نقاط العبور الرئيسية. يهدف الاتحاد الأوروبي من خلال هذه الاستثمارات إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية متداخلة: أولاً، تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا بعد الحرب في أوكرانيا؛ ثانياً، خلق مسار تجاري بديل آمن ومستقر بعيداً عن مناطق الصراع في البحر الأحمر والشرق الأوسط؛ ثالثاً، تعزيز القيم والمعايير الأوروبية في مجال الحوكمة البيئية والرقمية؛ رابعاً، تعزيز السيادة الاقتصادية الأوروبية في مواجهة التنافس الجيوسياسي مع الصين والولايات المتحدة (20).

تمثل مبادرة البوابة العالمية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2021 الإطار الاستراتيجي الأوروبي الرئيسي للمنافسة في ساحة الممرات البديلة. حيث تقدم هذه المبادرة نفسها كـقالب لكيفية بناء أوروبا لروابط أكثر مرونة مع العالم، وكمشروع بقيمة 300 مليار يورو حتى عام 2027، يركز على البنية التحتية النظيفة والآمنة في القطاعات الرقمية والمناخية والطاقية والنقلية (22). يصوَّر هذا المشروع على أنه البعد الخارجي لتحول الاتحاد الأوروبي الأخضر والرقمي المزدوج، مما يعكس محاولة أوروبية منهجية لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد عبر مبادرة الحزام والطريق من خلال تقديم بديل قائم على القيم والمعايير والاستدامة.

على الرغم من الطموحات الكبيرة والتمويل الضخم المعلن، نستنتج أن البوابة العالمية تواجه تحديات بنيوية تهدد بتحويلها من مشروع استراتيجي إلى مجموعة من المشاريع المتناثرة. يشير تحليل حديث أعد لرئاسة الاتحاد الأوروبي البلجيكية إلى أن المبادرة تميل إلى البقاء مجموعة مشاريع متناثرة للغاية لا يرافقها في كثير من الحالات حوار سياسي واضح كافٍ لدفع تغيير استراتيجي حقيقي، كما أنها تفتقر إلى روابط كافية مع الأجندة الاقتصادية والسياسية الداخلية لأوروبا وأولويات التنمية22)). وهذا التناقض بين الطموح الاستراتيجي والواقع التنفيذي يعكس مشكلة حوكمة أوسع في النظام الأوروبي متعدد المستويات، حيث يصعب التنسيق بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي و27 دولة عضو ومجموعة متنوعة من المؤسسات المالية والقطاع الخاص.

يكمن أحد التحديات المركزية في تعقيد نظام حوكمة البوابة العالمية. فالمبادرة ليس لها إطار قانوني مستقل، بل تعتمد على التنسيق بين المفوضية الأوروبية والممثل السامي ومجلس الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء. هذا الهيكل المعقد، الذي يضم مجلس البوابة العالمية ومجموعة التوجيه الداخلية ومجموعة الأعمال الاستشارية ومنصة حوار المجتمع المدني، يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرارات وصعوبة في التركيز الاستراتيجي. وفي الواقع، أدت الرغبة في الشمولية والموافقة بالإجماع بين الدول الأعضاء إلى تضخم قائمة المشاريع الرائدة من 87 مشروعاً في 2023 إلى 138 مشروعاً إضافياً في 2024، مما أثار شكوكاً جادة حول الأهمية الاستراتيجية للتنمية والسياسة الخارجية لجميع هذه المشاريع البالغ عددها 225 مشروعاً22)). هذا التضخم يضعف قيمة التصنيف كمشروع رائد ويظهر عجز الاتحاد الأوروبي عن الاختيار الاستراتيجي والتركيز.

أيضاً يواجه النموذج الأوروبي إشكالية تتمثل في التناقض بين السياسات الداخلية الحمائية والخطاب الخارجي القائم على الشراكة. فمن ناحية، تروج البوابة العالمية لشراكات متكافئة ومنفعة متبادلة مع دول الجنوب، لكن من ناحية أخرى، تتبنى الاتحاد الأوروبي سياسات صناعية وبيئية داخلية قد تنظر على أنها حمائية، مثل آلية ضبط حدود الكربون وقانون المواد الخام الحرجة ولوائح العناية الواجبة للحد من إزالة الغابات. هذا التناقض يخلق حالة من انعدام الثقة، حيث يرى بعض المراقبين في دول الجنوب أن مشاريع مثل ممر لوبيتو في أفريقيا -المرتبط بنقل المواد الخام الحرجة- ليست سوى استمرار لنزف إفريقيا؛ مما يعيد إنتاج النموذج الاقتصادي الاستعماري الجديد الذي شكل علاقات الاتحاد الأوروبي وإفريقيا عبر السنين(22). حيث يهدد هذا الاستقطاب شرعية النموذج الأوروبي ويعقد التفاوض على المعايير الخضراء والرقمية.

يعتمد نجاح البوابة العالمية بشكل حاسم على قدرتها على حشد التمويل الخاص، حيث يفترض أن تأتي نسبة كبيرة من الاستثمارات المعلنة (300 مليار يورو) من القطاع الخاص الأوروبي. ومع ذلك، يظل دور ومسارات مشاركة القطاع الخاص، وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، غير واضحة إلى حد كبير. فـمجموعة الأعمال الاستشارية التابعة للمبادرة ليس لديها سلطة اتخاذ القرار ولا تركز على مشاريع محددة (22). علاوة على ذلك، فإن المؤسسات المالية الرئيسية مثل البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ليست أعضاء في هيئات الحوكمة الرئيسية، مما يخلق فجوة بين التخطيط الاستراتيجي والقدرة التنفيذية المالية. هذا الوضع يثير تساؤلات حول واقعية الأهداف التمويلية الطموحة، خاصة في ظل البطء الملحوظ في تنفيذ الصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة بلاس.

4.1.3. تركيا

تشكل تركيا عقدة جغرافية حيوية في منظومة الممرات البديلة، حيث تمارس سياسة الجيوسياسية الإبداعية لتحويل موقعها الفريد إلى رأس مال استراتيجي متعدد الأبعاد. تدعم هذه الرؤية عدة ركائز رئيسية: أولاً، دوافع أنقرة الجيوسياسية لتقليل النفوذ الروسي في آسيا الوسطى، وتعزيز موقعها كمركز لتداول الغاز الطبيعي نحو أوروبا، وتقوية علاقاتها مع دول العالم التركي تحت مظلة رؤية 2040. ثانياً، استثماراتها العملاقة في البنية التحتية، التي تجسدت في مشروعين رئيسيين: قناة إسطنبول التي تهدف لتحويل مضيق البوسفور إلى ممر ملاحي تجاري عالمي، ومشروع طريق التنين الذي يربط شبكات النقل التركية بالممر الأوسط عبر القوقاز. تشير التقديرات إلى أن قناة إسطنبول وحدها ستكلف 15 مليار دولار وتستوعب 160 سفينة يومياً، مما يغير ديناميكيات النقل بين البحر الأسود والمتوسط. ثالثاً، تحاول أنقرة تقديم الممر الأوسط كبديل أكثر استقراراً وأمناً في ظل الأزمات الجيوسياسية، وتسعى لجذب 30% على الأقل من التدفقات التي تمر عبر الممر الشمالي الروسي. هذا الطموح يعكس رغبة تركيا في ترجمة موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي واقتصادي ملموس، وجعل نفسها الطرف المتحكم في الوصول النهائي إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما يتطلب تعاوناً واعترافاً دولياً بمركزيتها هذه. (23).

4.1.4. إسرائيل

يشهد المشهد الجيوسياسي للمتوسط تحولاً نوعياً مع ظهور إسرائيل كفاعل جديد في سوق الطاقة الخضراء العالمية، حيث تعلن عن تحول استراتيجي لصحراء النقب من منطقة للمشاريع الأمنية والعسكرية إلى وادي هيدروجين متكامل. حيث يهدف مشروع وادي الهيدروجين المقرر انطلاقه في 2026 إلى تحويل إسرائيل إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين الفيروزي (الناتج عن التحلل الحراري مع احتجاز الكربون)، مع استثمارات أولية تبلغ 12 مليون دولار وخطة طويلة الأمد لزيادة الاستثمارات إلى 500 مليون دولار بحلول 2030 (24). يتميز هذا المشروع بثلاث سمات رئيسية: أولاً، كونه مختبراً متكاملاً يختبر سلسلة القيمة الكاملة من الإنتاج إلى الاستهلاك في موقع واحد؛ ثانياً، التركيز على الهيدروجين الفيروزي كجسر تقني بين الهيدروجين الأخضر المكلف والهيدروجين الرمادي الملوث؛ ثالثاً، الاستفادة من البنى التحتية القائمة والمخطط لها، خاصة خط أنابيب الهيدروجين بطول 400 كم الذي تمت الموافقة على إنشائه من الجليل إلى إيلات.

تكتسب هذه التطورات أهمية استراتيجية مضاعفة في ضوء التحركات الإقليمية المتزامنة، حيث تجري إسرائيل مفاوضات مع مصر لتصدير الهيدروجين عبر أنابيب الغاز القائمة بين البلدين، كما تدرس إمكانية التصدير إلى اليونان وقبرص عبر خطوط أنابيب بحرية جديدة. تشير التقديرات الأولية إلى أن مشروع النقب سيصل قدرته الإنتاجية إلى 100 ألف طن من الهيدروجين الفيروزي سنوياً بحلول 2030، مما يمكن أن يغطي حوالي 10% من احتياجات الاتحاد الأوروبي المتوقعة من الهيدروجين المستورد. لكن هذا المشروع يواجه تحديات متعددة: تقنية تتعلق بتطوير تقنيات التحلل الحراري على النطاق التجاري، واقتصادية تتعلق بتنافسية التكلفة مقارنة بالهيدروجين الأخضر المنتج في السعودية وعمان، وسياسية مرتبطة بالتوترات المستمرة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.

الجدول (5): مشاريع الهيدروجين الرئيسية في الشرق الأوسط والإمكانات التصديرية (2026)

الدولة/المشروعالقدرة المستهدفةنوع الهيدروجينحامل الطاقةقناة التصديرالسوق المستهدفالاستثمارات (مليار دولار)
السعودية (نيوم)2.9 مليون طن/سنوياً بحلول 2030أخضرأمونيا خضراءالنقل البحري عبر البحر الأحمرأوروبا، آسيا، أمريكا8.4
عمان (الدقم)1 مليون طن/سنوياً بحلول 2030أخضرأمونيا خضراءالنقل البحري عبر بحر العربأوروبا، اليابان، كوريا3.5
الإمارات1.4 مليون طن/سنوياً بحلول 2030أخضر/فيروزيهيدروجين سائل/أمونياالنقل البحري والأنابيبأوروبا، اليابان5.2
مصر1.8 مليون طن/سنوياً بحلول 2030أخضرأمونيا خضراءالنقل البحري عبر قناة السويسأوروبا4.8
إسرائيل (النقب)100 ألف طن/سنوياً بحلول 2030فيروزيهيدروجين مضغوط/سائلالأنابيب والنقل البحريأوروبا، تركيا0.5
المغرب800 ألف طن/سنوياً بحلول 2030أخضرأمونيا خضراءالنقل البحري عبر مضيق جبل طارقأوروبا2.7

الجدول من عمل الباحثة بناءً على المصادر: 24؛ 8 ؛12.

تكشف بيانات الجدول عن عدة توجهات هيكلية:

أولاً، التفوق الكمي الواضح للمشاريع العربية (السعودية، الإمارات، مصر، عمان) التي تبلغ استثماراتها مجتمعة 22.6 مليار دولار وقدراتها الإنتاجية المتوقعة 7.1 مليون طن سنوياً، مقابل مشروع إسرائيل البالغة استثماراته 0.5 مليار دولار وقدرته 100 ألف طن. ثانياً، هيمنة نموذج التصدير البحري عبر الأمونيا الخضراء في المشاريع العربية (100% من المشاريع)، مقابل تنوع قنوات التصدير في المشروع الإسرائيلي (أنابيب وبحري). ثالثاً، التركيز الجغرافي للسوق الأوروبية كوجهة رئيسية لجميع المشاريع (85% من الإنتاج المستهدف)، مما يخلق تنافساً حاداً على حصة السوق الأوروبية. رابعاً، التمايز التقني بين المشاريع حيث تهيمن تقنية التحليل الكهربائي بالماء في المشاريع العربية، بينما تركز إسرائيل على تقنية التحلل الحراري التي تعتبر أقل نضجاً تقنياً ولكنها قد تكون أكثر تنافسية من حيث التكلفة في المدى المتوسط.

الجدول (6): مقارنة استراتيجيات القوى الكبرى في الممر الأوسط (2026)

المعيارالصينالاتحاد الأوروبيتركياإسرائيل
النموذج الاستثماريقروض حكومية بضمانات سياديةمنح وقروض ميسرة بشروط بيئيةاستثمارات مباشرة وشراكات عامة-خاصةاستثمارات خاصة-حكومية مختلطة
المجال التقنيالطاقة المتجددة، السكك الحديدية، الموانئالربط الرقمي، الطاقة الخضراء، النقل المستدامالنقل متعدد الوسائط، الطاقة، الاتصالاتالتقنيات النظيفة، الابتكار التطبيقي
الأهداف الجيوسياسيةتوسيع النفوذ الاقتصادي، تطويق روسيا والهندتعزيز السيادة الأوروبية، مواجهة النفوذ الصينيتعزيز المكانة الإقليمية، تحقيق الاستقلال الاستراتيجيتطبيع العلاقات الاقتصادية، تعزيز الأمن الطاقي
الميزانية (مليار دولار)50+ (2020-2025)30+ (2021-2027)20+ (2023-2030)0.5+ (2026-2030)
نقاط القوةالتمويل السريع، الخبرة الهندسية، الصبر الاستراتيجيالمعايير العالية، الشراكة المؤسسية، الاستدامةالموقع الجغرافي، المرونة الدبلوماسية، التكلفة التنافسيةالابتكار التكنولوجي، الروابط الدولية، الكفاءة
نقاط الضعفشفافية منخفضة، مخاوف الديون، مقاومة محليةالبيروقراطية، التنسيق بين الدول، بطء التنفيذعدم الاستقرار الاقتصادي، التوترات الإقليمية، التضخمالمقياس الصغير، العزلة الإقليمية، الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة

الجدول السابق من اعداد الباحثة بناء على تجميع المصادر بهذا القسم من الدراسة.

يبرز الجدول السابق تبايناً جوهرياً في النماذج والأهداف بين الفاعلين الأربعة، حيث تتبع الصين والاتحاد الأوروبي استراتيجيات القوة العظمى التي تسعى إلى تشكيل النظام الإقليمي وفقاً لمصالحها، بينما تتبع تركيا وإسرائيل استراتيجيات القوة المتوسطة التي تركز على تعزيز المصالح الوطنية في ظل النظام الإقليمي القائم. ويظهر التفوق الكمي عن التفوق الاستثماري الصيني (50+ مليار دولار) والأوروبي (30+ مليار دولار) مقارنة بالاستثمارات التركية (20+ مليار دولار) والإسرائيلية (0.5+ مليار دولار)، مما يعكس اختلافاً في القدرات والإرادات الاستراتيجية. لكن هذا التفوق الكمي لا يترجم بالضرورة إلى تفوق نوعي، حيث تتمتع تركيا بميزة نسبية حاسمة في الموقع الجغرافي، بينما تمتلك إسرائيل ميزة في الابتكار التكنولوجي. يشير التحليل إلى أن مستقبل الممر الأوسط سيتحدد من خلال التفاعل المعقد بين هذه الاستراتيجيات المتباينة، مع احتمال تشكل تحالفات تكتيكية بين فاعلين أو أكثر لتحقيق أهداف مشتركة محددة.

القسم الخامس:  السيناريوهات. النتائج والتوصيات

أولاً: السيناريوهات

في ظل التداخل المعقد للعوامل الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية التي تحيط بمستقبل الممرات البديلة، يبرز ثلاثة سيناريوهات مستقبلية رئيسية تتراوح بين التعاون والتنافس، كل منها يحمل تداعيات مختلفة على خريطة التجارة والنفوذ الإقليمي.

السيناريو الأول:

ينطلق هذا المسار من فرضية قدرة الاتحاد الأوروبي على تقديم بديل تمويلي وتنظيمي جذاب لدول الممر الأوسط، يتسم بالاستدامة والشفافية، واستمرار الضغوط الأوروبية لفرض معاييرها الخضراء والرقمية على عمليات الربط. يقوم هذا السيناريو على تفعيل وإعادة هندسة آليات التعاون المؤسسي القائمة، مثل مبادرة الربط بين أوروبا وآسيا وبرنامج الجوار الأوروبي المعدل، مع إنشاء صندوق استثماري مشترك وتوحيد المعايير الفنية وإنشاء منصة رقمية موحدة لإدارة سلاسل التوريد عبر الممر بأكمله. حيث تشير التقديرات إلى أن تحقيق هذا السيناريو قد يرفع حجم التجارة عبر الممر الأوسط بنسبة 40% ويخفض زمن العبور بنسبة 35% بحلول 2030، مما يعزز بشكل كبير جدواه الاقتصادية. وعلى الصعيد الجيوسياسي، سيعزز هذا المسار النفوذ التنظيمي والمعياري للاتحاد الأوروبي في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى على حساب النفوذين الروسي والصيني، ويسهم في بناء نظام حوكمة إقليمي قائم على القواعد. ومع ذلك، فإنه سيواجه مقاومة شرسة من الصين التي ستحاول الحفاظ على مواقعها عبر زيادة الاستثمارات وعروض التمويل الميسر، ومن تردد تركيا حيال نظام قد يحد من استقلاليتها الاستراتيجية ويقيد قدرتها على المناورة بين المحاور.

السيناريو الثاني:

يتشكل هذا المسار في حالة فشل المحاولات لبناء أطر حوكمة مشتركة، واستمرار التنافس الحاد غير المدار بين الصين والاتحاد الأوروبي، وتصاعد التوترات الإقليمية في شرق المتوسط والقوقاز. سيؤدي ذلك إلى تبلور أنظمة متوازية ومتنافسة لكل قوة رئيسية: نظام صيني يركز على الربط المادي السريع ويستخدم المعايير والتقنيات الصينية، ونظام أوروبي يركز على الاستدامة والمعايير الصارمة، ونظام تركي مستقل يسعى لتعظيم العوائد الاقتصادية المباشرة. ستترجم هذه التعددية على الأرض إلى ازدواجية في البنى التحتية، مثل وجود خطي سكة حديد متوازيين بين نفس المدن يستخدم كل منهما تقنية ومعايير مختلفة، وعدم توافق بين الأنظمة الرقمية والإجرائية، ما يؤدي إلى تفكك فعلي لسلاسل التوريد وزيادة التعقيدات التشغيلية. وبذا يمثل هذا السيناريو، في جوهره، نسخة معاصرة من اللعبة الكبرى في آسيا الوسطى، لكن بأدوات اقتصادية وتقنية بدلاً من الأدوات العسكرية التقليدية.

السيناريو الثالث:

ينبثق هذا المسار من فرضية تسارع وتيرة التحول العالمي الحتمي نحو الطاقة النظيفة والرقمنة، مدفوعاً بأجندة مكافحة تغير المناخ والتطور التقني السريع في مجالات مثل الهيدروجين الأخضر والذكاء الاصطناعي. ففي هذا السيناريو، تتحول وظيفة الممر الأوسط جذرياً من مجرد ناقل للسلع التقليدية إلى شريان حيوي متكامل للطاقة الخضراء والبيانات الرقمية. تشمل آليات هذا التحول تحويل خطوط أنابيب الغاز القائمة لتكون جاهزة لنقل الهيدروجين الأخضر أو الأمونيا الخضراء، وتطوير شبكة موازية من كابلات الألياف البصرية عالية السعة لنقل البيانات والخدمات الرقمية، وإنشاء مراكز بيانات تعمل بالكامل بالطاقة المتجددة عند نقاط العبور الاستراتيجية، وتطوير نظام دفع رقمي موحد لتسوية المعاملات التجارية عبر الحدود. وعلى المستوى الجيوسياسي، وقد يغير هذا السيناريو قواعد اللعبة بشكل جذري، حيث تنتقل الميزة التنافسية والحقيقية من الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية إلى القدرات التقنية والابتكارية وقوة وضع المعايير. فيصبح الفائزون الحقيقيون هم من يمتلكون التقنيات المتقدمة في إنتاج وتخزين ونقل الهيدروجين الأخضر، ومن يطورون المنصات الرقمية الأكثر أماناً وكفاءة، ومن ينجحون في فرض معاييرهم للطاقة النظيفة والبيانات الرقمية على المستوى العالمي. وبذلك، يتحول الصراع من جيوبوليتيك المكان إلى جيوبوليتيك التكنولوجيا.

ثانياً: النتائج

تمثل الاضطرابات الجيزسياسية في البحر الأحمر تحولاً بنيوياً وليس حدثاً عابراً في أنماط التجارة العالمية، حيث تشير البيانات إلى تحول دائم لنسبة 15-20% من التدفقات التجارية الأوروبية الآسيوية نحو مسارات بديلة. مما يرتبط بتكاليف إضافية تتراوح بين 30-40% مقارنة بمسار قناة السويس التقليدي، لكنه يخلق في المقابل فرصاً استراتيجية لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في منطقة أوراسيا. لذا تكمن الأهمية الجيوسياسية لهذا التحول في تحول الممرات البديلة من مجرد حلول لوجستية إلى أدوات استراتيجية في التنافس الدولي متعدد الأقطاب.

أثبتت الدراسة أن الممر الأوسط يعاني من اختناقات بنيوية حادة تحد من قدرته على استيعاب التحول الكبير في التجارة العالمية. ومن أبرز هذه الاختلالات محدودية قدرة عبور بحر قزوين، حيث لا يتجاوز الأسطول الناقل 35 سفينة فقط، وبطاقة استيعاب قصوى تبلغ 75 ألف حاوية مكافئة سنوياً. هذه السعة المتواضعة تقف في تناقض صارخ مع 24 مليون حاوية تمر عبر قناة السويس سنوياً، مما يؤكد أن الممر الأوسط يحتاج إلى استثمارات ضخمة تقدر بـ 20-25 مليار دولار لرفع قدرته التنافسية.

كشفت الدراسة عن وجود ثلاث رؤى جيوسياسية متصارعة حول مستقبل الممرات البديلة. الرؤية الصينية المتمثلة في مبادرة الحزام والطريق تركز على الربط المادي السريع والاستثمارات الكبيرة لخلق تبعيات اقتصادية. وفي المقابل، تقدم الرؤية الأوروبية عبر البوابة العالمية نموذجاً قائماً على الاستدامة والمعايير والحوكمة الرشيدة. بينما تسعى الرؤية التركية إلى تحويل الموقع الجغرافي إلى رأس مال استراتيجي عبر مشاريع ضخمة مثل قناة إسطنبول. مما يخلق بيئة معقدة للدول الواقعة على الممر، تضطر للاختيار بين نماذج متضاربة.

أثبتت الدراسة أن حوض المتوسط يشهد تحولاً جذرياً من ممر طاقي تقليدي للنفط والغاز إلى ساحة تنافسية لمشاريع الهيدروجين الأخضر. فالمشاريع العربية العملاقة في السعودية والإمارات ومصر وعمان تتنافس مع المشروع الإسرائيلي الناشئ في النقب، في معركة تتجاوز الجوانب الاقتصادية إلى أبعاد الهوية الإقليمية والنفوذ الجيوسياسي. حيث يرتبط هذا التحول يرتبط باستثمارات متوقعة تصل إلى 100 مليار دولار بحلول 2035، مما يجعله أحد أهم التحولات الاستراتيجية في المنطقة.

لم تعد الرقمنة مجرد أداة لتحسين الكفاءة، بل تحولت إلى ساحة للصراع على السيادة التكنولوجية والمعايير الرقمية. فالمنصات الصينية والأوروبية والتركية تتنافس على وضع معايير البيانات وإدارة سلاسل التوريد الرقمية عبر الممرات البديلة. هذا الصراع يعكس تحولاً أعمق في طبيعة القوة الجيوسياسية، من السيطرة على المواقع الجغرافية إلى السيطرة على الفضاءات الرقمية والمعايير التكنولوجية.

ثالثاً: التوصيات

  1. التوصيات على مستوى الدول وطنياً

توصي الدراسة بتحديث شامل للأطر القانونية والتشريعية الوطنية لتسهيل الاستثمار في البنى التحتية الذكية والمستدامة. فيجب إصدار قوانين خاصة بالاستثمار في النقل متعدد الوسائط، مع حوافز ضريبية وجمركية للمستثمرين في هذا القطاع. كما تتطلب إصدار تشريعات متخصصة للطاقة الخضراء تحدد معايير إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر والفيروزي، مع إنشاء هيئات وطنية لإصدار الشهادات المعترف بها دولياً. بالإضافة إلى ذلك، يجب إصدار قوانين حوكمة البيانات التي تنظم تبادل المعلومات عبر الحدود مع ضمان السيادة الرقمية الوطنية وحماية البيانات الاستراتيجية.

توصي الدراسة بالتركيز على الاستثمار في مشاريع الربط الداخلي التي تعزز القدرة التنافسية للموانئ والمراكز اللوجستية الوطنية. وتشمل الأولويات تطوير الموانئ المتخصصة في التعامل مع الأمونيا الخضراء والهيدروجين السائل، خاصة في المناطق المطلة على البحر الأحمر والبحر المتوسط، مع إعطاء أولوية للمشاريع ذات القيمة المضافة العالية والربحية المستدامة.

توصي الدراسة بتبني سياسات صناعية وتقنية طموحة تركز على الابتكار في مجالات الطاقة الخضراء والرقمنة. تشمل هذه السياسات إنشاء مراكز وطنية للابتكار في تقنيات الهيدروجين والرقمنة، مع تخصيص نسبة من الناتج المحلي الإجمالي للبحث والتطوير في هذه المجالات. كما يجب تطوير برامج تعليمية وتدريبية متخصصة في إدارة سلاسل التوريد الذكية والطاقة الخضراء، وإنشاء صندوق سيادي عربي للاستثمار في التقنيات الخضراء.

توصي الدراسة بتطوير أنظمة أمنية شاملة تحمي المصالح الوطنية في الممرات البديلة. تشمل هذه الأنظمة تطوير نظم إنذار مبكر للمخاطر الجيوسياسية التي تهدد الممرات التجارية، وإنشاء مراكز عمليات مشتركة بين القطاعين العام والخاص لمراقبة سلاسل التوريد. كما يجب تعزيز القدرات السيبرانية لحماية البنى التحتية الرقمية الحيوية، وتطوير استراتيجيات أمنية متكاملة للتعامل مع التهديدات التقليدية وغير التقليدية.

توصي الدراسة بتبني سياسات اجتماعية وبيئية متكاملة تضمن التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. وتشمل هذه السياسات إدماج المجتمعات المحلية في المناطق الواقعة على مسار الممرات البديلة من خلال برامج تدريب وتوظيف تستهدف الشباب. كما يجب تطوير آليات تعويض بيئي للمناطق المتأثرة بمشاريع البنية التحتية الكبرى، واعتماد معايير صارمة للتقييم البيئي الاستراتيجي لجميع المشاريع الإنمائية.

  1. التوصيات على المستوى الإقليمي

توصي الدراسة بإنشاء منتدى المتوسط للطاقة الخضراء والربط الاستراتيجي كمنصة للحوار والتعاون بين الدول العربية المطلة على المتوسط والبحر الأحمر مع دول الاتحاد الأوروبي الجنوبي. حيث يجب أن يركز المنتدى على قضايا الهيدروجين الأخضر والربط الرقمي، مع إنشاء آلية تشغيلية دائمة وميزانية سنوية. كما يجب عقد اجتماعات دورية على مستوى الخبراء والوزراء لتبادل الخبرات والتجارب الناجحة.

توصي الدراسة بتطوير اتفاقية عربية موحدة للهيدروجين الأخضر تحدد إطاراً استراتيجياً للتعاون في هذا المجال. يجب أن تشمل الاتفاقية معايير إنتاج مشتركة وآليات تسعير موحدة واستراتيجية تسويق جماعي تجاه الأسواق الأوروبية. كما يجب إنشاء كيان عربي موحد لإصدار شهادات الهيدروجين الأخضر المعترف بها دولياً، وتعزيز التنسيق في المفاوضات الدولية حول المعايير والقواعد المنظمة.

توصي الدراسة بإنشاء شركة عربية للنقل متعدد الوسائط ككيان تشغيلي يجمع بين خطوط الشحن والموانئ والخدمات اللوجستية عبر الدول العربية. يجب أن يتم تأسيس الشركة، مع مقر رئيسي في إحدى الدول العربية المطلة على البحر الأحمر. كما يجب أن تتبنى الشركة أحدث التقنيات في إدارة سلسلة التوريد، وتعزيز التعاون مع الشركات العالمية الرائدة في هذا المجال.

توصي الدراسة بتأسيس المركز الإقليمي للابتكار في النقل الأخضر والرقمي كحاضنة للمشاريع البحثية المشتركة بين الجامعات ومراكز الأبحاث العربية. يجب أن يركز المركز على مجالات الهيدروجين والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية، مع تمويل سنوي من الحكومات العربية والقطاع الخاص. كما يجب إنشاء شبكة من المختبرات المشتركة ومراكز التميز في التقنيات الناشئة.

توصي الدراسة بإنشاء مركز إقليمي للأمن السيبراني للبنى التحتية الحيوية مهمته حماية الشبكات الرقمية للموانئ والمطارات وخطوط الأنابيب من الهجمات السيبرانية. يجب أن يضم المركز كوادر متخصصة من جميع الدول العربية، مع تطوير أنظمة دفاع متكاملة وبرامج تدريب مشتركة. كما يجب تعزيز التنسيق الأمني في مجال مكافحة القرصنة والإرهاب والجرائم المنظمة العابرة للحدود.

توصي الدراسة بتطوير مبادرة المتوسط الخضراء كبرنامج إقليمي للتكيف مع التغير المناخي وحماية النظم البيئية البحرية والساحلية. يجب أن يركز البرنامج على حماية التنوع البيولوجي وتقليل الانبعاثات الكربونية. كما يجب تعزيز التعاون العلمي والبحثي في مجال علوم البيئة والمناخ، وتبني أفضل الممارسات الدولية في الإدارة البيئية المستدامة.

توصي الدراسة بإطلاق حوار أوراسيا-المتوسط الاستراتيجي بمشاركة الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا وتركيا والدول العربية. يجب أن يركز الحوار على مناقشة قواعد اللعبة الجيوسياسية والاقتصادية في الممرات البديلة، مع عقد اجتماعات وزارية نصف سنوية وآليات عمل تقنية دائمة. كما يجب تعزيز الثقة المتبادلة من خلال الشفافية في السياسات والمشاريع، واحترام المصالح المشروعة لجميع الأطراف.

توصي الدراسة بتأسيس المجلس الدولي لمعايير الهيدروجين الأخضر تحت مظلة الأمم المتحدة. يجب أن يضم المجلس ممثلين عن الدول المنتجة والمستهلكة على قدم المساواة، مع اعتماد معايير مرنة تجمع بين المتطلبات البيئية والاعتبارات التنموية للدول النامية. كما يجب تعزيز التعاون الدولي في مجال البحث والتطوير، وتبادل الخبرات والتقنيات بين الدول المتقدمة والنامية.

توصي الدراسة بتطوير صندوق استئماني متعدد المانحين لتمويل البنى التحتية الخضراء يضم مساهمات من الاتحاد الأوروبي والصين والبنوك التنموية الدولية والقطاع الخاص، مع آلية تمويل مبتكرة تجمع بين القروض الميسرة والضمانات والتمويل المختلط. كما يجب توجيه الاستثمارات نحو المشاريع ذات الأثر التنموي والبيئي الإيجابي، مع مراعاة الأولويات الوطنية والإقليمية.

توصي الدراسة بالتفاوض على ميثاق دولي لسيادة البيانات في النقل الدولي ينظم تبادل البيانات اللوجستية بين الدول مع احترام السيادة الرقمية الوطنية. يجب أن يتم إعداد الميثاق تحت إشراف منظمة التجارة العالمية والاتحاد الدولي للاتصالات، مع مشاركة واسعة من الخبراء والمختصين. كما يجب تعزيز الثقة الرقمية من خلال آليات التحقق والمراقبة المستقلة، وضمان حقوق المستخدمين في الخصوصية والأمان.

توصي الدراسة بتعزيز مبادرة الأمن البحري الإقليمي في البحر الأحمر والمتوسط بمشاركة القوى الدولية والإقليمية. يجب أن تركز المبادرة على تطوير القدرات الوقائية والإنذار المبكر بدلاً من الوجود العسكري المكثف، مع تعزيز التعاون في مجالات البحث والإنقاذ ومكافحة التلوث. كما يجب إنشاء آلية تنسيق مشتركة للتعامل مع الأزمات والطوارئ، وتبادل المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة.

توصي الدراسة بإطلاق برنامج شراكة دولي للتحول الرقمي في النقل يشارك فيه القطاع الخاص العالمي والجامعات والمراكز البحثية الدولية. يجب أن يركز البرنامج على تحويل الممر الأوسط إلى مختبر حي للتقنيات الناشئة في النقل الذكي، مع تمويل مشاريع بحثية مشتركة وتبادل الخبراء والمختصين. كما يجب تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص في تطوير الحلول التقنية المبتكرة، ونشر أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال.

قائمة المراجع:

  • Brende, Børge, and Saadia Zahidi. The new trade order: Geopolitics, resilience, and the fragmentation of global supply chains. Geneva: World Economic Forum, 2024
  • Mead, Walter Russell. “The return of geography: How the map shapes the future of power”. Foreign Affairs 104, no. 1 (2025): 56-71
  • سلامة، أحمد. (2025). الاستثمار في الحاضنة الجيوسياسية والأمنية للبحر الأحمر: نحو رؤية شاملة. مجلة الدراسات الاستراتيجية، 12(3)، 45-67.مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
  • The Economist Intelligence Unit (EIU). “Global trade update: Red Sea disruptions”. February 2, 2024. https://www.eiu.com/n/global-trade-update-red-sea-disruptions/
  • World Bank. Digitalizing the Trans-Caucasus: A roadmap for seamless Middle Corridor trade. Washington, DC: World Bank, 2025. https://openknowledge.worldbank.org/server/api/core/bitstreams/44313ea3-6d0a-5bb0-a058-8ac116b1beee/content
  • European Bank for Reconstruction and Development (EBRD). The Middle Corridor: From concept to reality? Assessing infrastructure, investment and integration gaps. London: EBRD, 2024. https://eias.org/wp-content/uploads/2024/10/The-Middle-Corridor-Where-The-EUs-Global-Gateway-Meets-the-Belt-and-Road-Initiative.pdf
  • Calabrese, Linda, and Julia Stacey. The Mediterranean as a connectivity hub: EU, China, and middle powers in a contested space. London: Chatham House, 2024
  • IRENA Insights. (2025, October 15). Enabling trade in green hydrogen and derivative commodities: a cross-Mediterranean perspective [Webinar]. International Renewable Energy Agency (IRENA). https://www.irena.org/events/2020/Jun/IRENA-Insights
  • Zhumanov, Azat, Zhandos Kegenbekov, and Jurijs Tolujevs. “Trans-Caspian international transport route infrastructure assessment using simulation modelling”. Transport and Telecommunication 25, no. 1 (2024): 11–19
  • Beheshtipour, Hassan. “The Caspian Sea: Challenges and opportunities for cooperation among littoral states after the 2018 Convention”. Journal of Political Science and International Relations 8, no. 3 (2025): 179-184.
  • Court, Rebecca, Matteo Lattuada, Nataliya Shumeyko, Mirgaliy Baimukanov, Tariyel Eybatov, Altynay Kaidarova, Elchin V. Mamedov, Eldar Rustamov, Aselle Tasmagambetova, Matthias Prange, Thomas Wilke, Christopher Hassall, and Simon J. Goodman. “Rapid decline of Caspian Sea level threatens ecosystem integrity, biodiversity protection, and human infrastructure”. Communications Earth & Environment 6, no.1 (2025): 261.
  • World Trade Organization and International Renewable Energy Agency (WTO & IRENA). Enabling global trade in renewable hydrogen and derivative commodities. Geneva and Abu Dhabi: WTO and IRENA, 2024
  • Mackinder, Halford J. “The geographical pivot of history”. The Geographical Journal 23, no. 4 (1904): 421–437
  • Agnew, J. (1994). The Territorial Trap: The Geographical Assumptions of International Relations Theory. Review of International Political Economy, 1, 53-80.
  • https://doi.org/10.1080/09692299408434268
  • Dalby, Simon. Creating the second Cold War: The discourse of politics. London: Bloomsbury Academic An imprint of Bloomsbury, 1990
  • Strange, Susan. States and markets. 2nd ed. London: Pinter Publishers, 1988.
  • Buzan, Barry, Ole Waever, and Jaap de Wilde. Security: A new framework for analysis. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1998.
  • Geels, Frank W. “Technological transitions as evolutionary reconfiguration processes: A multi-level perspective and a case-study”. Research Policy 31, no. 8–9 (2002): 1257–1274. HTTPS://DOI.ORG/10.1016/S0048-7333(02)00062-8
  • القبلان، تركي. “إعادة تعريف جيوبوليتيك الجزيرة العربية ونهاية مشاريع التفتيت”. صحيفة مكة، 5 يناير 2026.
  • Fischer, Joschka. “The Return of Geopolitical Priorities to Europe.” Project Syndicate, November 2, 2015. https://www.project-syndicate.org.
  • European Commission. EU-Asia connectivity strategy. Brussels: European Union Press, 2022.
  • Bilal, S., & Teevan, C. (2024, May 15). Global Gateway: Where now and where to next? (Background paper written for the Belgian Presidency of the European Union). European Centre for Development Policy Management (ECDPM). https://data.consilium.europa.eu/doc/document/WK-6894-2024-INIT/en/pdf
  • حسن، محمود. (2025، 25 مارس). مشروع الممر الأوسط: من حلمٍ تجاريٍ إلى واقعٍ مليءٍ بالتحديات. مركز شاف للبحوث والدراسات الاستراتيجية. https://tinyurl.com/bvfz82kc
  • حسين، حياة. (2025، 21 ديسمبر). وادي الهيدروجين في صحراء النقب.. ماذا تعرف عن مشروع إسرائيل. موقع الطاقة. https://www.energy-platform.com
مشروعات خطوط الأنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا: الفرص والتحديات
حروب المناطق الرمادية في المتوسط: العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات للصراع منخفض الحدة
مستقبل سيطرة الجزائر على سوق الطاقة في غرب المتوسط…. في ظل مشاريع الاستفادة من احتياطات الغاز الطبيعي في نيجيريا
أزمة الطاقة وأثرها على الأمن الإقليمي في دول شمال المتوسط:فرنسا نموذجًا
حدود واستدامة الميزة الاستراتيجيه المصرية كمركز لنقل وتداول الطاقة في شرق المتوسط
Share This Article
Facebook Email Print
Previous Article مستقبل سيطرة الجزائر على سوق الطاقة في غرب المتوسط…. في ظل مشاريع الاستفادة من احتياطات الغاز الطبيعي في نيجيريا
Next Article أزمة الطاقة وأثرها على الأمن الإقليمي في دول شمال المتوسط:فرنسا نموذجًا
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تقييم الوصفة




تابعنا

اعثر علينا على الوسائط الاجتماعية
FacebookLike
XFollow
YoutubeSubscribe
TelegramFollow

النشرة الأسبوعية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على أحدث مقالاتنا على الفور!
[mc4wp_form]
أخبار شعبية
دراسات

أثر مشروعات الطاقة النظيفة في مصر على تعميق الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي

mohamed Ramadan
By
mohamed Ramadan
3 أشهر ago
مستقبل سيطرة الجزائر على سوق الطاقة في غرب المتوسط…. في ظل مشاريع الاستفادة من احتياطات الغاز الطبيعي في نيجيريا
Mediterranean Geopolitics Outlook
حدود واستدامة الميزة الاستراتيجيه المصرية كمركز لنقل وتداول الطاقة في شرق المتوسط
MEGAS الراعي الرئيسي للمؤتمر العلمي التاسع لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية جامعة الاسكندرية
- الإعلانات -
Ad imageAd image
حالات فيروس كورونا العالمية

Confirmed

0

Death

0

معلومات اكثر: إحصائيات كوفيد -19

مركز الدراسات الجيوبوليتيكية والاستراتيجيه للبحر المتوسط Mediterranean Geopolitics and Strategy Institute

مركز بحثي مستقل يعني بدراسات البحر المتوسط في الشئون السياسية / الجيوبوليتيكية / الاستراتيجيه.

الصفحات الرئيسية

  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا

روابط هامة

  • سياسة الخصوصية
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الاستبدال والاسترجاع

تجدنا على مواقع التواصل الاجتماعي

جميع الحقوق محفوظة © MEGAS .
انضم إلينا!
اشترك في النشرة الإخبارية لدينا ولا تفوت آخر الأخبار والبودكاست وما إلى ذلك.
[mc4wp_form]
صفر بريد مزعج ، إلغاء الاشتراك في أي وقت.
Welcome Back!

Sign in to your account

Username or Email Address
Password

Lost your password?