باستخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية و شروط الاستخدام .
Accept
MEGASMEGASMEGAS
  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا
Reading: حروب المناطق الرمادية في المتوسط: العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات للصراع منخفض الحدة
Share
0

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

Notification Show More
Font ResizerAa
MEGASMEGAS
0
Font ResizerAa
  • الصفحة الرئيسية
  • الفعاليات
  • دراسات
  • دورات تدريبية
  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا
Have an existing account? Sign In
Follow US
  • اتصل
  • مقالات
  • شكوى
  • يعلن
© 2022 Foxiz News Network. Ruby Design Company. All Rights Reserved.
MEGAS > فعاليات > دراسات > حروب المناطق الرمادية في المتوسط: العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات للصراع منخفض الحدة
دراسات

حروب المناطق الرمادية في المتوسط: العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات للصراع منخفض الحدة

megas-eg.com
Last updated: مارس 13, 2026 7:17 ص
megas-eg.com
شهر واحد ago
Share
SHARE

كتب : الدكتورة / مايسة خليل حسن

 

الملخص

تتناول هذه الدراسة ظاهرة حروب المناطق الرمادية في البحر الأبيض المتوسط، مع التركيز على العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات رئيسية في هذا الصراع منخفض الحدة. تهدف الدراسة إلى تحليل الإطار النظري للحرب الهجينة وعلاقتها بمفهوم المنطقة الرمادية، ورصد تجليات هذه الحرب في المتوسط من خلال ثلاثة محاور رئيسية: استهداف البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر (كابلات البيانات وخطوط الطاقة)، والحرب الإلكترونية عبر التشويش والخداع لأنظمة الملاحة (GPS)، والعمليات المعلوماتية وحملات التضليل. كما تتناول الدراسة التهديدات غير التقليدية تحت سطح البحر ممثلة في الضفادع البشرية والمركبات غير المأهولة والثدييات البحرية المدربة. اعتمدت الدراسة على منهج متعدد المستويات يجمع بين المنهج الوصفي التحليلي، وتحليل المضمون، والمنهج التاريخي. توصلت الدراسة إلى عدة نتائج، أبرزها: تحول البحر المتوسط إلى ساحة رئيسية لحروب المنطقة الرمادية، وفعالية العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات للصراع منخفض الحدة، وتنامي التنسيق الصيني-الروسي في العمليات الهجينة، وخطورة الترسانة الخفية للحرب تحت الماء.

الكلمات المفتاحية: المنطقة الرمادية، الحرب الهجينة، البحر الأبيض المتوسط، العمليات السيبرانية، العمليات المعلوماتية، الحرب الإلكترونية، تشويش GPS.

Abstract

This study examines the phenomenon of grey zone warfare in the Mediterranean Sea, focusing on cyber and information operations as primary tools in this low-intensity conflict. The study aims to analyze the theoretical framework of hybrid warfare and its relationship to the grey zone concept, and to monitor the manifestations of this war in the Mediterranean through three main axes: targeting critical underwater infrastructure (data cables and energy pipelines), electronic warfare through jamming and spoofing of navigation systems (GPS), and information operations and disinformation campaigns. The study also addresses unconventional underwater threats represented by frogmen, unmanned underwater vehicles (UUVs), and trained marine mammals. The study adopted a multi-level approach combining descriptive analytical method, content analysis, and historical method. The study reached several conclusions, most notably: the transformation of the Mediterranean into a major arena for grey zone warfare, the effectiveness of cyber and information operations as tools of low-intensity conflict, the growing Sino-Russian coordination in hybrid operations, and the danger of the hidden arsenal of underwater warfare. The study presented specific recommendations for Egypt to enhance its national security in the face of these threats, in addition to recommendations at the regional and international levels.

Keywords: Grey Zone, Hybrid Warfare, Mediterranean Sea, Cyber Operations, Information Operations, Electronic Warfare, GPS Jamming.

  1. المقدمة وخلفية البحث

شهدت العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين تحولاً جذرياً في مفهوم الحرب وطبيعة النزاعات الدولية، مبتعدةً عن النموذج الكلاوزفيتزي التقليدي القائم على المواجهات العسكرية المباشرة بين جيوش نظامية. فكما أكد العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز، أنه لكل عصر نوعه الخاص من الحروب وظروفه المحددة ومفاهيمه المنسقة الخاصة. وقد أفرز عصر الثورة التكنولوجية والمعلوماتية أنماطاً جديدة من الصراعات، أبرزها ما بات يعرف بـالحروب الهجينة وصراعات المنطقة الرمادية وهذه المصطلحات، وإن كانت تثير جدلاً حول تعريفاتها الدقيقة، فهي تشير إلى واقع استراتيجي جديد تستخدم فيه أدوات متنوعة، لا سيما السيبرانية والمعلوماتية، لتحقيق أهداف سياسية وجيوسياسية مع البقاء تحت عتبة الصراع المسلح التقليدي.

وتتسم هذه الحروب، وفق ما ذهب إليه فرانك هوفمان، بالاستخدام المتزامن والمبتكر لمزيج من التكتيكات التقليدية وغير النظامية، والحرب الإلكترونية، وعمليات التأثير، من قبل خصوم مرنين قد يكونون دولاً أو كيانات غير حكومية. وهي تستند إلى مفهوم المنطقة الرمادية، حيث تغيب الحدود الفاصلة بين حالة السلام والحرب المعلنة، وذلك إما لغموض القانون الدولي، أو لصعوبة إسناد الأفعال العدائية، أو لكون تأثير هذه الأنشطة لا يرقى إلى مستوى استدعاء رد عسكري حاسم. وفي قلب هذه الاستراتيجيات، تبرز العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات مفضلة، نظراً لطبيعتها العابرة للحدود، وانخفاض تكلفتها النسبية، وقدرتها على استهداف البنى التحتية الحيوية، وتقويض المؤسسات الديمقراطية، وزعزعة النسيج الاجتماعي للدول المستهدفة.

تحتل منطقة البحر الأبيض المتوسط موقعاً بالغ الأهمية في سياق هذه الصراعات الجديدة. فهي، بالإضافة إلى كونها فضاءً جيوسياسياً وتاريخياً حيوياً، تشكل عقدة طاقة وبيانات عالمية. حيث يمر عبر مياهها وكابلاتها البحرية وخطوط أنابيبها نسبة هائلة من حركة التجارة والاتصالات والطاقة بين أوروبا والعالم. وتجعل هذه الأهمية الاستراتيجية من المتوسط ساحة اختبار رئيسية لتكتيكات المنطقة الرمادية، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ، وتختبر قدرات الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على التصدي لتهديدات لا توصف بالحرب التقليدية. حيث يشهد البحر الأبيض المتوسط، كما خلص إليه مؤتمر ‘شايد ميد’ الذي عقد في روما في نوفمبر 2025، ‘تغيراً أمنياً جذرياً يتسم ببروز تهديدات هجينة وأنشطة عدائية تحت سطح البحر وتنافس جيوسياسي متزايد (1). وهذا التحول يضع المنطقة أمام تحديات استراتيجية جديدة. كما تشهد المياه الأوروبية، من بحر البلطيق إلى البحر الأبيض المتوسط، تصاعداً غير مسبوق في التهديدات البحرية في المنطقة الرمادية، حيث أصبحت عمليات التخريب والتجسس والاستطلاع السري تشكل واقعاً جديداً يعيد تشكيل ساحة المعركة في قاع البحار. فكما وثق تقرير صادر في مايو 2025، باتت هذه التهديدات تشكل تحدياً استراتيجياً لحلف الناتو وحلفائه، الذين يضطرون الآن إلى السباق لكشف وردع هذه التكتيكات الهجينة قبل أن تقوض المرونة الاقتصادية والعسكرية لأوروبا (2).

  1. المشكلة البحثية

تشهد البيئة الأمنية الدولية تحولاً جذرياً في طبيعة النزاعات، حيث تتجه الصراعات المعاصرة نحو أشكال هجينة وغير تقليدية تتجاوز النماذج الكلاوزفيتزية التقليدية القائمة على المواجهات العسكرية المباشرة بين الجيوش النظامية. لذا يبرز مفهوما الحرب الهجينة وصراعات المنطقة الرمادية كإطارين متداخلين لفهم الديناميكيات الجديدة للصراع الدولي، حيث تستخدم أدوات متنوعة لا ترقى إلى مستوى استخدام القوة العسكرية المفتوحة، مما يبقي هذه الصراعات تحت عتبة الحرب المعلنة؛ وتعد العمليات السيبرانية والمعلوماتية في صميم هذه الاستراتيجيات الجديدة، نظراً لطبيعتها العابرة للحدود، وانخفاض تكلفتها النسبية، وصعوبة إسنادها إلى جهة فاعلة محددة، مما يتيح للدول المهاجمة تحقيق مكاسب استراتيجية مع التمتع بقدرة عالية على الإنكار المعقول.

تكتسب منطقة البحر الأبيض المتوسط أهمية استثنائية في سياق هذه التحولات الاستراتيجية، إذ تمثل فضاءً جيوسياسياً حيوياً يضم شبكة كثيفة ومعقدة من البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك كابلات الألياف البصرية البحرية التي تنقل الجزء الأكبر من حركة البيانات العالمية، وخطوط أنابيب الغاز والنفط التي تغذي أوروبا بالطاقة، والممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة الدولية. مما يجعل من المتوسط ساحة اختبار رئيسية لتكتيكات المنطقة الرمادية، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ، وتختبر قدرات الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على التصدي لتهديدات لا توصف بالحرب التقليدية (1). وتشير التقارير الاستخبارية والأمنية إلى تزايد الأنشطة المشبوهة في المنطقة، من عمليات استطلاع للبنى التحتية تحت سطح البحر، إلى هجمات تشويش وخداع لأنظمة الملاحة (GPS)، وصولاً إلى حملات تضليل ممنهجة تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي للدول المطلة على المتوسط (3).

تتحدد المشكلة البحثية بالتالي في التساؤل الرئيس الآتي: كيف توظف القوى الفاعلة العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات للصراع منخفض الحدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط؟

يتفرع عن هذا التساؤل الرئيس مجموعة من التساؤلات الفرعية التي تسعى الدراسة إلى الإجابة عنها:

  1. ما الإطار المفاهيمي والنظري الذي يحكم فهم حروب المنطقة الرمادية، وكيف تتداخل مع مفهوم الحرب الهجينة؟
  2. ما طبيعة وأهداف العمليات السيبرانية المستخدمة في استهداف البنى التحتية الحيوية (كابلات البيانات وخطوط الطاقة) في قاع البحر الأبيض المتوسط؟
  3. كيف توظف الحرب الإلكترونية (التشويش والخداع على أنظمة GPS) كأداة للصراع منخفض الحدة في المجالين الجوي والبحري بالمتوسط؟
  4. ما آليات وأهداف العمليات المعلوماتية وحملات التضليل في التأثير على المجال المعرفي للدول المطلة على المتوسط؟
  5. فرضية الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن العمليات السيبرانية والمعلوماتية تمثل الأداة الأكثر فعالية في صراعات المنطقة الرمادية بالبحر الأبيض المتوسط، نظراً لقدرتها على استهداف البنى التحتية الحيوية والمجال المعرفي للدول مع صعوبة الإسناد والرد، مما يخلق حالة من الغموض الاستراتيجي تضعف فعالية آليات الدفاع التقليدية وتستنزف قدرات الدول المستهدفة على المدى البعيد.

  1. أهمية الدراسة

أولاً: الأهمية النظرية والعلمية

تكتسب هذه الدراسة أهميتها النظرية من كونها تسعى إلى معالجة إشكالية معرفية متزايدة في الأدبيات الأكاديمية العربية والدولية، التي تتعلق بفهم طبيعة وتحولات الصراع المعاصر في ضوء بروز مفهومي الحرب الهجينة والمنطقة الرمادية. فرغم تزايد الاهتمام الغربي بهذه المفاهيم على مدى العقدين الماضيين، لا تزال المكتبة العربية تفتقر إلى دراسات أكاديمية تؤصل لهذه الظاهرة وتحللها في سياق إقليمي محدد كالبحر الأبيض المتوسط، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها عام 2026. لذا تسهم هذه الدراسة في سد هذه الفجوة المعرفية من خلال تقديم إطار نظري يحدد العلاقة بين الحرب الهجينة والمنطقة الرمادية، ويقف على مكونات العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات رئيسية في هذه الحروب.

ثانياً: الأهمية التطبيقية والاستراتيجية

تستمد الدراسة أهميتها التطبيقية من راهنية موضوعها وارتباطه المباشر بالأمن القومي والإقليمي، خاصة في عام 2026 الذي يشهد تصاعداً غير مسبوق في التوترات والتنافسات الجيوسياسية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. فالبحر الأبيض المتوسط ليس فقط فضاءً جغرافياً، بل هو شريان حيوي للتجارة العالمية والطاقة والاتصالات، حيث تمر عبر مياهه وكابلاته البحرية وخطوط أنابيبه نسبة هائلة من حركة البيانات والطاقة بين أوروبا والعالم. تشير التقديرات إلى أن ما بين 95% و99% من حركة البيانات العالمية تنتقل عبر كابلات الألياف البصرية البحرية، التي تشكل العمود الفقري للإنترنت والاتصالات الدولية (4؛5). وتحتل منطقة البحر الأبيض المتوسط موقعاً محورياً في هذه الشبكة، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من هذه الحركة؛ فمنطقة البحر الأحمر والمتوسط وحدها تشهد مرور حوالي 17% من حركة الإنترنت العالمية، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق ازدحاماً وضعفاً في العالم (6). وقد أكدت الوكالات الأوروبية وحلف الناتو أن هذه البنى التحتية أصبحت هدفاً استراتيجياً وتتطلب حماية معززة (1).

على المستوى العربي، تكتسب الدراسة أهمية خاصة للدول العربية المطلة على المتوسط، وفي مقدمتها مصر، التي يحدها من الشمال البحر المتوسط بساحل يبلغ طوله 995 كم، كما تضم موانئ حيوية وقناة السويس التي تشكل شريانين رئيسيين للتجارة العالمية. وهذه الأهمية تجعل من مصر هدفاً محتملاً أو ساحة للصراعات في المنطقة الرمادية، سواء عبر استهداف بنيتها التحتية الحيوية (كابلات البيانات البحرية، محطات الطاقة، موانئ) أو عبر عمليات التأثير المعلوماتي التي تستهدف زعزعة استقرارها الداخلي. كما أن تزايد الأنشطة المشبوهة في شرق المتوسط، المرتبطة باكتشافات الغاز والتنافس على ترسيم الحدود البحرية، والتوترات الإقليمية المتصاعدة في عام 2026، يضع مصر في قلب هذه المعادلة الأمنية الجديدة.

ثالثاً: الأهمية المجتمعية والإنسانية

تتجاوز أهمية الدراسة الجوانب الأكاديمية والاستراتيجية إلى الأبعاد المجتمعية والإنسانية. فحروب المنطقة الرمادية، بما تتضمنه من عمليات معلوماتية ونفسية وحملات تضليل، تستهدف في العمق النسيج الاجتماعي والثقة في المؤسسات الوطنية. حيث يعد تقويض الثقة بين الدولة والمواطن، وتغذية الانقسامات الاجتماعية والسياسية، ونشر روايات بديلة للواقع، من الأهداف الاستراتيجية للحرب الهجينة تهدف إلى إضعاف الدولة من الداخل وجعلها أقل قدرة على الصمود في وجه الضغوط الخارجية. من هنا، فإن الوعي بهذه الآليات يشكل خط دفاع أول للمجتمعات المستهدفة، خاصة في ظل التطور الهائل لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على إنتاج محتوى زائف بجودة عالية وبتكلفة زهيدة، وهو ما بات يشكل تهديداً وجودياً للمجال المعرفي.

تسعى الدراسة إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بهذه التهديدات غير التقليدية، وتقديم رؤية واضحة لكيفية تحصين المجال المعرفي للمجتمعات العربية والأوروبية، ضد حملات التضليل والتأثير الأجنبي المتزايدة في الفضاء الرقمي. فمحو الأمية الإعلامية والرقمية، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، وبناء مؤسسات إعلامية وطنية قوية وموثوقة، كلها عناصر أساسية في استراتيجية المرونة المجتمعية التي تدعو إليها الدراسة.

أهداف الدراسة

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف النظرية والتطبيقية المرتبطة بموضوع حروب المنطقة الرمادية في البحر الأبيض المتوسط، ويمكن إجمالها في الآتي:

  • تهدف الدراسة إلى تحليل دقيق ومتماسك لمفهومي الحرب الهجينة وصراعات المنطقة الرمادية في ضوء التطورات النظرية والتطبيقية، وبيان العلاقة بينهما، وتحديد الخصائص الأساسية لهذا النمط الجديد من الصراع.
  • تسعى الدراسة إلى تفكيك مكونات العمليات السيبرانية والمعلوماتية المستخدمة في حروب المنطقة الرمادية، وتصنيف أنواعها (هجمات سيبرانية على البنى التحتية، حرب إلكترونية، تضليل إعلامي باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، حرب نفسية)، وفهم آليات عملها وأهدافها الاستراتيجية في السياق الراهن.
  • تهدف الدراسة إلى رصد وتحليل الحالات العملية لتوظيف العمليات السيبرانية والمعلوماتية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مع التركيز على ثلاث ظواهر رئيسية:
    • استهداف البنى التحتية الحيوية تحت سطح البحر (كابلات البيانات وخطوط الطاقة)، في ضوء الحوادث التي تم توثيقها.
    • الحرب الإلكترونية عبر التشويش والخداع لأنظمة الملاحة (GPS).
    • العمليات المعلوماتية وحملات التضليل التي تستخدم الذكاء الاصطناعي وتستهدف دول المنطقة.
  1. حدود الدراسة

أولاً: الحدود الموضوعية

تتحدد الحدود الموضوعية لهذه الدراسة في تحليل حروب المنطقة الرمادية في البحر الأبيض المتوسط مع التركيز على العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات للصراع منخفض الحدة من خلال التالي:

  • تنصب على العمليات السيبرانية (بما فيها الهجمات على البنى التحتية والحرب الإلكترونية) والعمليات المعلوماتية (بما فيها حملات التضليل المعززة بالذكاء الاصطناعي والحرب النفسية)، ولا تتناول بالتحليل المفصل الأدوات الأخرى للحرب الهجينة مثل الدعم العسكري للوكلاء المحليين، أو الضغط الاقتصادي، أو العمليات الخاصة التقليدية، إلا بقدر ما يخدم التحليل ويفهم السياق العام.
  • التركيز على منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، مع إشارات مقارنة عند الضرورة لمناطق أخرى (كبحر البلطيق) للاستفادة من الدروس المستفادة.
  • تهتم الدراسة بالأنشطة التي تقع تحت عتبة النزاع المسلح التقليدي، ولا تتناول بالتحليل الحروب المفتوحة أو التدخلات العسكرية المباشرة واسعة النطاق، مع الإشارة إلى أن الحدود بين هذه المستويات باتت أكثر ضبابية في 2026.

ثانياً: الحدود المكانية

تتمثل الحدود المكانية للدراسة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك:

  • المياه الإقليمية والاقتصادية الخالصة للدول المطلة على المتوسط، والتي تشهد نزاعات متزايدة على ترسيم الحدود.
  • البنى التحتية الحيوية الموجودة في قاع البحر المتوسط (كابلات البيانات، خطوط أنابيب الطاقة) والتي باتت محط أنظار القوى الكبرى في 2026.
  • المجال الجوي فوق المتوسط، والذي يشهد تصاعداً في عمليات التشويش والخداع لأنظمة الملاحة.
  • الفضاء السيبراني المرتبط بدول المنطقة أو البنى التحتية العابرة لها، والذي أصبح ساحة معركة رئيسية.

تركز الدراسة بشكل خاص على الجانب الشمالي للبحر المتوسط (الأوروبي) باعتباره الهدف الرئيسي للعمليات الهجينة الروسية، وذلك بناءً على التقارير والدراسات المتاحة التي تركز على هذا الجانب.

ثالثاً: الحدود الزمانية

تمتد الحدود الزمانية للدراسة لتغطي العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين (2000-2026)، مع التركيز بشكل أكبر على الفترة من 2014 (تاريخ ضم روسيا للقرم، والذي يشكل نقطة تحول في استخدام استراتيجيات المنطقة الرمادية) حتى 2026.

  1. منهج الدراسة

تجمع الدراسة بين عدة مناهج بحثية، وذلك نظراً لطبيعة الموضوع المركب الذي يتداخل فيه النظري بالتطبيقي، والعسكري بالمدني. فحروب المنطقة الرمادية، بما تتسم به من تعقيد وتعدد أبعاد، لا يمكن اختزالها في منهج واحد، بل تتطلب مقاربة متعددة المستويات تستوعب تنوع ظواهرها وتشعب تأثيراتها. لذلك، تعتمد الدراسة على المزج بين المنهج الوصفي التحليلي، ومنهج تحليل المضمون، والمنهج التاريخي.

  1. هيكل الدراسة.

تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: الإطار النظري والمفاهيمي لحروب المناطق الرمادية

  • المطلب الأول: الحرب الهجينة والمنطقة الرمادية
  • المطلب الثاني: العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات رئيسية في الصراع منخفض الحدة
  • المطلب الثالث: البحر الأبيض المتوسط كساحة اختبار استراتيجية لحروب المنطقة الرمادية

المبحث الثاني: تجليات حروب المنطقة الرمادية في المتوسط: استهداف البنية التحتية والملاحة

  • المطلب الأول: البنية التحتية تحت سطح البحر
  • المطلب الثاني: الحرب الإلكترونية التشويش والخداع لأنظمة الملاحة (GPS) في المجالين الجوي والبحري
  • المطلب الثالث: التنسيق الصيني-الروسي في العمليات الهجينة بالمتوسط

المبحث الثالث: التهديدات غير التقليدية تحت سطح البحر:

  • المطلب الأول: الضفادع البشرية والإرث التاريخي للقوات الخاصة تحت الماء
  • المطلب الثاني: المركبات غير المأهولة تحت الماء والغواصات المسيرة
  • المطلب الثالث: الثدييات البحرية المدربة كأدوات استخبارية وهجومية

المبحث الأول: الإطار النظري والمفاهيمي لحروب المناطق الرمادية

المطلب الأول: الحرب الهجينة والمنطقة الرمادية

شهدت الدراسات الاستراتيجية والأمنية في العقدين الأخيرين جدلاً واسعاً حول المفاهيم التي تصف طبيعة الصراع المعاصر، وفي مقدمتها مفهوما الحرب الهجينة والمنطقة الرمادية. ويعكس هذا الجدل محاولة الأوساط الأكاديمية والعسكرية لفهم التحول الجذري في أنماط الصراع الدولي، حيث لم تعد الحرب تقتصر على المواجهات التقليدية بين الجيوش النظامية، بل أصبحت تمتد لتشمل فضاءات وأدوات جديدة تتحدى التصنيفات التقليدية.

يعود الفضل في بلورة مفهوم الحرب الهجينة إلى الاستراتيجي الأميركي فرانك هوفمان، الذي عرفها بأنها الاستخدام المتزامن والمتكامل لأنواع متعددة من الحرب من قبل خصوم مرنين ومتطورين، يدركون أن الصراع الناجح يتطلب مجموعة متنوعة من الأشكال المصممة لتناسب الأهداف في ذلك الوقت (7). وقد لاقى هذا المفهوم رواجاً واسعاً في الأوساط العسكرية والأكاديمية الغربية، خاصة بعد الضم الروسي للقرم عام 2014، حيث اعتبرته العديد من التحليلات الإطار الأمثل لفهم الاستراتيجية الروسية الجديدة. غير أن هذا المفهوم، رغم شيوعه، يواجه انتقادات من جانب الباحث أندريا بيكارو حيث يرى أن مفهوم الحرب الهجينة ليس جديداً ولا مفيداً لفهم السياسات الروسية المعاصرة تجاه منطقة البحر الأبيض المتوسط، مقترحاً أن مفهوم حرب المنطقة الرمادية يبدو أكثر ملاءمة لوصف العمليات العسكرية الروسية.

يعرف منتدى NATO DEEP الأكاديمي المنطقة الرمادية بأنها شكل من أشكال الحرب السياسية، تتضمن أنشطة تقع تحت عتبة النزاع المسلح التقليدي، ومع ذلك تهدف إلى استغلال ميزات الدولة والمجتمع المستهدفين بطريقة تقوض أمنهم وتماسكهم. وتستهدف التهديدات في المنطقة الرمادية البنية التحتية الحيوية، والأنظمة القانونية، والأنظمة الانتخابية، والأسواق، والمعلومات، والرأي العام، وتنفذها جهات فاعلة حكومية وغير حكومية (8). ويضيف التقرير نفسه أن مركز التميز الأوروبي لمواجهة التهديدات الهجينة يعرفها بأنها عمل منسق ومتزامن يستهدف عمداً نقاط الضعف النظامية للدول الديمقراطية ومؤسساتها من خلال مجموعة واسعة من الوسائل (8). وهذا التعريف المتعدد الأبعاد يقدم إطاراً شاملاً لفهم الظاهرة، حيث يدمج بين الجانب السياسي والعسكري والأمني، ويشير إلى تنوع الأهداف والأدوات التي يستخدمها الفاعلون في هذه الحروب.

يقدم تقرير Cockbain (2025) إطاراً نظرياً أكثر تقدماً لفهم طبيعة الصراع بين روسيا والغرب، مؤكداً أن المملكة المتحدة من غير المرجح أن تواجه حرباً مباشرة مع روسيا في عام 2026، لكنها ستبقى تحت ضغط مستمر تحت عتبة النزاع المسلح. مما يتوافق تماماً مع مفهوم المنطقة الرمادية الذي تتبناه هذه الدراسة، حيث يصف التقرير الوضع الراهن بأنه فضاء بين السلام والحرب، حيث تعمل فيه روسيا عبر تهديدات هجينة مثل الهجمات السيبرانية والتخريب والتجسس والتضليل (9). ويشير التقرير إلى أن هذه الاستراتيجية تسمح لموسكو بتطبيق ضغط دون إطلاق آليات الدفاع الجماعي لحلف الناتو، والحفاظ على الإنكار المعقول، واستغلال نقاط الضعف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل الدول المعادية. (30)

تتسم حروب المنطقة الرمادية بخصائص أساسية تميزها عن الصراعات التقليدية. أولها، العمل تحت عتبة النزاع المسلح، حيث تهدف هذه العمليات إلى تحقيق أهداف استراتيجية دون الوصول إلى مستوى يستدعي رداً عسكرياً جماعياً، حيث تستغل هذه الاستراتيجية حقيقة أنه تحت مستوى معين من الأهمية، سيكون من الصعب على الدولة التصعيد نحو نزاع عسكري رداً على فعل بسيط للغاية. بارتكاب أفعال عدوانية أو تخريبية على نطاق صغير، تأمل موسكو في تغيير الوضع الراهن تدريجياً لصالحها (10). وتمثل هذه الخاصية جوهر استراتيجية المنطقة الرمادية، حيث يتمكن الفاعل المهاجم من تحقيق مكاسب تراكمية مع الحفاظ على قدرته على الإنكار وتجنب الرد العسكري المباشر.

ثاني هذه الخصائص، هو صعوبة الإسناد والإنكار المعقول، حيث تعتمد هذه العمليات على استخدام وكلاء وأدوات يصعب تتبعها. ويشير تقرير استخباراتي بريطاني إلى أن روسيا تجد هؤلاء الفاعلين مفيدين لأن هناك مستوى معين من الفصل: القدرة على الإنكار أساسية للاستراتيجية (11). ويكشف التقرير عن أنماط متعددة من هؤلاء الفاعلين غير الحكوميين، بما في ذلك أفراد ومنظمات وحركات وشركات خاصة تعمل سراً لصالح روسيا ويقدم التقرير أمثلة على ذلك، مثل قيام شركة أميركية غير قادرة على تنفيذ طلبية ذخيرة لأوكرانيا، مما أدى إلى تحويل أموال أوكرانية ثمينة، واستهلاك وقتهم وجهدهم، وجعلهم يعتقدون أن إمدادات عسكرية مطلوبة بشدة كانت في طريقها بينما لم تكن كذلك. وهذا النمط من العمليات يجعل من الصعب على الدول المستهدفة تحديد مصدر التهديد بدقة، وبالتالي تأخير أو منع أي رد فعل حاسم.

ثالثها، الطبيعة الهجينة متعددة المجالات، حيث تمزج هذه الحروب بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية، وبين الفضاء المادي والرقمي. وتشير رابطة الناتو الكندية إلى أن الاستراتيجية الهجينة الروسية تتكون من مجموعة كبيرة ومتنوعة من الوسائل التي، على الرغم من كونها تحت عتبة الحرب، فإنها بلا شك تتجاوز الأعراف الدولية الراسخة لسلوك الدول في زمن السلم (10). وتضيف أن العديد من الوسائل الروسية كانت غير ملموسة، مثل شن عمليات سيبرانية وحرب معلوماتية لأكثر من عقد، وتمويل أحزاب اليمين المتطرف على أمل تشكيل المشهد السياسي (10). وهذا المزج بين الأدوات الملموسة وغير الملموسة يجعل من الصعب على المؤسسات الدفاعية التقليدية، المصممة لمواجهة التهديدات العسكرية الواضحة، التعامل مع هذا النوع من الصراع. وأيضاً هناك تطور مهم في مفهوم التهديدات الهجينة، وهو أن البنية التحتية المدنية والأنظمة التجارية والثقة العامة أصبحت أهدافاً مركزية بشكل متزايد في مشهد التهديدات بين المملكة المتحدة وروسيا (9). مما يعكس ما ذهب إليه تقرير كبير علماء الناتو حول الحرب المعرفية، حيث لم تعد الأهداف العسكرية فقط هي المستهدفة، بل امتدت لتشمل النسيج المدني والمجتمعي للدول. ويضيف التقرير أن روسيا تهدف إلى رفع كلفة معارضة روسيا، وإضعاف ثقة الجمهور، وردع الدعم الغربي طويل المدى لأوكرانيا، مما يؤكد البعد الاستراتيجي لهذه العمليات التي تتجاوز المكاسب التكتيكية المحدودة إلى تحقيق تأثيرات تراكمية على المدى الطويل.

رابعها، الاستهداف المعرفي طويل المدى، حيث تهدف هذه العمليات إلى تقويض الثقة في المؤسسات وتغذية الانقسامات المجتمعية. وقد خصص تقرير كبير علماء الناتو لعام 2025 مساحة كبيرة لتحليل هذا البعد، مشيراً إلى أن الصراع المعاصر أصبح يركز بشكل متزايد على السلوك، وأن التضاريس الحاسمة ليست جغرافية في كثير من الأحيان، بل كيفية إدراك الأفراد والجماعات وتفسيرهم واتخاذهم للقرارات وتصرفاتهم. ويؤكد التقرير أن الحرب المعرفية ليست مجرد عمليات نفسية بأدوات أفضل، بل هي مزيج من التقنيات الناشئة، وأساليب التأثير، واستغلال الخصوم لخطوط الصدع المجتمعية يمثل هذا الاستهداف المعرفي يمثل بعداً استراتيجياً بعيد المدى، حيث يسعى الفاعل المهاجم إلى إحداث تغييرات دائمة في أنماط التفكير والسلوك لدى السكان المستهدفين، مما يجعل المجتمعات أقل قدرة على الصمود في وجه الضغوط المستقبلية.

تتعدد دوافع الفاعلين في تبني استراتيجيات المنطقة الرمادية. فبالنسبة لروسيا، تسعى إلى تآكل دعم أوكرانيا من خلال فرض تكاليف على الدول التي قدمت المساعدات وتعطيل البيئة المعلوماتية والسياسية لإعاقة جهود التنسيق الغربية، إضافة إلى منع الدول من الانضمام إلى الناتو وتآكل تماسك الحلف (10). كما أن الرئيس بوتين يصوغ علاقة بلاده مع الغرب على أنها مواجهة ويربط شرعيته بالدفاع عن روسيا، مما يحفز موسكو على مواصلة أعمالها العدوانية (10). مما يكشف عن الأبعاد الاستراتيجية لاستخدام هذه التكتيكات، حيث لا تقتصر على تحقيق مكاسب تكتيكية محدودة، بل تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية والدولية على المدى الطويل.

المطلب الثاني: العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات رئيسية في الصراع منخفض الحدة

تشكل العمليات السيبرانية والمعلوماتية الركيزة الأساسية في حروب المنطقة الرمادية، نظراً لملاءمتها المثلى لخصائص هذا النمط من الصراع: فهي عابرة للحدود، منخفضة التكلفة نسبياً، يصعب إسنادها، وقادرة على إحداث تأثيرات استراتيجية كبرى دون اللجوء إلى القوة العسكرية التقليدية. في عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على التحكم في تدفق المعلومات والتأثير في الرأي العام لا تقل أهمية عن القدرة على تحقيق التفوق العسكري التقليدي، بل قد تفوقها في بعض السياقات. ويأخذ هذا التأثير بعداً أكثر تقدماً وخطورة مع تطور ما بات يعرف بـ الحرب المعرفية. التي لا تكتفي بالتأثير على الرأي العام، بل تستهدف الآليات البيولوجية والنفسية والاجتماعية للإدراك البشري نفسه (12). مما يعيد تعريف طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد ساحة المعركة محصورة في الفضاء المادي، بل امتدت لتشمل العقول والأدمغة البشرية كأهداف استراتيجية.

يشهد عام 2026 تحولاً جذرياً في طبيعة التهديدات السيبرانية. فوفقاً لتقرير شركة Recorded Future عن حالة الأمن لعام 2026، أصبحت العمليات السيبرانية أداة روتينية في المنافسة الجيوسياسية، حيث حلت الأنشطة المستمرة والمجزأة محل الهجمات البارزة التي تهيمن على العناوين الرئيسية (13). ويصف التقرير المشهد الأمني الجديد بأنه دائم وليس عرضياً، حيث لم يعد عدم اليقين عرضياً، بل أصبح بيئة التشغيل نفسها. ويعزو التقرير هذا التحول إلى التشرذم الجيوسياسي والاستخدام الأوسع للذكاء الاصطناعي كمحركين رئيسيين لعدم الاستقرار. وهذا التحول من الهجمات العرضية إلى الضغط المستمر يعكس تطوراً استراتيجياً، حيث لم تعد العمليات السيبرانية مجرد أدوات تكتيكية محدودة، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من البيئة التشغيلية الدائمة للصراع الدولي. ويؤكد ليفي غوندرت، كبير مسؤولي الأمن والاستخبارات في Recorded Future، أن عدم اليقين لم يعد عرضياً، بل أصبح بيئة التشغيل نفسها، مشيراً إلى أنه مع تآكل الأعراف الجيوسياسية، تعزز الأهداف الحكومية والقدرات الإجرامية وتكنولوجيا القطاع الخاص بعضها البعض بشكل متزايد، مما يضغط على الجداول الزمنية للتحذير ويوسع نطاق الإنكار المعقول.

على صعيد العمليات المعلوماتية، يشهد عام 2026 تصاعداً في حروب التأثير. حيث يتوقع تقرير Recorded Future   تحولاً في عمليات التأثير، حيث يستخدم النشطاء القراصنة وشبكات التأثير الذكاء الاصطناعي لإغراق البيئة المعلوماتية بكميات هائلة من الادعاءات المبالغ فيها أو المختلطة الصحة التي يمكن أن تخلق ارتباكاً مستداماً حتى عندما تفتقر الروايات إلى المصداقية. ويشير التقرير إلى تطور أنظمة بيئية دولة-متوافقة دائمة، مستشهداً بعمليات التأثير الروسية المدعومة ببنية تحتية إجرامية، وبرمجيات تجسس مرتزقة، وأنشطة كورية شمالية مرتبطة بالالتفاف على العقوبات. وتتميز هذه الأنظمة البيئية بأنها تتكيف بسرعة ويصعب تفكيكها من خلال الضغط السياسي وحده (12). مما يعني أن عمليات التأثير أصبحت أكثر استدامة ومرونة، وقادرة على التكيف مع جهود المواجهة، مما يجعلها تهديداً دائماً وليس مجرد حملات مؤقتة. ويكتسب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في هذا السياق، حيث يستخدم لتوسيع نطاق الخداع وتآكل الثقة داخل عمليات صنع القرار، من خلال تضخيم الخداع والهندسة الاجتماعية وإساءة استخدام الهوية على نطاق واسع.

تكشف الاستخبارات البريطانية عن تطور في أدوات الحرب الهجينة، حيث تحذر من هجمات سرية في المنطقة الرمادية تشمل التخريب، والاغتيالات، والاختراق، والجرائم الإلكترونية، وحوادث الطائرات المسيرة (11). وتضيف أن روسيا قد تضيف إلى هذه الأدوات الحرب الاقتصادية التي يلعب فيها فاعلون غير حكوميون دوراً محورياً، وهم أفراد ومنظمات وحركات وشركات خاصة تعمل سراً لصالح روسيا(11).  ويتسق هذا التحذير مع تقارير حديثة تكشف عن تصاعد الاستراتيجية الروسية السرية التي تعتمد على الاختراق العقاري في أنحاء أوروبا الغربية، حيث يتم شراء بيوت عطلات ومستودعات ومدارس مهجورة وحتى جزر كاملة، لاستخدامها كمنصات مراقبة وهجمات سرية في لحظات التأزم السياسي، في مخطط وصف بأنه خيول طروادة الروسية لاختراق أمن أوروبا.

ولكن التطور الأكثر تقدماً وخطورة في هذا المجال يتمثل في بروز الحرب المعرفية كبعد استراتيجي جديد يتجاوز العمليات المعلوماتية التقليدية. فوفقاً لتقرير صادر عن معهد الدراسات الاستراتيجية الوطنية (INSS) في يناير 2026، فإن تقرير كبير علماء الناتو لعام 2025 حول الحرب المعرفية يقدم اعترافاً في الوقت المناسب بواقع استراتيجي مفاده أن الصراع المعاصر أصبح يركز بشكل متزايد على السلوك، وأن التضاريس الحاسمة ليست جغرافية في كثير من الأحيان، بل كيفية إدراك الأفراد والجماعات وتفسيرهم واتخاذهم للقرارات وتصرفاتهم. ويؤكد جيوردانو، الذي شارك في الدراسات الأولية للناتو حول الحرب المعرفية منذ عام 2018، أن الحرب المعرفية ليست مجرد عمليات نفسية بأدوات أفضل، بل هي مزيج من التقنيات الناشئة، وأساليب التأثير، واستغلال الخصوم لخطوط الصدع المجتمعية لتشكيل الظروف التي يشكل البشر في ظلها المعتقدات، ويوجهون الانتباه، ويولدون النوايا (12).

يحدد جيوردانو ثلاث تحولات أساسية تفرضها الحرب المعرفية على المهام العسكرية: أولاً، توسع مجموعة الأهداف من منصات أو رسائل منفصلة لتشمل الأنظمة المعرفية والاجتماعية البشرية (شبكات الثقة، سرديات الهوية، الشرعية المؤسسية). ثانياً، أصبحت ساحة المعركة مستمرة، تعمل بوسائل غير حركية تحت عتبات النزاع المسلح، وتدمج المنافسة الاستراتيجية والضغط الهجين والمناورة في زمن الحرب. ثالثاً، يتحول مقياس الفعالية من اختراق الرسائل على المدى القصير إلى تغييرات دائمة في الأنماط المعرفية والاستعدادات السلوكية (مثل إدراك المخاطر، تقييم التهديدات، التماسك المدني، والاستعداد لدعم العمل العسكري) (12).

يقدم تقرير جيوردانو تحليلاً متعدد المستويات لكيفية توظيف التقنيات الناشئة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأعصاب  كأدوات للحرب المعرفية:

المستوى البيولوجي:

يستهدف هذا المستوى الجهاز العصبي مباشرة باعتباره الركيزة الأساسية للفكر والعاطفة والسلوك. يمكن استخدام تقنيات وأساليب علم الأعصاب (neuroS/T) لتقييم والتأثير على الوظائف الفسيولوجية الفردية (والجماعية) بهدف تعطيل، أو توجيه، أو تدهور، أو تحسين القدرات المعرفية والحالات العقلية واتخاذ القرار والأفعال (12). هذا يمثل تدخلاً مباشراً في الآليات البيولوجية للإدراك، مما يفتح آفاقاً جديدة وخطيرة للحرب الهجينة. وقد سبق للدكتور جيوردانو أن حذر في أبحاث سابقة من تطور الأسلحة العصبية التي تستهدف الدماغ البشري كساحة معركة جديدة (12).

المستوى النفسي:

يركز هذا المستوى على التأثير في التقييمات المعرفية، والتأطير، والعواطف، وأنماط التفكير التي تساهم في تشكيل المواقف والمعتقدات والأحكام الفردية والجماعية. يمكن للتأثير المعزز بالذكاء الاصطناعي (على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام العام) أن يصمم محفزات لاستهداف نقاط الضعف والتقلبات الفردية والجماعية (12).  وقد يتم تعديل هذه القابلية للتأثر مسبقاً باستخدام تقنيات الأعصاب للتأثير على حالات الاستثارة أو الانتباه. وتشير الدراسات الحديثة إلى وجود رابط بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد الاستقطاب السياسي والقلق، لا سيما بين الشباب الذين غالباً ما يكونون أكثر تردداً في دعم سياسات الدفاع التقليدية.

المستوى الاجتماعي:

يعد هذا المستوى هو المستوى الشامل للتأثير في السرديات المشتركة، والمعتقدات، والشرعية المؤسسية، والرؤى والقيم والأنشطة العامة. تسعى الحرب المعرفية إلى تفتيت التماسك، وتسليح الهوية، وخلق فوضى معرفية (12). ويشدد التقرير على أن التركيز على الجبهة المعرفية ليس عسكرياً فحسب، بل مجتمعياً أيضاً، وهي حقيقة دقيقة وأهمية استراتيجية يجب الاعتراف بها. وهذا يتوافق مع تحذيرات الاستخبارات البريطانية من أن البنية التحتية المدنية والأنظمة التجارية والثقة العامة أصبحت أهدافاً مركزية بشكل متزايد في مشهد التهديدات بين روسيا والغرب.

وهذه المستويات ليست منفصلة، بل متكاملة ومتداخلة، ويمكن استهدافها بثلاث طرق: من الأسفل إلى الأعلى (استهداف بيولوجي لإحداث تأثيرات نفسية واجتماعية)، من الوسط إلى الخارج (استهداف نفسي لإثارة استجابات بيولوجية ومظاهر اجتماعية)، ومن الأعلى إلى الأسفل (استهداف اجتماعي لإحداث تأثيرات نفسية-بيولوجية وبيولوجية-نفسية) (12). مما يكشف عن عمق وتعقيد الحرب المعرفية، التي لا تكتفي باستهداف مستوى واحد من الوجود الإنساني، بل تعمل على مستويات متعددة ومتداخلة لتحقيق تأثير تراكمي يصعب مقاومته.

ويخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يعمل كمضاعف قوة للحرب المعرفية. فإذا كانت تقنيات الأعصاب هي وسيلة التأثير على العقل من خلال التأثير على الدماغ، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح بشكل متزايد الوسيلة للتأثير على العقل من خلال التلاعب بالبيئة المعلوماتية. ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي من أجل: تقسيم المجموعات السكانية بدقة لتمكين الاستهداف السيكوغرافي والسلوكي، تحسين السرديات في الوقت الفعلي وعبر القنوات، أتمتة التضخيم الاجتماعي (باستخدام أسراب البوتات أو الفاعلين الهجينين)، خلق مصداقية اصطناعية (مثل التزييف العميق، خبراء اصطناعيين، أدلة مزورة)، واستغلال التحيزات المعرفية والقيم ونقاط الضعف (مثل البروز، تكييف الخوف، الاستقطاب داخل المجموعة/خارجها) (12). ويتوقع تقرير Recorded Future أن تستخدم شبكات التأثير والنشطاء القراصنة الذكاء الاصطناعي لإغراق البيئة المعلوماتية بكميات هائلة من الادعاءات المبالغ فيها أو المختلطة الصحة، مما يخلق ارتباكاً مستداماً حتى عندما تفتقر الروايات إلى المصداقية.

ومن المرجح أن التصعيد بين روسيا والغرب أن يتجلى من خلال تهديدات هجينة مثل الهجمات السيبرانية والتخريب والتجسس والتضليل، وأن مخاطر التصعيد تنشأ على الأرجح من حوادث أو سوء تقدير أكثر من الغزو المتعمد أو العمل العسكري العلني (9). وقد تجسد هذا التحذير بشكل صارخ في حادثة السفينة الروسية يانطار (Yantar) التي تم رصدها تعمل قرب كابلات تحت سطح البحر قبالة سواحل المملكة المتحدة في نوفمبر 2025. فوفقاً لتقارير إعلامية بريطانية وأوكرانية، اضطرت البحرية الملكية إلى مراقبة السفينة عن كثب بعد أن وجهت أشعة ليزر باتجاه طاقم طائرة دورية بريطانية من نوع P-8A Poseidon في حادثة وصفتها وزارة الدفاع البريطانية بأنها خطيرة للغاية (13; 14).  وقد أكد الخبراء أن هذا النوع من الحوادث يوضح كيف يمكن لمواجهة بسيطة أن تتصاعد بسرعة إلى أزمة دولية كبرى إذا أسيء تقديرها.

وبذلك يعيد هذا التحليل للحرب المعرفية تعريف طبيعة العمليات المعلوماتية في حروب المنطقة الرمادية، وينتقل بها من مجرد أدوات للتأثير في الرأي العام إلى أسلحة متكاملة تستهدف الآليات البيولوجية والنفسية والاجتماعية للإدراك البشري، مما يجعل الدماغ ساحة معركة ويحول المعركة من أجل العقل من مجرد استعارة إلى عامل ملموس في التخطيط الدفاعي على المسرح العالمي. ويؤكد الخبراء على ضرورة تطوير إطار عمل متكامل لمواجهة هذه التهديدات، يتضمن التعاون الدولي بين الحلفاء والشركاء، والتعامل مع الآثار الأخلاقية لنشر استراتيجيات معرفية تؤثر على السلوك، وحماية خصوصية الأفراد واستقلاليتهم في بيئة يتواصل فيها التلاعب المعرفي.

المطلب الثالث: البحر الأبيض المتوسط كساحة اختبار استراتيجية لحروب المنطقة الرمادية

يبرز البحر الأبيض المتوسط كساحة مركزية لتطبيق استراتيجيات المنطقة الرمادية، وذلك لخصائصه الجيوستراتيجية الفريدة: فهو ملتقى قارات ثلاث، وممر رئيسي للتجارة العالمية والطاقة والاتصالات، ومسرح للتنافس بين قوى كبرى وإقليمية، وفضاء تتداخل فيه المصالح الأمنية والاقتصادية للدول المطلة على ضفتيه الشمالية والجنوبية. مما يجعل منه مختبراً مثالياً لاختبار قدرات الفاعلين الدوليين على إدارة الصراع تحت عتبة الحرب المعلنة، ومراقبة كيفية تطور هذه الاستراتيجيات في بيئة متعددة الأبعاد. كما تحول المتوسط إلى ساحة تنافس تتجاوز البعد العسكري التقليدي إلى فضاء للصراع الهجين، حيث تستخدم روسيا مزيجاً من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لتعزيز نفوذها وإضعاف المنافسين الغربيين. وقد تجلى هذا التحول بوضوح في التدخل الروسي في سوريا عام 2015، الذي شكل نقطة تحول في الوجود الروسي بالمنطقة وأظهر قدرة موسكو على توظيف القوة العسكرية التقليدية جنباً إلى جنب مع الأدوات الهجينة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

يكشف تقرير 3GIMBALS (مايو 2025) عن أنشطة استخبارية واستطلاعية مكثفة في المتوسط، حيث ترصد السفن الروسية ‘البحثية’ وهي تقوم بعمليات استطلاع قرب مواقع إنزال الكابلات البحرية الحساسة والموانئ الرئيسية. ويوثق التقرير حادثة بالغة الدلالة وقعت في أواخر عام 2024، عندما تم رصد السفينة الروسية يانطار (Yantar)، المصنفة رسمياً كسفينة أبحاث أوقيانوجرافية، وهي تشغل مركبات غير مأهولة تحت الماء (UUVs) في البحر الأيرلندي قرب كابلات اتصالات حساسة تربط أيرلندا وبريطانيا. وبعد أن اضطرت القوات البحرية الأيرلندية إلى مرافقتها وإخراجها من مياهها الوطنية، أعادت ‘يانطار’ تمركزها في البحر الأبيض المتوسط، حيث انضمت إليها سفينة الاستخبارات الروسية ‘فيكتور ليونوف’ (Viktor Leonov)، في نمط عملياتي يشير إلى رسم خرائط منهجي للبنى التحتية تحت سطح البحر في المتوسط. هذا النشاط المتواصل يعكس استراتيجية روسية منسقة لجمع المعلومات الاستخبارية عن البنى التحتية الحيوية للدول الأوروبية، استعداداً لاستخدام هذه المعلومات في أي تصعيد مستقبلي، سواء عبر التخريب المباشر أو عبر الضغط السياسي.

يتزامن هذا النشاط الاستخباراتي مع تنامي التنافس على موارد الطاقة في شرق المتوسط، حيث يشهد الحوض الشرقي للبحر اكتشافات غاز طبيعي مهمة تزيد من أهميته الجيواقتصادية. وهذا التنافس يجعل البنى التحتية للطاقة (منصات الحفر، خطوط الأنابيب) أهدافاً محتملة في أي صراع مستقبلي، ويدفع الدول إلى تعزيز قدرتها على حماية هذه الأصول الحيوية. وقد أدى اكتشاف حقل ظهر للغاز في المياه الاقتصادية المصرية عام 2015، وحقول أخرى في المياه القبرصية والإسرائيلية، إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة في المنطقة، وجذب اهتمام القوى الكبرى، وزاد من تعقيد المشهد الجيوسياسي. وهذا التنافس على موارد الطاقة يجعل من المتوسط ساحة لصراع هجين قد يستخدم فيه الفاعلون أدوات متنوعة، من الضغط الدبلوماسي والاقتصادي إلى العمليات السرية والتخريب، لتعزيز مواقعهم وإضعاف منافسيهم.

تعكس التهديدات في المتوسط تنامي التنسيق بين الفواعل الدولية. يشير تقرير 3GIMBALS إلى التنسيق المتنامي بين روسيا والصين في العمليات الهجينة، مستشهداً بحوادث في بحر البلطيق (Balticconnector وArelion وC-Lion 1) حيث كانت السفن المتورطة صينية العلم، لكنها غادرت موانئ روسية قبل تنفيذ الهجمات. ويضيف التقرير أنه في أوائل 2025، تم توثيق حادثة قطع كابلات الإنترنت حول تايوان، حيث عملت سفينة تحمل علم هونغ كونغ وأخرى روسية بشكل متزامن. ويشير هذا التوازي بين العمليات في المحيطين الهندي والهادئ والمتوسط إلى تنسيق متعمد واستراتيجي. هذا التنسيق الصيني-الروسي يمثل تطوراً استراتيجياً بالغ الأهمية، حيث يسمح للبلدين بتبادل الخبرات وتقاسم الأعباء، وزيادة الضغط على الغرب في جبهات متعددة، مع الحفاظ على القدرة على الإنكار وصعوبة الإسناد.

تتخذ التهديدات في المتوسط أشكالاً متعددة، من استهداف الكابلات البحرية وخطوط الطاقة تحت سطح البحر، إلى الحرب الإلكترونية عبر التشويش على أنظمة الملاحة (GPS)، وصولاً إلى العمليات المعلوماتية وحملات التضليل. وقد وثقت وكالة Agenzia Nova في تقريرها عن مؤتمر شايد ميد (نوفمبر 2025) تحول البحر المتوسط إلى فضاء هجين تعبره تهديدات لا تندرج تحت الحرب التقليدية ولا الجريمة العادية، مما يتطلب أدوات جديدة للوقاية والردع. ويشكل المتوسط بالتالي ساحة اختبار رئيسية لقدرة كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي على تطوير استجابات فعالة لتهديدات المنطقة الرمادية. وقد أظهرت استجابة الحلف والاتحاد للحوادث المتكررة في بحر البلطيق قدرات متطورة في المراقبة والردع، لكن مدى نجاح هذه الاستجابات في بيئة المتوسط الأكثر تعقيداً وتنوعاً لا يزال موضع تساؤل.

لذا تبرز أهمية تطوير استراتيجيات متكاملة لمواجهة التهديدات الهجينة في المتوسط. فكما تشير رابطة الناتو الكندية، طور الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو استجابات لهذه التغييرات في نهج روسيا تجاه الحرب الهجينة، بما في ذلك تحديث القواعد للسماح بإسقاط الطائرات المسيرة قرب المواقع الحساسة، وتطوير أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، وإطلاق عمليات مراقبة بحرية مثل بالتيك سينتري (Baltic Sentry). هذه الجهود تمثل خطوات مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى تكييف وتوسيع لتشمل خصوصية البحر المتوسط، الذي يختلف عن بحر البلطيق في كثافته السكانية وتنوعه السياسي وتعقيد تحالفاته الإقليمية.

المبحث الثاني: تجليات حروب المنطقة الرمادية في المتوسط:

المطلب الأول: البنية التحتية تحت سطح البحر:

تشكل أعماق البحر الأبيض المتوسط شريان الحياة للاقتصاد الرقمي والطاقوي الأوروبي، حيث تتركز فيها بنية تحتية حيوية ذات أهمية استراتيجية قصوى. فمن خلال قاع هذا البحر الضيق نسبياً، تمر حوالي 40% من كابلات الاتصالات البحرية الأوروبية، التي تنقل أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية، بما في ذلك تريليونات الدولارات من المعاملات المالية اليومية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي(15؛ 17). هذا الاعتماد الهائل على البنية التحتية تحت سطح البحر يجعلها في غاية الحساسية والأهمية، حيث إن أي انقطاع لهذه الكابلات، حتى لو كان لفترة وجيزة، يمكن أن يتسبب في خسائر اقتصادية فادحة ويعطل حركة التجارة والاتصالات العالمية. إلى جانب ذلك، تعبر المنطقة شبكة كثيفة من خطوط أنابيب الغاز والنفط التي تربط جنوب المتوسط بشماله، مثل خط الأنابيب الجزائري الإيطالي، ومشروع خط أنابيب غاز شرق المتوسط (EastMed) الذي يهدف لنقل الغاز من إسرائيل وقبرص إلى اليونان وإيطاليا (16)، وغيرها من المشاريع الحيوية، مما يجعل من المتوسط الطريق السريع للطاقة الذي لا غنى عنه لأوروبا في سعيها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. هذا التركز الشديد للبنى التحتية الحيوية في قاع البحر يحولها إلى نقطة ضغط استراتيجية، حيث يمكن لأي هجوم ناجح على هذه الكابلات أو خطوط الأنابيب أن يؤدي إلى انقطاع المعلومات وشل الأمن الطاقوي الأوروبي، وهي ضربة استراتيجية لا تقل خطورة عن هجوم عسكري تقليدي، لكنها تبقى تحت عتبة الحرب التي تستدعي رداً جماعياً بموجب المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، مما يخلق معضلة أمنية حقيقية للدول الأوروبية وحلفائها.

بطبيعة الحال، أصبح البحر الأبيض المتوسط هدفاً رئيسياً للتكتيكات الهجينة الروسية، ولا سيما عمليات الاستطلاع ورسم الخرائط للبنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر (CUI). فالسفينة الروسية سيئة السمعة يانطار (Yantar)، والمصنفة رسمياً كسفينة أبحاث أوقيانوغرافية تابعة لمديرية الأبحاث في أعماق البحار (GUGI) التابعة لوزارة الدفاع الروسية، وهي مديرية شديدة السرية مسؤولة عن العمليات تحت سطح البحر، ترصد بانتظام وهي تعمل في المياه الأوروبية، بما في ذلك البحر الأبيض المتوسط، للقيام بأعمال مسح وتحديد لنقاط الضعف في هذه البنى التحتية. وقد تم توثيق تحركات هذه السفينة قبالة السواحل الإيرلندية قرب كابلات الاتصالات الحيوية التي تربط أوروبا بأمريكا الشمالية، ثم أعادت تمركزها في البحر الأبيض المتوسط لتنضم إليها سفينة استخباراتية أخرى، في نمط عملياتي يشير إلى استراتيجية منسقة لرسم خرائط البنى التحتية الحيوية في جميع المسارح الأوروبية. هذا النشاط يمثل المرحلة الأولى (Phase Zero) في استراتيجية المنطقة الرمادية: الاستطلاع والتموضع لاستهداف هذه البنية في المستقبل عبر التخريب المادي أو السيبراني، أو حتى كوسيلة للضغط السياسي في أوقات الأزمات. ويؤكد قائد عملية إيريني (IRINI) الأوروبية، الأدميرال ماركو كاسابيري، أن البحر الأبيض المتوسط مهدد ليس فقط على السطح… ولكن أيضاً في أعماقه، حيث تمر العمود الفقري للألياف البصرية، وخطوط الكهرباء، وخطوط أنابيب الغاز، وشبكات الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الأوروبي، مشدداً على ضرورة تكييف عملياتنا لرصد الأنشطة غير المشروعة التي قد تلحق الضرر بهذه البنى التحتية الحيوية (1).

تتزايد وتيرة الحوادث التي تشير إلى وجود نمط ممنهج من الاستهداف، حيث لم تعد هذه الحوادث مقتصرة على منطقة جغرافية محددة، بل امتدت لتشمل مختلف المسارح الأوروبية من بحر البلطيق إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث تم توثيق سلسلة من الحوادث الخطيرة التي استهدفت البنى التحتية تحت سطح البحر في الفترة من 2022 إلى 2025، بدءاً من تفجيرات خط أنابيب نورد ستريم في سبتمبر 2022، والتي لا تزال التحقيقات جارية حولها، ووصولاً إلى قطع كابل Estlink-2 للطاقة في ديسمبر 2024، وكابل Gotland-Ventspils في يناير 2025 (17). يكشف تحليل هذه الحوادث عن نمط تشغيلي واضح يتمثل في استخدام سفن مدنية (صينية العلم أو تابعة لأسطول الظل الروسي) لجر المراسي عمداً عبر قاع البحر، مما يسمح بتنفيذ عمليات تخريب مع التمتع بقدرة عالية على الإنكار، حيث يصعب التمييز بين الحوادث العادية الناجمة عن الملاحة والأعمال المتعمدة من التخريب. وهذا التواتر الزمني والتركيز الجغرافي يشير إلى حملة منسقة وليس حوادث عشوائية، خاصة أن هذه الحوادث تزامنت مع فترات توتر جيوسياسي متزايدة بين روسيا من جهة ودول الناتو والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

ولعل أخطر ما في هذا الملف هو المفارقة التي تعيشها القوات البحرية الحديثة، والتي أبرزتها حلقة نقاش عقدت خلال مؤتمر شايد ميد في نوفمبر 2025 في روما، والذي جمع ممثلين عن العملية البحرية للاتحاد الأوروبي إيريني وقيادة القيادة البحرية لحلف الناتو (MARCOM). تعتمد هذه القوات بشكل متزايد على أنظمة دمج البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لبناء صورة عملياتية موحدة تساعدها في فهم ما يحدث في الوقت الفعلي عبر هذا البحر المزدحم بالسفن التجارية والعسكرية على حد سواء. يتم جمع البيانات من الرادارات، وأجهزة السونار، والطائرات المسيرة، وحتى أجهزة استشعار مثبتة في قاع البحر، ثم ترسل هذه الكميات الهائلة من البيانات إلى مراكز بيانات ضخمة على اليابسة لتحليلها ومعالجتها. هنا تبرز المفارقة: الأنظمة التي تستخدمها القوات البحرية لحماية البنى التحتية الحيوية تحت الماء هي نفسها معرضة للخطر بسبب هشاشة البنية التحتية على الشاطئ. (1) فمراكز البيانات هذه تحتاج إلى طاقة كهربائية مستقرة، وأنظمة تبريد متطورة، واتصال ثابت بالإنترنت عالي السرعة، وأي هجوم سيبراني ناجح على شبكة الكهرباء التي تغذيها، أو قطع للألياف البصرية التي تربطها بالسفن، يمكن أن يصيب الأسطول بالعمى ويشل قدرته على حماية البنية التحتية التي يفترض أن يدافع عنها. هذه الثغرة تدفع بعض القوات البحرية، مثل البحرية الفرنسية، إلى تطوير مراكز بيانات عائمة على متن السفن نفسها لضمان استمرارية القدرة على معالجة المعلومات حتى في حال تعطل البنية التحتية الأرضية، وهي خطوة تهدف إلى إضافة المرونة حيثما تكون الحاجة ماسة إليها: أقرب إلى المهمة وأصعب على التعطيل، مما يعكس إدراكاً متزايداً لحجم التحدي المتمثل في حماية البنى التحتية الحيوية في عصر الحرب الهجينة.

المطلب الثاني: الحرب الإلكترونية والتشويش والخداع لأنظمة الملاحة (GPS) في المجالين الجوي والبحري

لا يقتصر الصراع في المنطقة الرمادية على ما تحت سطح البحر، بل يمتد ليشمل الفضاء الكهرومغناطيسي المحيط بالمنطقة، وأبرز تجلياته الحرب الإلكترونية عبر استهداف أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GNSS)، والتي تشمل النظام الأمريكي GPS، والروسي GLONASS، والأوروبي Galileo، والصيني BeiDou. تشكل هذه الأنظمة البنية التحتية الخفية التي يقوم عليها المجتمع الحديث، حيث تعتمد عليها غالبية التطبيقات المدنية والعسكرية، بما في ذلك إجراءات الملاحة الجوية والهبوط، وتخطيط الطرق البحرية وتجنب الاصطدام، ومزامنة شبكات الطاقة الكهربائية، وختم الوقت للاتصالات وتقنية الجيل الخامس، والمعاملات المصرفية وأنظمة التداول المالي، والعمليات اللوجستية وسلاسل التوريد. على الرغم من هذا الاعتماد الحيوي، فإن إشارات GNSS ضعيفة بطبيعتها، إذ ترسل من أقمار صناعية على بعد حوالي 20,000 كيلومتر، وتصل إلى الأرض بقوة أقل من جزء من مليار واط، أي أضعف من ضوء القمر، مما يجعلها سهلة الإغراق أو التلاعب باستخدام معدات محمولة منخفضة التكلفة (18). والأسوأ من ذلك، أن معظم إشارات GNSS المدنية غير مشفرة، مما يجعلها عرضة للخداع (Spoofing)، وهو أسلوب أكثر خطورة من التشويش يعتمد على إرسال إشارات مزيفة تحمل بيانات مغلوطة لتضليل أجهزة الاستقبال ودفعها للإبلاغ عن موقع أو وقت خاطئ.

يمثل التشويش والخداع تهديدين متصاعدين بشكل خطير في منطقة البحر الأبيض المتوسط، التي تشهد واحدة من أعلى كثافات الحركة الجوية والبحرية في العالم. فالتشويش يحدث عندما يقوم جهاز بإرسال إشارات قوية على نفس الترددات التي تستخدمها أقمار الملاحة، مما يغرق الإشارات المشروعة ويعطل أجهزة الاستقبال، والنتيجة هي فقدان الخدمة أو تعطيلها بشكل كامل. أما الخداع، فهو تهديد أكثر دهاءً وخطورة، حيث يقوم على إرسال إشارات GPS مزيفة لخداع أجهزة الاستقبال وجعلها تعتقد أنها في مواقع غير صحيحة. ويعرّف دانا غوارد، رئيس مؤسسة ريزيليانت نافيغيشين (RNT Foundation) والخبير الدولي في أنظمة الملاحة، الخداع بأنه استبدال الإشارة الحقيقية بإشارة زائفة تجعل جهاز الاستقبال يعتقد أنه في موقع مختلف تماماً (20). وقد حذر لوكاش لاتوسينسكي، خبير أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية (GNSS) في شركة AST Networks، قائلاً: لم يعد التداخل على GPS مجرد خطر نظري؛ بل هو تهديد نشط للملاحة والأمن العالميين. يمكن لهجمات التشويش والخداع أن تخدع السفن وتجعلها تعتقد أنها تسير في مسار آمن بينما هي في الواقع تتجه نحو مياه خطرة أو مناطق محظورة. وهذا يعرض البضائع وأطقم السفن وحتى الأمن القومي للخطر (22). ويضيف الخبراء أن عمليات الخداع قد تفوق في خطورتها عمليات التشويش، لأن الطيار أو القبطان قد لا يدرك ما يحدث أصلاً في بادئ الأمر، كما أن الإشارات الخادعة قد تصيب النظام المرجعي للقصور الذاتي في الطائرة أو السفينة الذي يمثل مركز العصب الملاحي فيها، مما يؤدي إلى فقدان كامل للقدرات الملاحية وإجبار الطاقم على الاعتماد على التوجيهات الشفهية من مراقبي الحركة الجوية أو البحرية (15).

الاعتماد شبه العالمي على نظامGPS:

يعد الاعتماد شبه العالمي على إشارات الأقمار الصناعية الضعيفة وسهلة التعطيل كمصدر وحيد لخدمات تحديد المواقع والملاحة والتوقيت (PNT) هو بلا شك أكبر ثغرة إلكترونية مستمرة تواجه القطاع البحري. كما أن اضطراب GPS يعتبر ثغرة إلكترونية. لأنه يتداخل مع الشبكات من خلال تعطيل مسارات الاتصالات (حيث إن توقيت GPS ضروري للعديد من الشبكات الخاصة)، ويتداخل مع أجهزة الاستخدام النهائي للشبكة، ويمكن أن يدخل بيانات خاطئة أو مضللة عمداً إلى أنظمة تكنولوجيا المعلومات. ويصف الدكتور براد باركنسون من جامعة ستانفورد، المعروف على نطاق واسع باسم أبي GPS، الاعتماد الأميركي على GPS بأنه … نقطة فشل وحيدة لكثير من أميركا… وأكبر ثغرة في البنية التحتية لدينا لم تتم معالجتها (20).

يصنف جوارد سيناريوهات اضطراب GPS إلى أربع فئات رئيسية: (20)

الاضطرابات الطبيعية (Natural Disruptions): مثل التوهجات الشمسية التي يمكن أن تطغى مؤقتاً على إشارات GPS، أو حجب الإشارات بسبب التضاريس الوعرة والغطاء النباتي الكثيف، أو عدم قدرة الإشارات على اختراق الماء مما يحرم المركبات تحت السطحية من الوصول إليها.

الاضطرابات العرضية (Accidental Disruption): حيث يمكن للعديد من أجهزة الإرسال أن تشوش على GPS إذا استخدمت بشكل غير صحيح. وتشمل الأمثلة الموثقة قيام أفراد البحرية الأميركية بتعطيل GPS عن طريق الخطأ عبر مناطق واسعة في كل من سان دييغو ونيوبورت نيوز، بالإضافة إلى أعطال المعدات الإلكترونية والكهربائية مثل هوائيات التلفزيون غير المؤرضة بشكل صحيح، ومعدات الاتصالات ضعيفة التدريع، وحتى المصاعد التي تصدر شرارات أثناء صعودها وهبوطها (20).

التشويش المتعمد (Intentional Jamming): حيث تمتلك جيوش معظم الدول القدرة على تشويش GPS لأغراضها الخاصة، وقد قامت بها بالفعل. فقد شوشت كوريا الشمالية على الاستقبال في كوريا الجنوبية لعدة سنوات متتالية، وتقوم روسيا حالياً بتشويش استقبال GPS في أجزاء من أوكرانيا. كما أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) تحذيراً بشأن استخدام عصابات الجريمة المنظمة لأجهزة تشويش GPS في سرقة الشحنات. والأخطر من ذلك أن أجهزة الخصوصية الشخصية قانونية الامتلاك ولكنها غير قانونية الاستخدام، ويمكن شراؤها بسهولة وبتكلفة زهيدة عبر الإنترنت، وهي قادرة على حجب استقبال GPS عبر مسافات متفاوتة. وقد تعرضت أنظمة الهبوط في مطار نيوارك الدولي بشكل دوري للتعطيل من قبل أشخاص يقودون سياراتهم على الطريق السريع I-95 حاملين هذه الأجهزة. وعلى الرغم من نقل النظام، لا يزال المطار يكتشف خمسة أجهزة تشويش أو أكثر على الطريق السريع كل يوم. وهذا يعني أن تشويش GPS أصبح في متناول أي إرهابي أو فاعل خبيث (20).

الخداع (Spoofing): من خلال إرسال إشارة مماثلة ولكن أقوى قليلاً، تمكن خصوم وأكاديميون من السيطرة على مركبات تعمل بنظام GPS وتوجيهها حيث يريدون. سواء كان ذلك بتحويل مسار السفن، أو إرباك من يراقب مواقع السفن من الشاطئ، أو توجيه من يحاولون تتبع البضائع المسروقة إلى موقع خاطئ، فإن لهذا الإمكانات إمكانية كبيرة لتدهور السلامة والأمن البحريين بشكل كبير (20).

الأنظمة البرية المعتمدة على GPS (Shore-side Systems)

يكشف تحليل غوارد عن أن كل نظام من أنظمة تكنولوجيا المعلومات تقريباً يستخدم بعض جوانب إشارات الموقع و/أو التوقيت من GPS لكي يعمل بشكل صحيح. ومن بين الأنظمة البحرية البرية التي تشكل مصدر قلق خاص في منطقة البحر المتوسط:

تتبع الشحنات (Cargo Tracking): نشر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) نشرة استشارية أفادت بأن العديد من شركاء إنفاذ القانون والقطاع الخاص أبلغوا عن تعطيل أجهزة تتبع GPS من قبل مجرمين ينخرطون في أنشطة خبيثة تشمل سرقة الشحنات والشحن غير المشروع للبضائع (20). وتضمنت الأمثلة المذكورة قيام سارقي سيارات بشحنها إلى الصين باستخدام أجهزة تشويش GPS موضوعة داخل حاويات الشحن في محاولة لإحباط تتبع الحاويات، وفقاً لمعلومات صادرة عن المكتب الوطني لجرائم التأمين في يوليو 2014. كما استخدم سارقو شحنات في شمال فلوريدا أجهزة تشويش GPS مع مقطورة مبردة مسروقة تحتوي على شحنة يتم التحكم في درجة حرارتها. والأكثر إثارة للقلق، أن عينة قصيرة الأجل في إحدى المدن الساحلية أجراها مستشار GPS لوغان سكوت وشركة رودي وشوارتز أظهرت أن 25-30% من جميع الشاحنات كانت تحمل أجهزة تشويش GPS (20). في المتوسط، حيث تمر ملايين الحاويات عبر موانئ مثل بيرايوس، وجيويا تورو، والإسكندرية، وميناء شرق بورسعيد، فإن أي تعطيل لأنظمة التتبع يمكن أن يسهل عمليات تهريب واسعة النطاق للمخدرات والأسلحة وحتى المواد المهربة.

الوعي بالمجال البحري/خدمات حركة السفن (Maritime Domain Awareness/ VTS): بينما تلعب الرادارات ومصادر المعلومات الأخرى أدواراً مهمة، فإن تدفق البيانات الغني والآلي وعالي الحجم من نظام التعريف الآلي (AIS) هو الركيزة الأساسية لإنشاء صور بحرية لاستخدامها في البحر وعلى الشاطئ. وعلى الرغم من أن تصميم نظام AIS يسمح بدمج أي مصدر للموقع والتوقيت، فإن GPS هو النظام الوحيد المستخدم. في المتوسط، تعتمد مراكز خدمات حركة السفن (VTS) في موانئ مثل مرسيليا، وبرشلونة، وجنوة، والإسكندرية على بيانات AIS المستمدة من GPS لتنظيم حركة آلاف السفن يومياً. أي تشويش لهذه البيانات يمكن أن يؤدي إلى فوضى ملاحية وزيادة خطر الاصطدامات.

المساعدات الملاحية (Aids to Navigation): إن الانتقال من العوامات والمنارات في العصر الصناعي إلى المساعدات الملاحية الإلكترونية في عصر المعلومات يحمل إمكانات هائلة للاقتصاد والكفاءة. نحن في المراحل المبكرة من هذا التحول مع تزايد شعبية المساعدات الافتراضية. كل هذا يعتمد على AIS ليعمل بشكل صحيح ويجعل المجال البحري أكثر عرضة لنقطة الفشل الوحيدة المتمثلة في GPS (20).

أنظمة السفن المعرضة للخطر (Vessel Systems)

أظهرت تجارب سلطة المنارات العامة في المملكة المتحدة وأيرلندا (GLAs) أنه عندما تكون إشارات GPS غير متوفرة أو مشوشة، فإن هذه الأنظمة إما تفشل تماماً، أو الأسوأ من ذلك، أنها توفر معلومات خاطئة ومضللة. وتشمل هذه الأنظمة: شاشات الخرائط الإلكترونية (ECDIS)، والطيار الآلي للسفينة، ونظام تثبيت منصة المروحية، واتصالات الصوت والبيانات عبر الأقمار الصناعية، ونظام DSC-GMDSS للسلامة والاستغاثة البحرية، والرادار، والبوصلة الجيروسكوبية، ونظام التعريف الآلي (AIS). وقد أظهرت التقارير الصادرة عن التجارب الأولى التي أجريت بعلم كامل من فريق جسر السفينة أنه عند مستويات منخفضة من التداخل، استقبلت جميع أنظمة السفينة واستخدمت معلومات زمنية وموقعية خاطئة مما أدى إلى معلومات خاطئة بما في ذلك مواقع ومسارات وسرعات غير صحيحة. أما عند مستويات أعلى من التداخل، فقد كان هناك الكثير من أجهزة الإنذار على الجسر لدرجة أن القبطان وطاقمه ذوي الخبرة واجهوا صعوبة في تحديد مصدر المشكلة (26).

وقد تم أيضاً توثيق خداع أجهزة الاستقبال البحرية والسيطرة على السفن التي تعمل بالطيار الآلي. وتبرز تجارب سلطة المنارات العامة ثلاثة مستويات متميزة من التأثير:

  • المستوى 1: عندما تكون إشارة التشويش أقل بكثير من إشارة GPS (التشغيل العادي).
  • المستوى 2: عندما تكون إشارة التشويش مماثلة لإشارة GPS (توفر المعدات التي تغذيها GPS معلومات خاطئة، بعضها مضلل بشكل خطير).
  • المستوى 3: عندما تكون إشارة التشويش أكبر بكثير من إشارة GPS (حرمان كامل من GPS وفشل المعدات في توفير معلومات PNT) (26).

وقد أظهرت هذه التجارب وجود ثغرة إلكترونية كبرى في البحر/أثناء الإبحار يمكن أن تؤدي أو تساهم في وقوع حادث ذي أهمية وطنية. وتشمل السيناريوهات المحتملة: التوجيه الخاطئ لسفينة أثناء عبور البحر المفتوح بسبب خداع GPS بجهاز مخفي على متنها، أو حادث في مياه القيادة بسبب خداع أو تشويش GPS وارتباك بين طاقم جسر السفينة في نقطة حرجة من العبور (20). وتشمل الأنشطة الخبيثة الأخرى المحتملة: التوجيه الخاطئ أو إعاقة عمليات المستجيبين الأولين/إنفاذ القانون، وإعاقة خدمات حركة السفن، ووقف أو إبطاء حركة المرور في منطقة ميناء مزدحمة، وتجنب تتبع السفن مما يمكن من تهريب المنتجات النفطية والبشرية والمخدرات والبضائع غير المشروعة الأخرى، والتهرب من الضرائب والرسوم الجمركية.

تأثير التداخل على الملاحة الآمنة في المتوسط

من أجل الإبحار بأمان في البحر الأبيض المتوسط، وهو أحد أكثر البحار ازدحاماً في العالم بحوالي 20% من حركة الشحن العالمية، يحتاج البحارة إلى معلومات موثوقة وواضحة وجديرة بالثقة حول مكانهم وما يحدث من حولهم حتى يمكن تحديد أي تهديد وتحديد موقعه. بينما يعطى الاعتبار غالباً لتهديدات مثل مناطق المياه الضحلة أو العوائق أو السفن الأخرى، لا يعطى الاعتبار عموماً لفقدان المعلومات المتعلقة بالموضع أو التوقيت أو الوعي الظرفي. يؤدي فقدان معلومات PNT المشتقة من GPS في البحر إلى فقدان أنظمة ECDIS و AIS و GPS و DGPS الخاصة بالسفينة، مما يمنع البحارة من تحديد مواقعهم ومن حولهم بالوسائل التي تعتبر حالياً الوسائل الطبيعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأنظمة التي يتوقع المرء عادة أن تكون مستقلة عن GPS، وبالتالي متاحة للاستخدام في ظروف حرمان GPS، تتأثر أيضاً، وهي رادار السفينة والبوصلة الجيروسكوبية. يأخذ الرادار مدخلات GPS لتوفير إعداد الشمال لأعلى، وتستخدم البوصلة الجيروسكوبية GPS لتثبيت خطأ الانجراف. في ظل ظروف حرمان GPS، تدخل هذه الوحدات أيضاً في حالة إنذار ولا ينبغي استخدامها (26).

تجليات التهديد في شرق المتوسط: دروس من الصراع الأخير

تظهر منطقة شرق المتوسط بوضوح كيف تتداخل الحرب الإلكترونية مع الصراعات الإقليمية، وتقدم دروساً قاسية حول التداعيات المباشرة لهذه العمليات. فمنذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، تصاعدت عمليات التشويش والخداع بشكل لافت، حيث أكد رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات الأردنية، المهندس بسام السرحان، أن حالة التشويش التي رصدت مؤخراً على ترددات نظام تحديد المواقع الجغرافية العالمي GPS في الأردن، مصدرها دولة حدودية مجاورة، نتيجة حالة وضع الحرب الراهنة في الإقليم، منوهاً إلى أن التشويش ازداد منذ السابع من أكتوبر الماضي، واتخذ مستويات أكثر قوّة في الآونة الأخيرة (19). وأوضح خبراء أن ما يستخدمه الجانب الإسرائيلي هو الخداع أو الانتحال SPOOFING وهو أخطر من التشويش، حيث يتم بث إشارات مزيفة تجعل أجهزة الاستقبال تظهر مواقع في لبنان أو مصر بدلاً من الأردن، بهدف توجيه الصواريخ والطائرات المسيرة إلى هذه المواقع الوهمية بدلاً من الأهداف الحقيقية. وقد أدى ذلك إلى سقوط صواريخ مرسلة من العراق على لبنان وأخرى في سيناء المصرية، في مثال عملي على الحرب السيبرانية الحقيقية وتداعياتها المباشرة على أمن وسلامة الدول المجاورة (19).

كما أن لهذه العمليات تأثيرات اقتصادية واجتماعية مباشرة، حيث ربط خبراء أردنيون بين عمليات التشويش وحدوث أزمات مرورية، وتعطل سوق الإعلانات والدعايات التجارية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى التأثير على خرائط الملاحة الجغرافية على المدى الطويل نتيجة ضخ حجم هائل من المعلومات المزيفة (19). تظهر البيانات المتاحة حجم هذه الظاهرة وتأثيرها المتزايد في المنطقة. ففي منطقة البلطيق وحدها، أظهرت 46,000 طائرة علامات محتملة على التشويش بين شهري أغسطس 2023 حتى مارس 2024، وفقاً لتقارير وبيانات موقع GPS Jam المتخصص. وخلال شهر أبريل 2024، تعرضت أكثر من 15 ألف طائرة لعمليات خداع لمواقعها في مطار بيروت، وأكثر من 10 آلاف طائرة في مطار القاهرة (15). وفي مارس 2025، أكدت الحكومة الهندية رسمياً في مجلس النواب وقوع أكثر من 465 حادثة جوية بين عامي 2023 و2025 نتيجة التلاعب بأنظمة GPS، مما دفع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) في مؤتمرها الرابع عشر عام 2024 إلى تصنيف تداخل نظام GNSS كـ تهديد سيبراني استراتيجي ضارّ يشكّل خطراً إلكترونياً كبيراً (دربج، 2025).

يبدو أن إشارات الأقمار الصناعية، بطبيعتها، ضعيفة بشكل استثنائي وسهلة التعطيل. في الوقت نفسه، تتطلب أنظمة النقل الحديثة بيانات موقع وتوقيت لاسلكية ودقيقة وواسعة النطاق لتعمل بشكل صحيح. يجب أن يكون لدى القطاع البحري، خاصة مع الكفاءات التي تعد بها الملاحة الإلكترونية. كمصدر آخر يصعب تعطيله لصالح السلامة والأمن والكفاءة. يوصي الخبراء باتخاذ عدد من الخطوات للمساعدة في تقليل تأثير هذه التهديدات:

  • زيادة الوعي بمواطن ضعف أنظمة GNSS لدى البحارة والطيارين والجهات المعنية في دول المتوسط.
  • كشف الحوادث وتحذير البحارة والطيارين عند حدوثها من خلال أنظمة إنذار مبكر إقليمية.
  • منع الحوادث من الحدوث، حيثما أمكن، من خلال التشريعات وإنفاذ القانون، وتعزيز التعاون الأمني لملاحقة مصادر التشويش غير القانونية.
  • تقليل آثار الحوادث عند حدوثها قدر الإمكان، من خلال تصلب تقنية GNSS واستخدام أجهزة استقبال مقاومة للتشويش والخداع.
  • وجود وسائل بديلة لتحديد المواقع والملاحة والتوقيت (PNT)، مستقلة عن GNSS، مثل إحياء أنظمة الملاحة الأرضية (eLoran) وتعزيز استخدامها كاحتياطي استراتيجي.

ويشدد الخبراء على أن أفضل إجراء للتخفيف من حدة هذه التهديدات هو عدم الاعتماد على معلومات PNT من GNSS بمجرد تعرض سلامة البيانات للخطر. يحتاج البحارة إلى الاستعداد لأعطال GNSS والحصول على معلومات PNT من خلال أنظمة مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أيضاً توفير إجراءات تغطي ما يجب فعله في حالة عدم توفر GNSS والتدرب عليها. ومن هذا المنطلق، تعزز سلطة المنارات العامة بقوة استخدام جميع وسائل الملاحة المتاحة (26).

في السياق نفسه، تبرز أهمية هذه التهديدات بالنسبة للأمن القومي المصري بشكل خاص، وذلك للأسباب التالية:

  • قناة السويس كممر حيوي: مصر تشرف على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، وهو قناة السويس، التي يعبرها حوالي 12% من حركة التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات. أي عملية تشويش أو خداع ناجحة تستهدف نظام GPS لسفينة حاويات عملاقة أثناء عبورها القناة يمكن أن تؤدي إلى كارثة ملاحية حقيقية، سواء بجنوح السفينة أو اصطدامها بسفن أخرى، مما قد يؤدي إلى إغلاق القناة وتعطيل حركة التجارة العالمية لفترة غير محددة، بتكلفة تقدر بمليارات الدولارات يومياً.
  • التأثير المباشر للصراعات الإقليمية: سبق أن حذرت تقارير إعلامية من أن عمليات الخداع الإسرائيلية في شرق المتوسط قد تؤدي إلى سقوط صواريخ في سيناء (19)، مما يؤكد أن مصر ليست بمنأى عن تداعيات هذه الحرب الإلكترونية، بل إن قربها الجغرافي من بؤر التوتر يجعلها في مرمى النيران الصديقة والمعادية على حد سواء.
  • الموانئ المصرية: تعتمد موانئ مصر الرئيسية (الإسكندرية، دمياط، بورسعيد، والعين السخنة) على أنظمة VTS وAIS المعتمدة على GPS لتنظيم حركة السفن. وأي تعطيل لهذه الأنظمة يمكن أن يؤدي إلى فوضى تشغيلية وتأخيرات كبيرة وخسائر اقتصادية فادحة.

لذلك، فإن تعزيز قدرات المراقبة البحرية والدفاع الإلكتروني، وتطوير أنظمة ملاحة احتياطية غير معتمدة على GPS (مثل إحياء نظام eLoran)، وتعميق التعاون مع الدول الشريكة في منتدى غاز شرق المتوسط والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لتبادل المعلومات الاستخبارية عن مصادر التشويش في الزمن الحقيقي، كلها خطوات ضرورية لحماية الأمن القومي المصري في مواجهة هذا الخطر الاستراتيجي المتصاعد.

المطلب الثالث: التنسيق الصيني-الروسي في العمليات الهجينة بالمتوسط:

يمثل التنسيق المتنامي بين روسيا والصين في العمليات الهجينة تطوراً استراتيجياً بالغ الأهمية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث لم تعد موسكو تعمل بمفردها، بل باتت تستفيد من الأساطيل التجارية الصينية والبنية التحتية والغطاء السياسي لشن عملياتها مع الحفاظ على قدرة عالية على الإنكار. هذا التحالف الوظيفي (وليس التحالف الأيديولوجي) يقوم على تقاسم المصالح وتوزيع الأدوار، حيث توفر الصين غطاء من الشرعية التجارية والأسطول الضخم، بينما توفر روسيا الخبرة العملياتية والاستخباراتية ونقاط الانطلاق الاستراتيجية. حيث تكشف التقارير الاستخباراتية عن أنماط تشغيلية واضحة تشير إلى تنسيق متعمد واستراتيجي بين البلدين. ففي سلسلة من الحوادث في بحر البلطيق (التي تمثل نموذجاً مصغراً للصراع في المتوسط نظراً لتشابه الظروف الجيوستراتيجية)، مثل حادثة Balticconnector في(أكتوبر 2023) التي أدت إلى قطع خط أنابيب غاز حيوي بين فنلندا وإستونيا، وقطع كابلي Arelion وC-Lion 1 في(نوفمبر 2024) اللذين يربطان السويد وليتوانيا وفنلندا وإستونيا وألمانيا، كانت السفن المتورطة صينية العلم (Newnew Polar Bear وYi Peng 3)، لكنها غادرت موانئ روسية قبل تنفيذ الهجمات (2). ويشير هذا النمط – مغادرة سفينة صينية من ميناء روسي لتنفيذ عملية تخريب – إلى مستوى عالٍ من التنسيق العملياتي، حيث توفر الصين الغطاء (السفينة والعلم)، بينما توفر روسيا نقطة الانطلاق وربما التوجيه والهدف.

يعزز أيضاً هذا النمط ، أن القيادة في كل من الصين وروسيا تدرك أن لديهما هدفاً مشتركاً هو العمل معاً لتحدي ما يعتبرانه نظاماً عالمياً يهيمن عليه الغرب (21). كما أن التعاون بين البلدين يمتد عبر أربعة مجالات رئيسية: مبيعات الأسلحة ونقل التكنولوجيا، والتدريبات العسكرية المشتركة، والتعاون في الفضاء والحرب السيبرانية، والتكتيكات الهجينة. هذا الإطار النظري يجد تطبيقه العملي في حوادث البحر الأبيض المتوسط وبحر البلطيق، حيث تتجلى هذه المجالات الأربعة بشكل واضح: فالتدريبات العسكرية المشتركة مثل البحر المشترك أصبحت أكثر تواتراً وتعقيداً، والتعاون في الحرب السيبرانية يتجلى في تبادل تقنيات الاختراق والتضليل، والتكتيكات الهجينة تظهر في استخدام السفن المدنية كأدوات للتخريب.

يتجلى التنسيق في الأنماط التشغيلية المتكررة عبر مسارح عمليات متعددة. فقد تم توثيق حادثة مماثلة في أوائل عام 2025 قرب تايوان، حيث عملت سفينة تحمل علم هونغ كونغ وأخرى روسية بشكل متزامن لقطع كابلات الإنترنت الحيوية التي تربط تايوان بالعالي (2). ويشير هذا التوازي بين العمليات في المحيطين الهندي والهادئ والمتوسط إلى وجود كتالوج عملياتي مشترك، يتم فيه تبادل الخبرات والتكتيكات بين البلدين. وتكمن عبقرية هذا التنسيق في استغلال المنطقة الرمادية القانونية: فاستخدام سفن صينية يخلق طبقة إضافية من الغموض الدبلوماسي للدول المستهدفة. هل تواجه الدول الأوروبية عملاً عدائياً روسياً، أم نشاطاً تجارياً صينياً غير منضبط، أم عملية منسقة بينهما؟ هذا الغموض يعطل آليات الإسناد ويؤخر الرد، حيث تضطر الدول الأوروبية إلى التعامل مع بكين عبر القنوات الدبلوماسية للحصول على تفسيرات، بينما تستمر موسكو في إنكار مسؤوليتها.

يتزامن هذا التنسيق مع التنافس المحتدم على موارد الطاقة في شرق المتوسط، حيث تم اكتشاف حقول غاز طبيعي ضخمة في العقد الأخير، مما جعل المنطقة محور جذب للقوى الكبرى. فوجود سفن صينية تتحرك في شرق المتوسط قرب مناطق التنقيب عن الغاز وخطوط الأنابيب ومنصات الحفر يثير مخاوف من أن تكون هذه السفن جزءاً من عملية استخبارية روسية لرسم خرائط البنى التحتية الحيوية، مستفيدة من غطاء الأنشطة التجارية الصينية المشروعة. وقد رصدت مصادر استخبارية غربية تحركات مشبوهة لسفن صينية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص واليونان، بالتزامن مع تواجد سفن استخبارات روسية مثل يانطار وفيكتور ليونوف في نفس المنطقة، في نمط يشير إلى تبادل المعلومات وتنسيق الجهود (2).

ويأتي إنشاء مركز التميز للأمن السيبراني البحري (MarCCE) في قبرص كرد فعل مباشر على هذا التنسيق المتزايد والتهديدات المتنامية في شرق المتوسط. فقد أعلنت قمة القدس الثلاثية في 22 ديسمبر 2025، التي جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، عن إنشاء هذا المركز كجزء من رؤية مشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي (23). وفي 26 فبراير 2026، أصدرت المديرية الوطنية الإسرائيلية للأمن السيبراني بياناً رسمياً رحبت فيه بالإطلاق المرتقب للمركـز، ووصفته بأنه معلم استراتيجي في تعزيز المرونة الإلكترونية الوطنية والإقليمية للقطاع البحري في شرق المتوسط (23). وأشار البيان إلى أن المركز سيعمل تحت رعاية هيئة الأمن الرقمي القبرصية، بالتنسيق الوثيق مع المديرية الإسرائيلية والسلطة اليونانية للأمن السيبراني، وسيركز على أربع ركائز رئيسية: الاستخبارات عن التهديدات والمراقبة وتبادل المعلومات في الوقت الفعلي، وبناء القدرات والتدريب، وصياغة السياسات والمعايير الدولية، والابتكار والبحث (23). ويمثل هذا التعاون الثلاثي تنفيذ رؤية مشتركة تهدف إلى جعل المركز قوة رائدة في مجال المرونة الإلكترونية البحرية في شرق المتوسط (24). وهذا التحرك الإقليمي يؤكد أن دول المنطقة تدرك خطورة التهديد المزدوج الروسي-الصيني وتسعى لبناء قدرات دفاعية جماعية لمواجهته، في إطار من التعاون الوثيق مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، خاصة أن قبرص واليونان عضوان في الاتحاد الأوروبي، وإسرائيل شريك مهم في المنطقة.

لا يقتصر التنسيق الصيني-الروسي في المنطقة الرمادية بالمتوسط على العمليات البحرية فقط، بل يمتد ليشمل العمليات المعلوماتية والسيبرانية، حيث تتبادل الدولتان الخبرات في تقنيات التضليل والحرب السيبرانية، وتنسقان حملات التأثير على الرأي العام في الدول الأوروبية. هذا التحالف الوظيفي (وليس التحالف الأيديولوجي) يمثل تطوراً استراتيجياً خطيراً، يسمح للبلدين بتبادل الخبرات وتقاسم الأعباء وزيادة الضغط على الغرب في جبهات متعددة، مع الحفاظ على القدرة على الإنكار وصعوبة الإسناد. في هذا السياق، يصبح البحر الأبيض المتوسط ساحة اختبار رئيسية لهذا النمط الجديد من الصراع المنسق، مما يستدعي تعزيز التعاون الأمني بين دول الحلف والاتحاد الأوروبي وشركائهم في المنطقة، وتطوير آليات رصد وإنذار مبكر قادرة على كشف هذه الأنماط التشغيلية المعقدة، وبناء قدرات دفاعية مشتركة تضع حداً لهذا الاستغلال الممنهج للثغرات القانونية والجيوستراتيجية في المنطقة.

المبحث الثالث: التهديدات غير التقليدية تحت سطح البحر: الترسانة الخفية للحرب الهجينة

المطلب الأول: الضفادع البشرية والإرث التاريخي للقوات الخاصة تحت الماء

تمثل القوات الخاصة تحت الماء، أو ما يعرف بـ الضفادع البشرية، واحدة من أقدم وأخطر أدوات الحرب غير التقليدية في البيئة البحرية. يعود تاريخ استخدام هذه الوحدات إلى الحرب العالمية الثانية، حيث طورت كل من بريطانيا وإيطاليا واليابان وحدات غوص هجومية متخصصة في استهداف السفن الحربية في الموانئ المحصنة، مستخدمة أطوارب بشرية وعبوات ناسفة مغناطيسية. لكن التطور الأكثر منهجية واستراتيجية لهذه القدرات يعود إلى الحقبة السوفيتية، حيث أدركت موسكو مبكراً أهمية امتلاك قدرات تحت الماء تعمل في المنطقة الرمادية بين السلام والحرب، قادرة على تنفيذ مهام استطلاعية وتخريبية مع الحفاظ على أعلى درجات السرية والإنكار. هذه القدرات لم تكن مجرد أدوات تكتيكية، بل كانت جزءاً من عقيدة عسكرية متكاملة تهدف إلى تحقيق التفوق الاستراتيجي عبر استهداف البنى التحتية الحيوية للخصم في وقت السلم، مع التمتع بقدرة كاملة على إنكار المسؤولية عند اكتشافها.

استثمر الاتحاد السوفيتي بشكل كبير في تطوير قوات سبيتسناز البحرية خلال الحرب الباردة، حيث جند وحدات متخصصة من الضفادع البشرية للتسلل إلى الموانئ الغربية، ورسم خرائط للبنى التحتية الحيوية تحت الماء، والاستعداد لتنفيذ عمليات تخريبية ضد السفن الحربية والغواصات والكابلات البحرية وخطوط الاتصالات في حالة نشوب نزاع واسع النطاق. وقد شكلت سلسلة من الحوادث الموثقة في المياه الاسكندنافية خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات دليلاً واضحاً على هذا النشاط السري. ففي السويد، رصدت أجهزة الهيدروفون البحرية بشكل متكرر أنشطة غير طبيعية على طول السواحل، بما في ذلك آثار زحف في قاع البحر وأصوات مركبات غوص غير معروفة، وهو ما حذرت منه أوراق الدفاع السويدية البيضاء في تلك الفترة، مؤكدة أن غواصات صغيرة وضفادع بشرية سوفيتية كانت تختبر الدفاعات السويدية وتجري عمليات استطلاع تمهيدية ضد القواعد البحرية ومراكز القيادة والسيطرة (2).

بلغت هذه التوترات ذروتها في حادثة الغواصة السوفيتية U-137 (S-363) التي جنحت في أكتوبر 1981 داخل القاعدة البحرية السويدية السرية في كارلسكرونا، في واحدة من أكثر الحوادث الدبلوماسية إحراجاً خلال الحرب الباردة. عند تفتيش الغواصة، عثر المحققون السويديون على معدات غوص متخصصة وخزانات غوص ومؤشرات واضحة على أن المهمة الحقيقية للغواصة ربما كانت إنزال فرق تخريبية ضد أهداف ساحلية سويدية، وليس مجرد حادث ملاحي عرضي (2). وفي العام التالي مباشرة، وبالتحديد في عام 1982، شنت القوات السويدية مطاردة استمرت شهراً كاملاً لغواصات صغيرة مجهولة في منطقة هارشفيردين بالقرب من منشآت عسكرية حساسة، حيث رصدت السونارات إشارات مطابقة لمركبات إنزال الضفادع البشرية، لكن المتسللين تمكنوا من الإفلات رغم استخدام القنابل العميقة وطائرات الهليكوبتر المضادة للغواصات. هذه الحوادث كشفت عن نمط تشغيلي واضح يعتمد على الغموض والإنكار، حيث كانت موسكو تختبر الدفاعات السويدية وتجري استعدادات لساحة المعركة دون عبور خط المواجهة المفتوحة، مما شكل سابقة تاريخية مهمة لفهم طبيعة التهديدات الهجينة التي نواجهها اليوم.

اليوم، ورثت روسيا هذه القدرات وطورتها بشكل كبير. حيث لم تتخل موسكو عن إرثها السوفيتي في مجال الضفادع البشرية، بل أعادت هيكلته وتوسيعه ليشمل وحدات متخصصة تعمل تحت قيادة مديرية الاستخبارات الرئيسية (GRU) ومديرية الأبحاث في أعماق البحار (GUGI)، وهي مديرية شديدة السرية مسؤولة عن العمليات تحت سطح البحر على أعماق استراتيجية. تمتلك روسيا حالياً هيكلاً متعدد الطبقات للقوات تحت الماء يتكون من: ألوية سبيتسناز البحرية المنتشرة في أساطيلها المختلفة (مثل اللواء 420 للاستطلاع الخاص في أسطول الشمال، واللواء 431 في أسطول البحر الأسود، واللواء 42 في أسطول المحيط الهادئ)، ووحدات مكافحة التخريب PDSS المكلفة بحماية القواعد البحرية من التسلل، ووحدات GUGI شديدة السرية المسؤولة عن العمليات الاستراتيجية في الأعماق باستخدام غواصات نووية صغيرة مثل لوشاريك (Losharik) القادرة على الغوص لأعماق تصل إلى 6000 متر، أي أعمق بعشر مرات من الغواصات التقليدية (2). يتمركز معظم هذه الوحدات في مركزين رئيسيين للتدريب: مركز التدريب المشترك 907 قرب سانت بطرسبرغ الذي يخرج حوالي 700 غواص قتالي سنوياً في دورات أساسية ومتقدمة، ومفرزة الأغراض الخاصة 313 في بالتيسك المتخصصة في عمليات الهدم تحت الماء والاغتيال واستخدام المتفجرات في البيئات البحرية المعادية. هذا الهيكل المتكامل يضمن لروسيا قدرة على تنفيذ عمليات تحت الماء على نطاق عالمي، مع الاحتفاظ بقدرة على التدرج في استخدام القوة من المهام الاستطلاعية البسيطة إلى العمليات التخريبية الكبرى.

وبالنسبة للبحر الأبيض المتوسط، تكتسب هذه القدرات أهمية خاصة واستثنائية. فمنذ التدخل الروسي في سوريا عام 2015، أصبحت قاعدة طرطوس البحرية نقطة ارتكاز استراتيجية للوجود الروسي في شرق المتوسط، ومنصة انطلاق محتملة لعمليات الضفادع البشرية ضد البنى التحتية الحيوية في المنطقة. حيث يمكن لهذه الوحدات استهداف كابلات الاتصالات البحرية التي تربط أوروبا بآسيا عبر قناة السويس، والتي تمر قبالة السواحل المصرية والقبرصية واليونانية، أو خطوط أنابيب الغاز التي تنقل الطاقة من شرق المتوسط إلى أوروبا (مثل خط أنابيب شرق المتوسط، أو حتى الموانئ الحيوية مثل ميناء بيرايوس في اليونان وميناء الإسكندرية وميناء شرق بورسعيد في مصر. القدرة على تنفيذ عمليات تخريبية تحت الماء مع التمتع بقدرة عالية على الإنكار (باستخدام زوارق صيد مدنية كغطاء، أو الإنزال من سفن تجارية، أو حتى من غواصات صغيرة غير مزودة بأسلحة نووية) تجعل من هذه الوحدات تهديداً استراتيجياً صامتاً في أي مواجهة مستقبلية. وقد حذرت تقارير استخبارية غربية من أن روسيا تنظر إلى شرق المتوسط كمسرح رئيسي لعملياتها المستقبلية، خاصة مع تصاعد التنافس على موارد الطاقة في المنطقة، وأن وحدات سبيتسناز البحرية تتدرب بانتظام على سيناريوهات استهداف البنى التحتية الحيوية تحت الماء (2).

المطلب الثاني: المركبات غير المأهولة تحت الماء (UUVs) والغواصات المسيرة

شكلت التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في قدرات الحرب تحت الماء، حيث أصبحت المركبات غير المأهولة تحت الماء والغواصات المسيرة أدوات محورية في ترسانة الحرب الهجينة. وتقدم هذه الأنظمة مزايا استراتيجية لا توفرها الضفادع البشرية: فهي قادرة على العمل لساعات طويلة تصل إلى أيام وأسابيع في أعماق سحيقة تصل إلى آلاف الأمتار، لا تتعرض للإرهاق أو الخطر البشري، ويمكن التحكم بها عن بعد أو برمجتها لأداء مهام ذاتية بالكامل باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي. والأهم من ذلك، أن استخدامها يتيح درجة أعلى من الإنكار، حيث يصعب إسناد أي هجوم إلى جهة محددة دون وجود دليل مادي مباشر مثل حطام المركبة أو بقاياها، مما يجعلها الأداة المثالية لحروب المنطقة الرمادية.

تمتلك روسيا حالياً واحدة من أكثر برامج تطوير المركبات غير المأهولة تحت الماء تقدماً في العالم، وتدار هذه البرامج في سرية تامة تحت إشراف مديرية GUGI، التي تتمتع بميزانيات ضخمة واستقلالية تشغيلية كبيرة.  وتعد السفينة الروسية يانطار (Yantar) هي المنصة الأمثل لنشر هذه القدرات، وهي بمثابة سفينة أم لحمل ونشر مجموعة متنوعة من المركبات غير المأهولة. وتنتمي يانطار إلى وحدة GUGI السرية، وهي مجهزة بمعدات استشعار متطورة تشمل سونارات مسح جانبي (Side-scan sonar) ومغناطيسية عالية الدقة، ويمكنها حمل ونشر مركبات غير مأهولة تحت الماء القادرة على الغوص لأعماق تصل إلى 6000 متر، أي أكثر من عشرة أضعاف عمق الغوص للغواصات العسكرية التقليدية (24). في نوفمبر 2024، تم رصد يانطار وهي تبحر ببطء في البحر الأيرلندي فوق كابلات اتصالات حيوية تربط أوروبا بأميركا الشمالية، دون بث إشارات تحديد الموقع (AIS)، في محاولة واضحة لإخفاء أنشطتها عن أنظمة المراقبة التجارية. وبعد أن اضطرت القوات البحرية الأيرلندية والبريطانية إلى مراقبتها عن كثب وإجبارها على مغادرة المنطقة، أعادت يانطار تمركزها بسرعة في البحر الأبيض المتوسط، حيث انضمت إليها سفينة استخبارات روسية أخرى هي فيكتور ليونوف ، في نمط عملياتي واضح يشير إلى حملة منسقة لرسم خرائط البنى التحتية الحيوية تحت الماء في جميع المسارح الأوروبية، من شمال الأطلسي إلى جنوب المتوسط (2).

تتنوع المركبات غير المأهولة تحت الماء الروسية في أحجامها وقدراتها ومهامها بشكل كبير. من أبرزها مركبات كلافيسين (Klavesin-1RE وKlavesin-2R-PM) التي طورها مكتب روبين للتصميم (Rubin Design Bureau)، وهي مركبات ذاتية القيادة (AUVs) قادرة على الغوص حتى 6000 متر ومجهزة بأجهزة سونار متطور وأجهزة استشعار كهرومغناطيسية وكاميرات فيديو عالية الدقة، مما يجعلها مثالية لمسح قاع البحر بدقة متناهية، واكتشاف الكابلات والأنابيب والغواصات الراسدة، وتحديد مواقعها بدقة تصل إلى المتر. كما طورت روسيا مركبة لي أنبا (LI ANPA) التي تتميز بذراع آلية قابلة للبرمجة يمكن استخدامها للتلاعب بالكابلات أو قطعها أو حتى زرع أجهزة تفجير عليها، مما يجعلها أداة تخريب مثالية. وفي مجال الغوص فائق العمق، سجلت مركبة فيتياز-دي (Vityaz-D) رقماً قياسياً بالغوص حتى 10,028 متراً في عام 2020، أي إلى أعمق نقطة في المحيطات، مما يؤكد قدرة روسيا على الوصول إلى أي بنية تحتية تحت الماء في أي مكان في العالم، بغض النظر عن عمقها (17). وفي عام 2024، كشف مكتب روبين عن مركبة سوروغيت-في، وهي مركبة ذاتية القيادة قادرة على محاكاة الإشارات الصوتية للغواصات التقليدية، مما يمكن استخدامها كشراك خادعة لإرباك دفاعات العدو المضادة للغواصات وتضليل السونارات المعادية.

أما التطور الأكثر خطورة واستراتيجية فهو الغواصة النووية العملاقة بيلغورود، التي تعتبر منصة استراتيجية فريدة من نوعها بلا نظير في العالم. صممت بيلغورود خصيصاً لحمل ونشر مركبات لوشاريك الغاطسة للغاية، وهي غواصة صغيرة نووية يمكنها الغوص لأعماق تصل إلى 6000 متر والبقاء تحت الماء لفترات طويلة جداً، كما أنها قادرة على حمل ونشر طوربيد بوسيدون النووي الذي يعتبر سلاحاً استراتيجياً بحد ذاته. بوسيدون هو طوربيد نووي الدفع نووي الرأس، وهو سلاح فريد من نوعه قادر على الانطلاق بسرعة تزيد عن 100 عقدة بحرية (أي أكثر من 185 كم/ساعة) والغوص لأعماق كبيرة، ويمكن استخدامه لتوجيه ضربة نووية مدمرة للسواحل، أو لتفجير نووي تحت الماء يخلق موجات مد عاتية (تسونامي) مشعة تدمر المدن الساحلية بالكامل. لكن الأخطر في سياق الحرب الهجينة وحروب المنطقة الرمادية، أن بوسيدون يمكن استخدامه في مهام غير نووية أيضاً، مثل تدمير البنى التحتية الحيوية تحت الماء (كابلات الطاقة والاتصالات، خطوط الأنابيب) بشكل لا يمكن إسناده، حيث يصعب التمييز بين انفجار نووي تحت الماء وانفجار تقليدي ضخم، مما يخلق غموضاً استراتيجياً يربك آليات الرد.

في البحر الأبيض المتوسط، يمثل استخدام هذه الأنظمة تهديداً وجودياً حقيقياً. يكفي نشر مركبة غير مأهولة صغيرة وغير مكلفة من سفينة مدنية عادية مثل يانطار أو حتى من غواصة تقليدية لقطع كابل بحري رئيسي يربط أوروبا بآسيا عبر قناة السويس، مما يؤدي إلى شلل تام في الاتصالات والإنترنت في قارة بأكملها، وخسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات يومياً. يمكن لهذه المركبات أيضاً استهداف خطوط أنابيب الغاز في شرق المتوسط، مثل خط أنابيب شرق المتوسط . الذي يهدف لنقل الغاز من إسرائيل وقبرص إلى اليونان وإيطاليا، أو خط أنابيب العريش-عسقلان الذي ينقل الغاز المصري إلى إسرائيل والأردن، مما يؤدي إلى كوارث بيئية واقتصادية هائلة وزعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية. وقد حذرت تقارير استخبارية غربية من أن روسيا اختبرت بالفعل قدرات مماثلة في البحر الأيرلندي وبحر الشمال، وأن البحر الأبيض المتوسط أصبح الآن الهدف الرئيسي التالي لهذه الحملة السرية الممنهجة (2).

المطلب الثالث: الثدييات البحرية المدربة كأدوات استخبارية وهجومية

ربما يكون استخدام الثدييات البحرية المدربة من أكثر الأدوات إثارة للجدل والغرابة في ترسانة الحرب الهجينة، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها فعالية في مهام محددة، حيث تجمع بين الذكاء الطبيعي العالي والقدرات الفيزيولوجية الفائقة التي لا تستطيع أي تكنولوجيا بشرية محاكاتها بدقة. تمتلك كل من روسيا والولايات المتحدة برامج عسكرية طويلة الأمد ومكلفة لتدريب الدلافين والفقمات وأسود البحر وحتى الحيتان البيضاء (البيلوغا) لأغراض أمنية واستخبارية. يعود تاريخ هذه البرامج إلى حقبة الستينيات، حيث أدركت القوتان العظميان أن القدرات الطبيعية لهذه الكائنات تتفوق في بعض المهام على أي تكنولوجيا بشرية.

أولاً: الجذور التاريخية المبكرة للفكرة

تعود فكرة استخدام الثدييات البحرية للأغراض العسكرية إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث تشير بعض المصادر إلى أن رجل الأعمال الروسي إيمانويل نوبل كان أول من اقترح استخدام الدلافين لأغراض بحرية، لكن فكرته سرعان ما طواها النسيان (25). وخلال الحرب العالمية الأولى في عام 1915، تلقى مقر القيادة الرئيسية للبحرية الإمبراطورية الروسية اقتراحاً من مدرب الحيوانات الشهير فلاديمير دوروف لاستخدام الفقمات في البحث عن الألغام البحرية. أجريت تجربة ناجحة في خليج بالاكلافا في سيفاستوبول، حيث تم تدريب عشرين فقمة في غضون ثلاثة أشهر على تحديد مواقع الألغام تحت الماء وتمييزها بالعوامات، وتم نشرها بالفعل في البحر الأسود. لكن سوء الحظ حال دون استخدامها في ظروف قتالية فعلية، حيث تم تسميم جميع الحيوانات المدربة تقريباً في عملية تخريب محتملة، مما أنهى هذه التجربة المبكرة الواعدة (25).

ثانياً: البرنامج السوفيتي المنهجي (1965-1991)

في عام 1965، صدر مرسوم سري من مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي وتوجيه من القائد الأعلى للبحرية السوفيتية رقم 802/00970 بإنشاء القاعدة البحثية والتجريبية رقم 184 للبحرية في سيفاستوبول (الوحدة العسكرية 13132-K)، والتي تطورت لاحقاً لتصبح مركز الأكواريوم البحثي (25). تم تجميع كوادر الوحدة في 24 فبراير 1966، وعين الكابتن من الرتبة الأولى فيكتور كالاغانوف كأول رئيس لها، مع الكابتن من الرتبة الثالثة فلاديمير بيليايف نائباً له. ضم فريق العلماء المؤسسين كلاً من: غورباتشوف إي.أو، وبيليايف في.في، وسابيتوف أ.أ، ومانوخوف في.في، وبوجدانوفا إل.إم، وكارانديفا أو.جي، وبروتاسوف في.أ، وشوريبوفا جي.أ، وماتيشيفا إس.كي، وغيرهم (25). كان الهدف الأساسي دراسة الخصائص الفسيولوجية والديناميكية المائية والصوتية المائية للثدييات البحرية، وخاصة الدلافين التي تعيش في البحر الأسود.

في مارس 1973، تلقيت قيادة البحرية السوفيتية تقريراً سرياً عن القاعدة البحرية الأميركية في سان دييغو، كشف أنه في غضون عامين، نجح الأميركيون في تدريب مجموعة من الدلافين وحوتين قاتلتين على تحديد واسترجاع الطوربيدات القتالية الغارقة (25). دفعت هذه المعلومات السوفييت إلى تسريع برامجهم الموازية. منذ عام 1975، تم نشر الدلافين القتالية عند مدخل خليج سيفاستوبول كجزء من مفرزة PDSS رقم 102 التابعة لأسطول البحر الأسود السوفيتي.

ثالثاً: قدرات وإنجازات البرنامج السوفيتي

أثبتت هذه الثدييات فعاليتها العالية في اكتشاف المخربين، حيث حققت نسبة نجاح بلغت 80% في الظروف العادية. وكان أداؤها أقل قليلاً خلال العمليات الليلية، حيث تراوحت نسبة النجاح بين 28% و60%، لكنها بقيت ضمن حدود الحظائر الساحلية. في ظروف البحر المفتوح، كانت نسبة اكتشافها تقترب من 100% (25). بين عامي 1979 و1994، كانت الدلافين فعالة في تحديد مواقع أجسام تحت الماء بقيمة إجمالية تقدر بحوالي 50 مليون روبل، متجاوزة بكثير تكلفة صيانتها (25).

طور السوفييت قدرة فريدة للدلافين تتمثل في التصوير الفوتوغرافي تحت الماء. تم تصميم كاميرا خاصة للحيوانات، قادرة على تحمل الضغط على أعماق تزيد عن 100 متر. تم تدريب الدلافين على توجيه العدسة نحو الهدف، والبقاء ثابتة، ثم الضغط على زر الغالق. كان التحدي الأكبر هو استخدام فلاش قوي يمكن أن يعمي الدلافين، لذلك تم تدريبها على إغلاق أعينها أثناء التصوير. من خلال تحليل الصور، أصبح من الأسهل تحديد طبيعة الأشياء الملقاة في قاع البحر (25). بالإضافة إلى مهامها العسكرية، استخدمت الدلافين القتالية أيضاً في الأبحاث الأثرية، حيث لعبت دوراً حاسماً في البحث عن السفن القديمة الغارقة واسترجاع الأشياء من قاع البحر (25).

رابعاً: البرنامج الأوكراني والاستيلاء الروسي (1992-2014)

في عام 1992، انتقل الأكواريوم إلى أوكرانيا. في 23 فبراير 1993، أصبح الأكواريوم فرعاً للمعهد المركزي للبحوث التابع لوزارة الدفاع الأوكرانية. في 16 مايو 1994، تم منح الأكواريوم رسمياً وضع الدولة وأعيد تنظيمه كمركز أبحاث حكومي، تابع لكل من وزارة الدفاع والأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا (25). في عام 2013، أفادت تقارير أن البحرية الأوكرانية بدأت برامج تدريب للدلافين باستخدام أساليب جديدة، حيث تم تدريب مجموعة من عشرة دلافين لمهام محددة. كانت هناك تكهنات بأن الدلافين يمكن استخدامها لمواجهة الغواصين المعادين، لكن قيادة البحرية لم تعلق (25).

في 17 مارس 2014، تم الاستيلاء على الأكواريوم من قبل القوات الروسية بعد ضم القرم. انتقل تسعة من الأفراد الموالين فقط إلى موقع جديد في أوديسا (25). وقد أكد تقرير لوزارة الدفاع البريطانية في يونيو 2023 أن روسيا لا تزال تستخدم هذه القدرات، حيث تم رصد زيادة ملحوظة في عدد أقفاص الثدييات البحرية العائمة في ميناء سيفاستوبول . (26)

خامساً: القدرات الحالية والتوسع الروسي

تمتلك روسيا اليوم مركزين رئيسيين: سيفاستوبول (للدلافين) وأولينيا جوبا في القطب الشمالي (للبيلوغا والفقمات) (27). تظهر صور الأقمار الاصطناعية أن روسيا ضاعفت عدد الدلافين في سيفاستوبول إلى 6-7 دلافين (28; 27). المهمة الأساسية لهذه الدلافين هي مكافحة الغواصين المعادين (counter-diver operations)، أي حماية قاعدة سيفاستوبول من القوات الخاصة الأوكرانية (27).

أشهر مثال على برامج القطب الشمالي هو حوت البيلوغا هفالديمير (Hvaldimir)، الذي عثر عليه في النرويج عام 2019 بحزام يحمل شعار معدات سانت بطرسبرغ (27). أثارت وفاته في سبتمبر 2024 جدلاً واسعاً، لكن التشريح كشف أن السبب كان عدوى في الفم (29).

في سياق البحر الأبيض المتوسط، يثير هذا البرنامج تساؤلات جدية. سبق أن رصدت صور الأقمار الاصطناعية في عام 2018 نشر روسيا لأقفاص دلافين متنقلة في قاعدة طرطوس السورية (27)، مما يؤكد أن هذه القدرات قابلة للنشر خارج المسارح التقليدية. في حالة نشوب صراع في شرق المتوسط، يمكن لهذه الدلافين أن تشكل خط دفاع أول لحماية الأسطول الروسي، أو حتى أن تستخدم بشكل هجومي.

سادساً: البعد البيئي والأخلاقي (الإبادة البيئية)

يشير خبراء البيئة إلى أن استخدام الدلافين في الحرب يهدد الأنواع المهددة بالانقراض أصلاً في البحر الأسود (29). وقد قتل آلاف الدلافين في البحر الأسود منذ بدء الغزو الروسي، سواء بشكل مباشر نتيجة الأنشطة العسكرية، أو بشكل غير مباشر بسبب التلوث الضوضائي والكيميائي. هذا الإبادة البيئية (ecocide) الذي ترتكبه روسيا يمثل انتهاكاً للمعاهدات الدولية. ويعلق الخبير بافلو غولدين قائلاً: إن وجود روسيا في جميع هيئات حماية الطبيعة هو انحراف. إنهم لا يفعلون شيئاً لحماية الطبيعة؛ إنهم يفعلون كل شيء لتدميرها (29).

ويخلص تقرير متخصص إلى نتيجة مهمة: لا يمكن لأي فرد، بغض النظر عن معداته تحت الماء المتطورة، أن ينافس قدرات حيوان مدرب في بيئته المائية الطبيعية (25). هذه الخلاصة تعكس الفعالية الحقيقية لهذه البرامج على الرغم من الانتقادات الأخلاقية والبيئية.

خاتمة البحث

يتضح من الدراسة أن البحر الأبيض المتوسط قد تحول إلى ساحة رئيسية لصراعات المنطقة الرمادية، حيث تتداخل الأدوات السيبرانية والمعلوماتية مع التهديدات التقليدية وغير التقليدية لتشكل معاً بيئة أمنية شديدة التعقيد والغموض. لقد أكدت الدراسة أن العمليات السيبرانية والمعلوماتية لم تعد مجرد أدوات مساعدة في الصراع الدولي، بل أصبحت في صميم الاستراتيجيات الهجينة التي تتبناها القوى الكبرى، وفي مقدمتها روسيا، لتحقيق أهدافها الجيوسياسية مع البقاء تحت عتبة الحرب المعلنة. هذا التحول الجذري في طبيعة الصراع يفرض إعادة النظر في المفاهيم الأمنية التقليدية، وفي آليات الردع والمواجهة التي اعتمدت عليها الدول لعقود.

لقد أثبتت الدراسة أن منطقة البحر الأبيض المتوسط، بما تمتلكه من بنية تحتية حيوية كثيفة ومتشابكة (كابلات بيانات، خطوط أنابيب طاقة، موانئ، ممرات ملاحية)، تشكل هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية في أي صراع مستقبلي. فاستهداف هذه البنى، سواء عبر عمليات تخريب مادي تقوم بها وحدات الضفادع البشرية، أو عبر هجمات سيبرانية تستخدم مركبات غير مأهولة تحت الماء، أو عبر تشويش وخداع أنظمة الملاحة (GPS)، يمكن أن يخلف تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي والأمن القومي للدول المطلة على المتوسط. والأخطر من ذلك، أن هذه العمليات تتم في إطار المنطقة الرمادية حيث يصعب إسنادها بشكل قاطع، مما يربك آليات الدفاع الجماعي مثل المادة الخامسة من معاهدة الناتو، ويخلق حالة من الغموض الاستراتيجي تستغلها الدول المعادية لتحقيق مكاسب تراكمية على المدى الطويل.

كما كشفت الدراسة عن تنسيق متزايد بين روسيا والصين في توظيف أدوات المنطقة الرمادية، وهو تطور استراتيجي بالغ الخطورة. فاستخدام سفن صينية لتنفيذ عمليات تخريب (مثل جر المراسي لقطع الكابلات) بعد مغادرتها موانئ روسية، يخلق طبقة إضافية من الغموض الدبلوماسي ويعطل آليات الإسناد. هذا التحالف الوظيفي (وليس الأيديولوجي) يسمح للبلدين بتبادل الخبرات وتقاسم الأعباء وزيادة الضغط على الغرب في جبهات متعددة، مما يحول البحر الأبيض المتوسط إلى ساحة اختبار لهذا النمط الجديد من الصراع المنسق.

على صعيد التهديدات غير التقليدية، قدمت الدراسة تحليلاً لثلاث أدوات رئيسية تمثل الترسانة الخفية للحرب الهجينة: الضفادع البشرية (Frogmen) بإرثهم التاريخي من الحرب الباردة وقدراتهم المتطورة اليوم، والمركبات غير المأهولة تحت الماء (UUVs) والغواصات المسيرة التي أحدثت نقلة نوعية في قدرات الحرب تحت الماء بفضل الذكاء الاصطناعي، والثدييات البحرية المدربة التي تمثل أحد أغرب وأكثر البرامج إثارة للجدل. وقد تبين أن روسيا تمتلك برامج متطورة في هذه المجالات جميعها، وتستخدمها بشكل فعال في مسارح عمليات مختلفة، بما في ذلك البحر الأسود والقطب الشمالي، مع إمكانية نشرها في البحر الأبيض المتوسط عبر قاعدة طرطوس السورية.

ثانياً: النتائج

في ضوء التحليل الذي قدمته الدراسة، يمكن استخلاص النتائج الرئيسية التالية:

تحول البحر الأبيض المتوسط إلى ساحة رئيسية لحروب المنطقة الرمادية. حيث أكدت الدراسة أن البحر الأبيض المتوسط، نظراً لأهميته الجيوستراتيجية وتركيز البنى التحتية الحيوية فيه، أصبح ساحة اختبار رئيسية لتكتيكات المنطقة الرمادية. فقد أظهرت الحوادث الموثقة في الفترة من 2022 إلى 2025 (تفجيرات نورد ستريم، قطع كابل Balticconnector، قطع كابلي Arelion وC-Lion 1، قطع كابل Estlink-2، قطع كابل Gotland-Ventspils) نمطاً ممنهجاً من الاستهداف يتزامن مع فترات التوتر الجيوسياسي. كما أن النشاط الاستخباراتي المكثف الذي تقوم به سفن مثل يانطار (Yantar) في المتوسط يؤكد أن المنطقة أصبحت هدفاً رئيسياً لعمليات رسم الخرائط والاستطلاع تمهيداً لعمليات مستقبلية.

أثبتت الدراسة أن العمليات السيبرانية (بما فيها الحرب الإلكترونية عبر تشويش GPS) والعمليات المعلوماتية (بما فيها حملات التضليل والحرب المعرفية) تمثل الأدوات الأكثر فعالية في حروب المنطقة الرمادية. فهي عابرة للحدود، منخفضة التكلفة نسبياً، يصعب إسنادها، وقادرة على إحداث تأثيرات استراتيجية كبرى. وقد تجلى ذلك في عمليات التشويش والخداع الواسعة النطاق في شرق المتوسط والتي وصلت إلى التأثير على مطارات بيروت والقاهرة وأدت إلى سقوط صواريخ في سيناء.

كشفت الدراسة عن تنسيق متزايد بين روسيا والصين في توظيف أدوات المنطقة الرمادية. فاستخدام سفن صينية لتنفيذ عمليات تخريب (بعد مغادرتها موانئ روسية) يخلق طبقة إضافية من الغموض الدبلوماسي ويعطل آليات الإسناد. هذا التنسيق يمتد ليشمل تبادل الخبرات في تقنيات التضليل والحرب السيبرانية، مما يزيد الضغط على الغرب في جبهات متعددة.
أكدت الدراسة أن الاعتماد شبه العالمي على نظام GPS كمصدر وحيد للملاحة والتوقيت يشكل نقطة فشل وحيدة يمكن استغلالها بسهولة. وقد أظهرت تجارب سلطة المنارات العامة أن تشويش GPS لا يؤدي فقط إلى فقدان الخدمة، بل قد ينتج معلومات خاطئة ومضللة (HMI) تهدد السلامة الملاحية. كما أن حوادث الخداع (spoofing) في شرق المتوسط كشفت عن تأثير مباشر لهذه العمليات على أمن الدول المجاورة.

أظهرت الدراسة أن روسيا تمتلك قدرات متطورة في مجالات الضفادع البشرية (بإرث تاريخي من الحرب الباردة)، والمركبات غير المأهولة تحت الماء (مثل كلافيسين وفيتياز-دي)، والثدييات البحرية المدربة (الدلافين في سيفاستوبول، والبيلوغا في القطب الشمالي). هذه القدرات، التي تم توثيق استخدامها في البحر الأسود والقطب الشمالي، يمكن نشرها في البحر الأبيض المتوسط عبر قاعدة طرطوس، مما يشكل تهديداً استراتيجياً للبنى التحتية الحيوية في المنطقة.

ثالثاً: التوصيات

بناءً على النتائج السابقة، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات على المستويات المختلفة:

أولاً: التوصيات الخاصة بمصر

  1. إنشاء هيئة وطنية متخصصة لمواجهة الحرب الهجينة على غرار التجارب الأوروبية (مثل المبادرة الإيطالية قيعان آمنة Fondali Sicuri)، يوصى بإنشاء هيئة وطنية مصرية تجمع جميع الجهات المعنية (القوات المسلحة، وزارة الداخلية، المخابرات العامة، وزارة الاتصالات، الهيئة الوطنية للإعلام) لتنسيق الجهود في مواجهة التهديدات الهجينة، وتبادل المعلومات، والتخطيط للطوارئ.
  2. تطوير أنظمة ملاحة احتياطية غير معتمدة على GPS فبالنظر إلى تزايد عمليات التشويش والخداع على نظام GPS في المنطقة، يجب على مصر الاستثمار في تطوير أنظمة ملاحة بديلة وأكثر أماناً لحركة الملاحة في قناة السويس والموانئ المصرية. يمكن أن يشمل ذلك إحياء أنظمة الملاحة الأرضية (eLoran) وتطوير نظام ملاحة وطني يعتمد على دمج أنظمة متعددة (GPS، GLONASS، Galileo، BeiDou).
  3. يجب الاستثمار في تقنيات المراقبة تحت الماء، بما في ذلك أنظمة السونار المتطورة والمركبات غير المأهولة تحت الماء (UUVs)، للكشف عن أي أنشطة مشبوهة تستهدف الكابلات البحرية وخطوط الأنابيب في المياه الاقتصادية المصرية.
  4. تعزيز القدرات الوطنية للأمن السيبراني لحماية البنى التحتية الحيوية (شبكات الكهرباء، الاتصالات، الموانئ، قناة السويس) من الهجمات السيبرانية. يجب إنشاء فرق استجابة سريعة للطوارئ السيبرانية (CERTs) متخصصة في هذه القطاعات الحيوية.
  5. إطلاق برامج وطنية لمحو الأمية الإعلامية والرقمية لمواجهة حملات التضليل المعززة بالذكاء الاصطناعي، يجب إطلاق برامج وطنية تستهدف المواطنين، ولا سيما الشباب، لتعليمهم كيفية التحقق من المعلومات وكشف المحتوى المزيف (Deepfakes).
  6. تعزيز التعاون الأمني مع الدول الشريكة في منتدى غاز شرق المتوسط (قبرص، اليونان، إسرائيل) لتبادل المعلومات الاستخبارية عن الأنشطة المشبوهة في البحر، وتنسيق جهود حماية البنى التحتية للطاقة، والتدريبات المشتركة على مواجهة الحوادث. يمكن أن يكون مركز MarCCE في قبرص منصة مهمة لهذا التعاون.
  7. الاستفادة من النموذج الفنلندي في حظر تملك الأجانب للعقارات القريبة من المنشآت الحساسة، وتحديث القوانين المصرية لمنع أي تملك أجنبي في محيط القواعد العسكرية والموانئ ومحطات الطاقة والكابلات البحرية.

ثانياً: التوصيات على المستوى الإقليمي والدولي

  1. العمل على تطوير أطر قانونية دولية تحدث تعريفاً أدق لهذه المنطقة الرمادية وتحدد قواعد الرد عليها، بما في ذلك وضع آليات واضحة للإسناد والمساءلة في الفضاء السيبراني.
  2. تعزيز التنسيق بين الحلف والاتحاد في عمليات المراقبة البحرية (مثل عملية إيريني وعملية بالتيك سينتري)، وتبادل المعلومات الاستخبارية عن الأنشطة المشبوهة تحت سطح البحر.
  3. تطوير آليات تعاون إلزامية بين الحكومات والشركات الخاصة المالكة والمشغلة للبنى التحتية الحيوية (كابلات البيانات، شركات الطاقة، مشغلي الاتصالات) لضمان تبادل المعلومات عن التهديدات في الزمن الحقيقي، وتطوير معايير أمنية موحدة.
  4. دعم البحوث والتطوير في مجال تقنيات المراقبة تحت الماء، بما في ذلك أنظمة الكشف عن المركبات غير المأهولة والضفادع البشرية، وأنظمة الملاحة الاحتياطية.

رابعاً: البحوث المستقبلية المقترحة

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، وتطورات المشهد الأمني في المنطقة، يقترح إجراء البحوث المستقبلية التالية:

  1. تحليل كيفية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في حملات التضليل التي تستهدف المجتمعات العربية، وتأثير ذلك على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
  2. تحليل كيف تستخدم منصات مثل فيسبوك وتويتر وتيك توك في نشر الروايات المضللة وتغذية الانقسامات في دول المنطقة.
  3. دراسة مقارنة لبرامج الثدييات البحرية المدربة في روسيا والولايات المتحدة عبر تحليل تطور هذه البرامج، وفعاليتها، وآثارها البيئية والأخلاقية، وإمكانية تطوير برامج مماثلة في المنطقة العربية.
  4. دراسة تقنية وقانونية متخصصة حول أفضل السبل لحماية شبكة الكابلات البحرية العابرة في البحر المتوسط قبالة السواحل المصرية.
  5. دراسة تقديرية للخسائر الاقتصادية المحتملة في حالة تعرض نظام GPS في قناة السويس لهجوم إلكتروني ناجح.
  6. دراسة مقارنة للقوانين العربية في مجال الأمن السيبراني وحماية البنى التحتية، وتحديد الثغرات التي يمكن استغلالها من قبل الدول المعادية.
  7. تحليل كيف يؤثر هذا التنسيق على الصراعات القائمة في المنطقة (مثل الصراع في سوريا وليبيا) وعلى توازنات الطاقة.

 قائمة المراجع:

  1. Agenzia Nova. (2025, November 18). Mediterranean: The Shade Med conference in Rome focuses on hybrid threats and maritime security. Agenzia Nova. Retrieved February 20, 2026, fromhttps://www.agenzianova.com/en/news/mediterraneo-a-roma-la-conferenza-shade-med-focus-su-minacce-ibride-e-sicurezza-marittima-video/
  2. OMEN SOCEUR. (2025, May 8). Grey Zone Maritime Threats in European Waters Demand New Security Strategies. OMEN SOCEUR Geopolitical Threats. Retrieved February 20, 2026, fromhttps://3gimbals.com/insights/grey-zone-maritime-threats-in-european-waters-demand-new-security-strategies/
  3. (2025, September 5). Tackling Russia’s hybrid war on Europe: Jamming and spoofing in the ‘grey zone’. Euronews.com. Retrieved February 20, 2026, from https://www.euronews.com/2025/09/05/tackling-russias-hybrid-war-on-europe-jamming-and-spoofing-in-the-grey-zone
  4. الجزيرة. (2025، يوليو 17). ميتا وغوغل تتوسعان في إطلاق الكابلات البحرية لمواكبة الطلب المتزايد. الجزيرة نت. تم الاسترجاع في 20 فبراير، 2026، من : https://tinyurl.com/ms9vu5ex
  5. my-communication. (2025، ديسمبر 29). الكابلات البحرية Submarine Cables | العمود الفقري للإنترنت العالمي.
  6. الجزيرة. (2022، نوفمبر 5). هل تكون إسرائيل البديل؟.. مصر من كبرى نقاط تركيز كابلات الإنترنت. الجزيرة نت.
  7. Hoffman, F. G. (2007). Conflict in the 21st Century: The Rise of Hybrid Wars. Potomac Institute for Policy Studies.
  8. Caparini, M., & Last, D. (Eds.). (2025). Policing the Grey Zone. NATO DEEP eAcademy Press. https://deepportal.hq.nato.int/eacademy/wp-content/uploads/2026/01/Policing-the-Grey-Zone.pdf
  9. Cockbain, S. (2025, December 30). Between Peace and War: The UK-Russia Threat Landscape in 2026. Global Situ. Retrieved February 20, 2026, from https://www.globalsitu.com/post/between-peace-and-war-the-uk-russia-threat-landscape-in-2026
  10. NATO Association of Canada. (2026). Russian Drones in Europe: New Tools of Hybrid Warfare. NATO Association of Canada. Retrieved February 20, 2026, from https://natoassociation.ca/russian-drones-in-europe-new-tools-of-hybrid-warfare/
  11. ua. (2026, January 12). British intelligence warns of expansion of Russia’s hybrid war against Europe. Online.ua. Retrieved February 20, 2026, from https://news.online.ua/en/british-intelligence-warns-of-expansion-of-russias-hybrid-war-against-europe-900486/
  12. Giordano, J. (2026, January 6). Cognitive Warfare 2026: NATO’s Chief Scientist Report as Sentinel Call for Operational Readiness. Institute for National Strategic Studies, National Defense University Retrieved February 20, 2026, from https://inss.ndu.edu/Media/News/Article/4371195/cognitive-warfare-2026-natos-chief-scientist-report-as-sentinel-call-for-operat/
  13. Wheeler, B., & Seddon, P. (2025, November 19). Russian spy ship pointed lasers at RAF pilots tracking it, says UK. BBC News Retrieved February 21, 2026, from https://www.bbc.com/news/articles/cx24028k7edo
  14. Pryhodko, R. (2025, November 19). Russian Reconnaissance Ship Blinded British Aircraft With a Laser Near Scottish Territorial Waters. Militarnyi. Retrieved February 21, 2026, from https://militarnyi.com/en/news/russian-reconnaissance-ship-blinded-british-aircraft-with-a-laser-near-scottish-territorial-waters/
  15. الجزيرة. (2024، أبريل 3). الإنترنت البحري.. أسلاك تتحكم بالإنترنت العالمي. الجزيرة نت. تم الاسترجاع في 21 مارس، 2026، من : https://tinyurl.com/292kn5k3
  16. Wikipedia contributors. (2026). EastMed pipeline. In Wikipedia, The Free Encyclopedia. Retrieved February 22, 2026, from https://en.wikipedia.org/wiki/EastMed_pipeline
  17. Telecom Review. (2025). الكابلات البحرية تمكّن الاتصال وتربط محاور العالم. Telecom Review Arabia. تم الاسترجاع في 22 فبراير، 2026، من https://www.telecomreviewarabia.com/articles/reports-coverage/4139-submarine-cables-enable-connectivity-and-connect-the-world-s-hubs
  18. مصطفى كامل الشريف. (بدون تاريخ). حرب الأقمار: الوجه الخفي للتجسس على أنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية/الحلقة 4. dk. Retrieved February 22, 2026, from
    https://itach.dk/gnss/
  19. سي ان ان عربية (2024, April 19). بعد التشويش بأنظمة تحديد المواقع.. رئيس هيئة الاتصالات الأردنية يتحدث لـCNN Arabic. Retrieved February 22, 2026, from https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2024/04/19/gps-signal-jamming-jordan-telecommunications-experts-cnn
  20. Goward, D. A. (n.d.). GPS Jamming and Spoofing: Maritime’s Biggest Cyber-Threat. RNT Foundation. Retrieved February 22, 2026.
  21. Bergmann, M., & Lohsen, A. (Eds.). (2022). Understanding the broader transatlantic security implications of greater Sino-Russian military alignment. Center for Strategic and International Studies. https://csis-website-prod.s3.amazonaws.com/s3fs-public/publication/221208_Bergmann_SinoRussian_Alignment_0.pdf?VersionId=7acp639vRIgDTxtXWguyDCO5KXDnGJPE
  22. AST Networks. (2025, April 4). AST Networks: GPS Jamming and Spoofing Threaten Maritime Navigation https://ast-networks.com/insights/news/jamming-and-spoofing/
  23. Presidency of the Republic of Cyprus. (2025, December 22). Joint Declaration of the 10th Trilateral Summit of Israel, Greece, and Cyprus[Press release]. Press and Information Office. Retrieved February 25, 2026, from https://www.gov.cy/en/president-of-the-republic-presidency/joint-declaration-of-the-10th-trilateral-summit-of-israel-greece-and-cyprus/
  24. Hazou, E. (2026, February 26). Israel welcomes upcoming launch of joint maritime cybersecurity centre in Cyprus. Cyprus Mail. Retrieved February 25, 2026 https://cyprus-mail.com/2026/02/26/israel-welcomes-upcoming-launch-of-joint-maritime-cybersecurity-centre-in-cyprus https://cyprus-mail.com/2026/02/26/israel-welcomes-upcoming-launch-of-joint-maritime-cybersecurity-centre-in-cyprus
  25. Volodymyr B. (2023, June 26). Decoding the mystery: separating facts from fiction on combat dolphins. Militarnyi. Retrieved February 25, 2026, from https://militarnyi.com/en/articles/decoding-the-mystery-separating-facts-from-fiction-on-combat-dolphins/.
  26. Grant, A., Williams, P., Shaw, G., De Voy, M., Ward, N., Understanding GNSS Availability and How it Impacts Maritime Safety, Proceedings of the 2011 International Technical Meeting of The Institute of Navigation, San Diego, CA, January 2011, pp. 687-695.
  27. Sutton, H. I. (2022, April 27). Trained Russian Navy Dolphins are Protecting Black Sea Naval Base, Satellite Photos Show. USNI News. Retrieved February 27, 2026, from https://news.usni.org/2022/04/27/trained-russian-navy-dolphins-are-protecting-black-sea-naval-base-satellite-photos-show
  28. Vadim Kushnikov(2023,). Russians increase the number of dolphins to protect the Sevastopol Bay. Мілітарний. Retrieved February 27, 2026, from https://militarnyi.com/en/news/russians-increase-the-number-of-dolphins-to-protect-the-sevastopol-bay/
  29. Query, A. (2024, October 8). In Memory of Whale Spy Hvaldimir, Exposing Russia’s Cruel Sea Animals Programs. UNITED24 Media. Updated July 3, 2025. Retrieved March 2, 2026, from https://united24media.com/world/in-memory-of-whale-spy-hvaldimir-exposing-russias-cruel-sea-animals-programs-2879
  30. NATO Science & Technology Organization. (2025, December 18). NATO Chief Scientist releases new reports on resilience and cognitive warfare. NATO STO. https://www.nato.int/content/dam/nato/webready/documents/sto/chief-scientist-report-resilience.pdf

 

مشروعات خطوط الأنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا: الفرص والتحديات
جيوبوليتيك الممرات البديلة : دراسة حالة الممر الأوسط والربط عبر المتوسط
حدود واستدامة الميزة الاستراتيجيه المصرية كمركز لنقل وتداول الطاقة في شرق المتوسط
مستقبل سيطرة الجزائر على سوق الطاقة في غرب المتوسط…. في ظل مشاريع الاستفادة من احتياطات الغاز الطبيعي في نيجيريا
أزمة الطاقة وأثرها على الأمن الإقليمي في دول شمال المتوسط:فرنسا نموذجًا
Share This Article
Facebook Email Print
Previous Article أزمة الطاقة وأثرها على الأمن الإقليمي في دول شمال المتوسط:فرنسا نموذجًا
Next Article تقرير تحليلي حول محاضرة “Mediterranean Geopolitics Outlook” قدمها Dr. John Nomikos يوم الخميس الموافق 12 مارس 2026 ضمن فعاليات MEGAS Ramadan Strategic Series 2026
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تقييم الوصفة




تابعنا

اعثر علينا على الوسائط الاجتماعية
FacebookLike
XFollow
YoutubeSubscribe
TelegramFollow

النشرة الأسبوعية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على أحدث مقالاتنا على الفور!
[mc4wp_form]
أخبار شعبية
دراسات

مشروعات خطوط الأنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا: الفرص والتحديات

mohamed Ramadan
By
mohamed Ramadan
3 أشهر ago
شراكة استراتيجية نوعية مع (CEMMIS)
البرنامج التدريبي “Mediterranean Future Leaders “MFL
شراكة أكاديمية فاعلة مع فريق البحث العلمي بكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
حروب المناطق الرمادية في المتوسط: العمليات السيبرانية والمعلوماتية كأدوات للصراع منخفض الحدة
- الإعلانات -
Ad imageAd image
حالات فيروس كورونا العالمية

Confirmed

0

Death

0

معلومات اكثر: إحصائيات كوفيد -19

مركز الدراسات الجيوبوليتيكية والاستراتيجيه للبحر المتوسط Mediterranean Geopolitics and Strategy Institute

مركز بحثي مستقل يعني بدراسات البحر المتوسط في الشئون السياسية / الجيوبوليتيكية / الاستراتيجيه.

الصفحات الرئيسية

  • الصفحة الرئيسية
  • من نحن
  • دورات تدريبية
  • دراسات
  • الفعاليات
  • الاشتراكات
  • اتصل بنا

روابط هامة

  • سياسة الخصوصية
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الاستبدال والاسترجاع

تجدنا على مواقع التواصل الاجتماعي

جميع الحقوق محفوظة © MEGAS .
انضم إلينا!
اشترك في النشرة الإخبارية لدينا ولا تفوت آخر الأخبار والبودكاست وما إلى ذلك.
[mc4wp_form]
صفر بريد مزعج ، إلغاء الاشتراك في أي وقت.
Welcome Back!

Sign in to your account

Username or Email Address
Password

Lost your password?